العلاقات الاجتماعية والصحة النفسية: كيف يؤثر من حولك على توازنك؟
لا يستطيع إنسان أن يعيش بمفرده، وربّما لا يشعر بعض الناس بالسعادة إلّا إذا شاركوها مع غيرهم، ولا يحدث ذلك إلّا إذا كانت هناك علاقة بين هؤلاء الناس وغيرهم.
فالعلاقات الاجتماعية أمر مركوز في الطبيعة الإنسانية، رغم الخلافات التي تقع أحيانًا بين أطراف العلاقة، لكن تظلّ هناك حاجة إلى أن يأنس المرء بأشخاصٍ آخرين، يبثّ همومه إليهم، ويشارِك فرحته معهم، ويتعاون معهم في حلّ المشكلات وغير ذلك.
ولكن الأمر أعمق من ذلك؛ إذ العلاقات الاجتماعية قد تكون مرآة لصحتك النفسية، فما دور العلاقات الاجتماعية في تحسين الصحة النفسية؟ ومتى تحتاج إلى إعادة تقييم العلاقات المحيطة بك؟
دور العلاقات الاجتماعية في تحسين الصحة النفسية
العلاقات الاجتماعية كالهواء بالنسبة للإنسان؛ لا يستطيع أن يعيش منفردًا أو معزولًا؛ فالأشخاص الذين لديهم أصدقاء ومُقرّبون يثقون بهم، هم أكثر رضا عن حياتهم وأقل عرضة للمعاناة من الاكتئاب، حسب دراسة عام 2020 في المجلة الأمريكية للطب النفسي.
لذلك فإنّ وجود الأصدقاء يحمي من الشعور بالوحدة، كما أنّهم قادِرون على:
- تعزيز شعورك بالترابُط والانتماء.
- رفع مستوى سعادتك وتقليل حدة التوتر والإجهاد النفسي.
- تحسين ثقتك بنفسك وإحساسك بقيمة ذاتك.
- مساعدتك على التغلب على الأوقات الصعبة، مثل الطلاق أو فقدان وظيفة أو مرض خطير أو وفاة أحد الأحباء.
- حثّك على تغيير أو تجنّب عادات غير صحية، مثل عدم ممارسة الرياضة.
وحسب "Mayo Clinic"، فإنّ البالغين الذين لديهم روابط اجتماعية قوية يقل احتمال إصابتهم بالعديد من المشكلات الصحية، بما في ذلك الاكتئاب، وارتفاع ضغط الدم، والوزن غير الصحي.
تأثير العزلة الاجتماعية على الصحة النفسية
يتعرض الأشخاص المعزولون اجتماعيًا لقدر أكبر من الضغوط المرتبطة بالعمل، كما يكون لديهم رضا أقل عن حياتهم، حسب دراسة عام 2021 في دورية "Humanities and Social Sciences Communications"
كذلك يمكن أن تؤدي العزلة الاجتماعية إلى تغييرات في الدماغ تُسهِم في ظهور مشكلات الصحة النفسية، حسب مراجعة عام 2021 في المجلة الدولية للبحوث البيئية والصحة العامة.
العزلة الاجتماعية والصحة الجسدية
من ناحية أخرى، قالت "جوليان هولت-لونستاد"، الحاصلة على الدكتوراه، وأستاذة علم النفس وعلوم الأعصاب في جامعة بريغهام يونغ:
"عندما يعاني الأشخاص ضعف الروابط الاجتماعية -سواء بسبب العزلة أو الشعور بالوحدة أو العلاقات الرديئة- فإنّهم يواجِهون خطرًا متزايدًا للوفاة المبكّرة".
كذلك فإنّ الأشخاص الذين يفتقرون إلى الصداقات الجيّدة أو الشراكات الرومانسية أو العلاقات الأخرى، يزداد خطر إصابتهم بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفاة المبكرة، وفقًا لدراسة طولية أُجريت على ما يقرب من 480,000 شخص من سكّان المملكة المتحدة، منشورة عام 2019 في دورية "Heart" البريطانية.
بل بيّنت دراسة أخرى عام 2015 في دورية "Perspectives on Psychological Science" أنّ الوحدة تزيد خطر الإصابة بالوفاة المبكرة بنحو 26%.
