الأرق النفسي: أسبابه النفسية وطرق العلاج الطبيعي
قد تُجهِّز غرفة نومك جيدًا، وتمتنع عن تناول القهوة مع اقتراب المساء، لا لشيءٍ إلّا لتنعم بنومٍ جيّد خلال الليل، ولكن ما إن تضع رأسك على وسادتك، وتمرّ فقط بضع دقائق دون نوم، إلّا وتبدأ بالقلق بشأن تأثير قلة نومك على إنجاز مهامك في اليوم التالي.
وما أن يهيمن التوتر على العقل لأي سبب كان، إلّا رحل النوم بعيدًا وبات تحصيله مجددًا أمر شاق، وهو ما يُعرَف بالأرق النفسي الناجم عن القلق،
نستعرض في السطور الآتية بشيء من التفصيل الأرق النفسي وطرق العلاج الطبيعي للتمتّع بنومٍ جيّد.
ما هو الأرق النفسي ولماذا لم يعُد هذا المصطلح شائعًا طبيًا؟
كان الأرق النفسي الفسيولوجي (Psychophysiological insomnia) تشخيصًا يؤكِّده الأطباء للمُصابين بالأرق الناجم عن القلق، ولكن هذا المُصطَلح لم يعُد يُستخدم حاليًا.
ووفقًا للتصنيف القديم، تضمّن الأرق النفسي الفسيولوجي القلق المفرط بشأن الآثار السلبية لعدم الحصول على قسطٍ كاف من النوم، مما يمنع الشخص من الاسترخاء قبل النوم، كما أنّ الأفكار المتسارعة والتوتر الجسدي، قد يجعلان النوم أقرب للمستحيل.
ونتيجة لذلك تكتسب غرفة النوم في المنزل ارتباطات سلبية مُسبِّبة للتوتر، مما يجعل النوم أسهل في بيئة غير مألوفة، مثل غرفة فندق.
وفي الطبعة الثالثة من التصنيف الدولي لاضطرابات النوم؛ حُذِف مُصطَلح "الأرق النفسي الفسيولوجي"، وأُعِيد تصنيف هذا التشخيص تحت باب الأرق المزمن، وهو الذي يحدث ثلاث مرات في الأسبوع على الأقل لمدة ثلاثة أشهر على الأقل.
وتقول دكتورة علم النفس "شيلبي هاريث" الحاصلة على بورد طب النوم السلوكي: "رغم أنّنا لم نعُد نُصنِّف هذا النوع من الأرق تحت مسمى (الأرق النفسي الفسيولوجي) بعد الآن، إلّا إنّه ظاهرة بالتأكيد لا نزال نراها".
أسباب الأرق المرتبطة بالتوتر والقلق
أفادت دراسة نشرت عام 2002 في دورية "Behavior Research and Therapy"، أنّ المصابين بالأرق النفسي الفسيولوجي، يميلون إلى أن يكونوا أكثر قلقًا بشأن النوم والتأثيرات النهارية الناتجة عن عدم حصولهم على قسطٍ كاف من النوم.
ومن أمثلة التأثيرات النهارية الناجمة عن قلة النوم التي يخشاها بعض الناس، والتي تُصِيبهم بالقلق المُسبِّب للأرق:
- الخوف من أداء الاختبار بصورةٍ سيئة في اليوم التالي.
- الخوف من القيام بأخطاء كثيرة في العمل في اليوم التالي.
وهذا بدوره يؤدِّي إلى انزعاج نفسي واستثارة جزء من الجهاز العصبي، مما يسبّب الشعور بالقلق، كما اقترح الباحثون أنّ القلق المتزايد يخدع الشخص ويجعله يبالغ في تقدير شِدّة الأرق وآثاره، ومع ذلك، فإنّ هذا القلق يمكن أن يؤدي بالفعل إلى نقص حقيقي في النوم.
كيف أعرف أني مُصاب بالأرق النفسي؟
يتضمّن الأرق عمومًا واحد من الأعراض الآتية على الأقل:
- صعوبة الدخول في النوم.
- كثرة الاستيقاظ خلال الليل مع صعوبة استئناف النوم.
- الاستيقاظ في وقت أبكر مما هو مُخطَّط في الصباح.
وتحدث هذه المشكلات رغم امتلاك الشخص لوقتٍ كاف للنوم، بالإضافة إلى بيئة غرفة نوم مُهيّأة جيدًا، ومع ذلك لا يستطيع النوم جيدًا.
كما قد ينعكس تأثير قلة النوم على المرء خلال اليوم ببعض الأعراض، مثل:
- النعاس خلال النهار أو التعب.