اقرأ أيضًا: الأرق النفسي: أسبابه النفسية وطرق العلاج الطبيعي
الفرق بين العلاقات الصحية والعلاقات المستنزِفة
صحيح أنّ العزلة الاجتماعية مُضرّة بالصحة النفسية، لكن ذلك لا يعني البحث عن أي علاقة اجتماعية، بل يمكِن للعلاقات أن تستنزِف صحتك النفسية أحيانًا، وفيما يلي بعض السمات المميّزة للعلاقات غير الصحية:
- الافتقار إلى التواصل الواضح: فقد يكون هناك نقص في قدرة أحد الأفراد على التعبير عن الاحتياجات والمشاعر، وربّما يتسبّب نقص التواصل في سوء الفهم والاستياء.
- انعدام الثقة: في العلاقة غير الصحية، قد تكون الثقة منعدمة، خصوصًا إذا كان أحد أفراد العلاقة غير مخلِص في مودّته، فلا يشعر المرء بالأمان في العلاقة معه.
- عدم الاحترام: كذلك غياب الاحترام بتجاهل المشاعر أو الآراء أو الحدود من سمات العلاقات المستنزِفة، كما أنّ ذلك مُسبِّب للأذى النفسي.
- نقص الدعم: أيضًا في العلاقة غير الصحية، لا يدعم الأشخاص بعضهم بعضًا، فيكون أحدهما أو كلاهما في حالة من العُزلة.
- غياب الحدود: قد يتمثّل إمّا في عدم وضوح الحدود التي تضعها داخل العلاقة، أو في تجاوز الآخرين لها عبر اقتحام مساحتك الشخصية أو وقتك، أو اتخاذ قرارات بالنيابة عنك.
- حلّ النزاعات بطرقٍ سيئة: في العلاقات غير الصحية، لا تُحلّ النزاعات بودٍ وهدوء، بل غالبًا ما يتمّ حلّ النزاع -إن كان هناك حل- بوسائل غير صحية، مثل الصراخ أو الشتائم أو العنف الجسدي.
كيف تحافظ على العلاقات الاجتماعية الصحيّة؟
يتطلّب الحفاظ على العلاقات الصحيّة بذل جهدٍ بلا شك، فالعلاقات السويّة كالبذرة التي تُروَى بمرور الوقت بالسلوكات الإيجابية من أطراف العلاقة، حتى تثمِر حبًا ومودّة، تستند عليهما العلاقة فلا تضطرب مع تقلّبات الحياة. وفيما يلي بعض النصائح للمساعدة على الحفاظ على العلاقات الاجتماعية الصحيّة:
1. كُن واضحًا بشأن ما تريده
هذا يساعدك على توضيح وجهة نظرك بوضوح وصدق مع احترام وجهة نظر الشخص الآخر. حاوِل استخدام كلمة "أنا" بدلًا من كلمة "أنت" النقدية، فمثلًا قُل: "أنا أكره ذلك"، بدلًا من قول: "أنت لا تساعدني أبدًا".
2. اعتذر عندما تخطئ
من الطبيعي أن تقع الأخطاء بين الحين والآخر في أي علاقة، ولكن المهم ما يحدث بعد الخطأ، هل يتم احتواء الموقف أم تنهار العلاقة.
لذلك فالاعتذار عند الخطأ أمر ضروري للغاية، لأنّه لا يساعد على تجاوز أو مغفرة الخطأ فحسب، بل يجعل العلاقة أقوى أيضًا.
3. أظهر التقدير للطرف الآخر
يمكن أن تصبِح العلاقات روتينية بعد فترة من الوقت، لذا حاوِل أن تظهِر التقدير والمشاعر للطرف الآخر وأنّك مُمتن لاستمرار تلك العلاقة أو الصداقة.
اقرأ أيضًا: التوتر تحت السيطرة: 6 خطوات عمليّة للرجال لاستعادة التوازن النفسيّ
4. اجعل العلاقة أولوية
قد يكون من الصعب تحقيق التوازن بين العلاقات والعمل والأسرة، ولكن حاول أن تضع حدودًا في العمل للوصول إلى التوازن المطلوب، وتوفير بعض الوقت لتعميق علاقاتك الاجتماعية.