- صعوبة التركيز أو تذكّر الأشياء.
- التقلبات المزاجية.
- غياب الشغف أو الحافز.
- زيادة الأخطاء عن المُعدَّل المُتوقَّع.
- القلق بشأن النوم، وهو السبب الرئيس لما عُرِف بـ"الأرق النفسي الفسيولوجي".
ولتشخيص الأرق، يجب أن تظهر أعراض الأرق ثلاث ليال في الأسبوع على الأقل لمدة ثلاثة أشهر على الأقل.
اقرأ أيضًا:تخفيف الاكتئاب والأرق.. ما فوائد المغنيسيوم لصحتك النفسية؟
الفرق بين الأرق النفسي واضطرابات النوم الأخرى
الأرق أحد اضطرابات النوم، وتُعرَف اضطرابات النوم بأنّها مشكلات صحية تؤثّر في قدرتك على الحصول على الراحة التي يحتاج إليها جسمك وعلى الحفاظ على النشاط خلال النهار. وتؤثّر اضطرابات النوم في:
- جودة النوم أو كيفيته.
- المدة التي تحتاج إليها للدخول في النوم أو مدى قدرتك على البقاء نائمًا.
- زمن النوم الإجمالي.
والأرق هو صعوبة الدخول في النوم أو البقاء نائمًا، وهو مختلف عن اضطرابات النوم الأخرى التي تؤثّر في النوم أيضًا، ولكنها تختلف عن الأرق، مثل:
- انقطاع التنفّس في أثناء النوم: يستيقظ المرء خلال الليل بسبب انقطاع التنفس خلال النوم، وهو من اضطرابات النوم الشهيرة.
- متلازمة تململ الساقين: رغبة مُلحّة في تحريك الساقين عندما تنام ليلًا.
- اضطراب طور النوم المتأخر: تدخل في النوم بعد ساعتين على الأقل من موعد نومك المنشود، وتواجه صعوبة في الاستيقاظ في الوقت المحدد للعمل.
- اضطراب النوم الناتج عن العمل بنظام النوبات: تواجه صعوبة في الدخول في النوم والاستمرار فيه، وتشعر بالنعاس في أوقات غير مرغوب فيها بسبب جدول عملك.
طرق طبيعية لتحسين جودة النوم
الأرق ليس حتميًا، ولا يزال من الممكن التغلب عليه ببعض الطرق الطبيعية التي تساعد على الاسترخاء مما يجعل النوم أسهل، وذلك مثل:
1. الحد من القيلولة:
نعم القيلولة وسيلة مناسبة في الظاهر لتعويض ما فاتك من النوم، ولكنها ليست كذلك دائمًا، فلا يزال من الضروري الانتظام في مواعيد النوم والاستيقاظ، وتدريب نفسك على النوم مع دخول الليل؛ إذ يمكن للقيلولة خلال النهار أن تضرّ جودة نومك بالليل.
2. ممارسة التمارين الرياضية بانتظام:
لا يعني ذلك أن تمارسها قبل النوم مباشرةً، وإنّما في أي وقت من اليوم؛ إذ ترتبط ممارسة الرياضة بانتظام بتحسّن جودة النوم ومُدّته، وحاول أن تُنهِي تمارينك قبل النوم بثلاث ساعات على الأقل.
3. لا تكثِر من أنشطتك قبل النوم:
لا تعتد على القيام بكل شيءٍ في السرير، مثل تصفّح الهاتف أو مشاهدة التلفاز أو إنجاز أعمالك؛ إذ يجب أن يظلّ سريرك مرتبطًا بالنوم بالدرجة الأولى، وإلّا فإنّ الأنشطة الأخرى التي تقوم بها، خاصةً قبل النوم، قد تزيد نشاطك وانتباهك، مما يجعل النوم أصعب.
اقرأ أيضًا:"عندما يكون الاستيقاظ مميتًا".. ماذا تعرف عن الأرق العائلي القاتل؟
4. تجنّب الأكل قبل النوم مباشرةً:
قد يتسبّب تناول الطعام في وقت متأخر قبل النوم مباشرةً في تنشيط الجهاز الهضمي، بما يُبقِيك مستيقظًا، وكذلك قد يؤدّي شُرب كمية كبيرة من السوائل قبل النوم إلى تنشيط المثانة، بما قد يجعلك تستيقظ خلال الليل للذهاب إلى المرحاض.