5. ابحث عن الحلول التي تناسبكم
قد ينشب الخلاف أحيانًا في أي علاقة، ولكن من الضروري تقبّل الاختلافات أيضًا، والأهم العثور على حلول وسط تناسب أطراف العلاقة جميعًا قدر الإمكان.
متى يجب إعادة تقييم العلاقات المحيطة بك؟
في بعض الأحيان، قد لا يمكن استدامة العلاقة أو إنقاذها، خصوصًا عندما يتنازل أحد الأطراف باستمرار، بينما يستمرّ الطرف الآخر في الإساءة، ولذلك يجب معرفة متى يجب إعادة تقييم العلاقات المحيطة بك، والتي يمكن أن تضرّ الصحة النفسية بدلًا من أن تفِيدها، كما يتضح فيما يلي:
1. هل تواصلت مع الشخص بشأن مخاوفك؟
أحيانًا لا يعرف الناس أنّ سلوكهم يؤثِّر في الآخرين، وربّما يستحق الأمر محاولة واحدة على الأقل لإعلام الشخص بكيفية تأثير سلوكه سلبًا عليك، مثل الصديق الذي لا يستمع إليك أبدًا، ويستمرّ في الحديث عن نفسه.
فما لم تقُل أي شيء، فلن تعرف على وجه اليقين ما إذا كان الشخص قابلًا للتغيير أو متحمسًا للحفاظ على العلاقة أم لا.
2. هل توفّر لك العلاقة أي شيءٍ إيجابي؟
تتطلّب جميع العلاقات العمل من جميع الأطراف المعنيّة، بما يتضمّنه ذلك من الصبر وقبول عيوب الآخرين، ولكن أي علاقة -بغض النظر عن السياق- يجب أن تقدّم لك شيئًا إيجابيًا أيضًا.
ولكن إذا كانت العلاقة تجلب مزيدًا من الصراع والسلبية والبؤس أكثر من السعادة والمُتعة، فقد يكون الوقت قد حان للتفكير فيما إذا كانت العلاقة قابلة للاستمرار أم لا.
وأحد الأساليب العملية جدًا لتقييم ذلك هو ملاحظة عدد المرات التي تشعر فيها بالارتياح عندما تكون مع الشخص مقابل عدد المرات التي تشعر فيها بالقلق أو الحزن أو الإحباط، فإذا كان الغالب مشاعر سلبية معظم الوقت، فهي علامة على أنّك بحاجةٍ إلى إعادة تقييم العلاقة.
اقرأ أيضًا: بين ضغوط الحياة والعمل.. كيف يحافظ الرجل الناجح على صحته النفسية؟
3. هل يمكنك إنشاء بعض الحدود التي يمكِن أن تبقِي على العلاقة؟
مثلًا إذا كان هناك شخص ما في حياتك يرسِل رسائل نصّية أو يتصل بك أو يأتي إليك باستمرار، فيمكنك أن تقترح أن يكون لديك بعض المساحة وأن يكون هناك إيقاع تواصل مناسب لكل منكما.
وبالنسبة للصديق الذي يقدّم باستمرار نصيحة غير مرغوب فيها، أخبِره أنّك ترغب في أن يستمع إليك، وإذا كُنت تريد نصيحته فسوف تطلبها. هذا كلّه إذا كان وضع الحدود ممكنًا.
4. هل كان الشخص مُسيئًا جسديًا أم عاطفيًا؟
هذه هي أكبر علامة على أنّ العلاقة بحاجة إلى إعادة تقييم أو ربّما ينبغي إنهاؤها، ففي العموم إذا كان شخص ما يتصرّف بطرق مُسيئة، فلا خيار آخر سوى إنهاء العلاقة.
وإذا لم تكن متأكدًا مما إذا كنت تتعرض للإساءة أم لا، كأن تجد نفسك تقضي وقتًا طويلًا في تبرير سلوكهم لنفسك أو للآخرين، فمن المفيد التحدّث إلى شخص تثق به أو إلى مختص في الصحة النفسية للحصول على منظور أوضح.
صحيح أنّه من المنطقي إعطاء معظم العلاقات فرصة للنجاح، ولكن هناك بعض العلاقات التي لا يمكن إنقاذها.