5. اخلق بيئة مواتية للنوم:
ربّما تلتزم النصائح السابقة وتغفل عن غرفة نومك، هل هي مثالية للنوم فعلًا أم أنّها هي ما يُبقِيك مستيقظًا؟ لا بُدّ أن تكون غرفة النوم هادئة ومريحة، بدرجة حرارة مناسبة، تُمكِّنك من الاستمرار في النوم بلا انقطاع خلال الليل.
لذا احرص على أن تنام في غرفة هادئة مظلمة، غير شديدة الحرارة أو البرودة.
6. تخلّص من قلقك قبل النوم:
وهذا شديد الأهمية للتغلب على الأرق النفسي تحديدًا، فإذا كُنت تجد نفسك كُلّما ذهبت إلى سريرك لتنام، داهمتك أفكار لا تنتهي بشأن ما ينتظرك غدًا، بالإضافة إلى القلق بشأن عدم قدرتك على النوم وتأثير ذلك عليك في اليوم التالي، فهُنا لا بُدّ من إجراءات احترازية.
خصِّص وقتًا، ربّما بعد العشاء مثلًا، لمراجعة يومك وخططك لليوم التالي، ولا تنتظر إلى أن يفاجئك سيل منهمر من الأفكار عند النوم.
عادات مسائية تساعد على النوم العميق
علاوة على ما سبق، يمكنك التمسّك ببعض العادات الليلية التي تساعد على النوم العميق والاسترخاء أيضًا، مثل:
1. التنفّس العميق:
ينقل التنفس العميق جسمك إلى حالة من الاسترخاء، فقط كرّر التمرين التالي إلى أن تشعر بأنّك مُستعد للنوم:
- ضع يد واحدة على بطنك والأخرى على صدرك.
- استنشق الهواء ببطء؛ مُوجِّهًا تنفّسك العميق نحو البطن، ويجب أن ترتفع اليد التي على بطنك تدريجيًا، بينما الأخرى على صدرك لا تتحرّك أو حركتها محدودة.
- ازفر ببطء، مع السماح بيدك التي على بطنك بالهبوط معها.
اقرأ أيضًا:كيف تخلد إلى النوم سريعًا رغم الأرق؟.. إليك 7 طرق فعَّالة
2. استرخاء العضلات التدريجي:
تقنية تتضمّن تعمُّد شدّ وإرخاء مجموعات عضلية مُعيّنة، مما يساعد على التخلص من توتر الجسم، ويمكن فعل ذلك على النحو التالي:
- الجلوس أو الاستلقاء في وضعية مريحة بالنسبة لك، بحيث تكون واعيًا بتنفّسك.
- بينما تستنشق الهواء، اقبض قبضة يديك بقوة، مع ملاحظة الأحاسيس التي تصاحب شدّ عضلاتك.
- ازفر ببطء؛ مُرخيًا يديك، ولاحظّ الشدّ الذي قد زال من عضلات يديك.
- كرّر هذه العملية، بينما تستنشق الهواء وتزفر، للمجموعات العضلية في باقي جسمك.
3. الطريقة العسكرية:
ما دُمت ترغب بالنوم في أي وقت وبأي مكان، فقد تجد ضالتك في الطريقة العسكرية، فهي تساعد على استرخاء العقل والجسم سريعًا، بالطريقة الآتية:
- أرخِ وجهك، بدءًا من الجبهة وصولًا إلى الفكّ السفلي.
- تخلّص من أي توتر في كتفيك وذراعيك، واسمح لهما بالارتخاء إلى جانبك.
- خُذ نفسًا عميقًا ببطء، ثُمّ ازفر ببطء.
- أرخِ قدميك؛ بدءًا من الوركين والفخذين، وصولًا إلى أطراف أصابع قدمَيك.
- بينما تكون عينيك مُغمضتَين، تخيّل مشهدًا هادئًا، وإذا تشتّت انتباهك، كرّر في ذهنك عبارة بسيطة، مثل "استرخِ"، أو "كُن هادئًا".
متى يصبح الأرق مشكلة تستدعي تدخلًا طبيًا؟
قد لا تنجح الطرق الطبيعية مع كل الناس، وتتأكّد الحاجة إلى استشارة الطبيب في حالة:
- استمرار الأرق لأكثر من 4 أسابيع، أو تأثيره الواضح في أداء أنشطتك اليومية.
- الاستيقاظ ليلًا بسبب ألم جسدي أو حرقة الصدر.
- القلق بشأن استيقاظك المتكرر ليلًا، وأنت تلهث من أجل التقاط أنفاسك.
- تغيّرات في المزاج أو الطاقة أو الشهية.
