تأثير التداخل: هل يؤدي الجمع بين تمارين القلب والقوة إلى تقليل مكاسبك؟
عضلاتنا ليست نوعًا واحدًا، بل منها ما يقدر على العمل لفترةٍ طويلة ولا تُنتِج قوة كبيرة، كالتي نستخدمها خلال الجري، ومِنها ما تُنتِج قوة كبيرة، ولكنّها تتعب سريعًا، كالتي نستهدفها عند حمل الأثقال.
ولكن هل لو جمعت بين الجري ورفع الأثقال في جلسة تدريبية واحدة ستُنشّط كلا نوعي العضلات فتحصد فوائد أكبر على صعيد بناء العضلات وتطوير اللياقة الهوائية معًا أم أنّ تأثير التداخل التدريبي سيكون له رأي آخر، والذي يرى أنّ الجمع بين تمارين القوة والقلب قد يضرّ مكاسبك، فهل هذه هي الحقيقة؟
ما هو تأثير التداخل التدريبي (Interference Effect)؟
تأثير التداخل هو تراجُع بناء قوتك عندما تمارِس تمارين التحمّل (أو القلب) بكميات كبيرة؛ تزامنًا مع تدريبات القوة، وقد وُثِّق هذا التأثير لأول مرة منهجيًا من قِبل "روبرت هيكسون" في دراسةٍ أجرتها جامعة إلينوي عام 1980، ونُشِرت في المجلة الأوروبية لعِلم وظائف الأعضاء التطبيقي، وتناولت أبحاث لاحقة مفهوم تأثير التداخل بشكلٍ أدقّ.
أنواع الألياف العضلية
لا بُدّ من التطرّق إلى معرفة أنواع ألياف العضلات، فثمّة ألياف العضلات من النوع الأول، والتي تُعرَف أيضًا "بألياف التحمّل"، وهي لا تنتِج كمية كبيرة من القوة سريعًا، ولكنّها قادرة على الاستمرار في العمل لفترات طويلة من الزمن.
أمّا ألياف العضلات من النوع الثاني، والتي تُعرَف أيضًا "بألياف القوة والقدرة"، فتُنتِج كمية كبيرة من القوة سريعًا، لكنّها لا تستطيع العمل لفترة طويلة، فتتعب سريعًا.
كيف يؤدي الجمع بين نوعَي تمارين إلى نتيجة عكسية؟
يُعدّ تنشيط الجينات أمرًا رئيسًا في التكيّف العضلي؛ إذ تؤدي تمارين القوة إلى تنشيط مسار إشارات وراثية يُسمّى "mTOR"، ما يجعل العضلات تنمو بشكلٍ أكبر، ويؤدي إلى تحويل ألياف العضلات من النوع الأول (الارتعاش البطيء) إلى النوع الثاني (الارتعاش السريع).
أمّا تمارين التحمّل، فتُنشّط مسار إشارات مختِلف تمامًا يُسمّى "AMPK"، ورغم أنّه يعزّز استقلاب الطاقة في الخلايا، فإنّه يمنع نموّ عضلاتك في الوقت ذاته.
وحسب مراجعة عام 2006 في مجلة "Medicine and Science in Sports and Exercise"، فإنّ المنافسة بين مسارَي "AMPK" و"mTOR" هي الآلية الرئيسة وراء تأثير التداخل (بالإضافة إلى وجود إنزيم آخر "PKB" يُثبّط تكسير الأنسجة العضلية).
هل يستثني تأثير التداخل المبتدئين؟
رغم ذلك، فإنّ الدراسات التي أُجريت على المبتدئين، وجدت أنّ تأثير التداخل أضعف أو حتى ليس له أي تأثير على الإطلاق؛ خصوصًا عندما كانت مُدّة الدراسة قصيرة.
ولكن قد لا يكفي هذا لاستبعاد تأثير التداخل من المُعادلة تمامًا، لأنّه في بداية شقّ طريقك نحو اللياقة من السهل أن تشعر بتحسّن في كل مرة، ولكن كُلّما قطعت شوطًا أكبر، كان عليك التخصّص أكثر في تدريباتك للاستمرار في جني المكاسب.
هل تحسّن تمارين القلب نتائج تدريبات القوة؟
رغم الآليات الجينية المُفسّرة لتأثير التداخل، فإنّ تدريبات القلب قد تحمل فوائد في تحسين نتائج تدريبات القوة.
فمثلًا بيّنت دراسة عام 2022 في دورية "FASEB Journal" أنّ تحسين اللياقة القلبية الوعائية يمكِن أن يحسّن قدرة المرء على بناء العضلات عبر زيادة كثافة الشُعيرات الدموية، وكذلك زيادة تكاثُر الخلايا الدبقية الساتلة (الخلايا المسؤولة عن النموّ العضلي وإصلاح العضلات).
لذا من الواضح أنّ تدريبات القلب قد تحمل فوائد مباشِرة في نتائج تدريبات القوة من خلال دعم بناء العضلات، وهو عكس فرضية تأثير التداخل.
إذًا ماذا يحدث بالضبط عند الجمع بين تمارين القوة والقلب؟
لنبحث المسألة من ناحيتَين؛ الأولى التأثير في حجم العضلات وقوّتها، والثانية التأثير في اللياقة الهوائية:
التأثير في حجم العضلات وقوّتها
نظرت مراجعة منهجية عام 2022 في مجلة الطب الرياضي "Sports Medicine" في جميع الأدلّة المتعلقة بالتدريب المتزامِن (تمارين القوة + تمارين القلب) في مقابل تمارين القوة وحدها من ناحية التأثير في حجم العضلات وقوتها وقدرتها.
وأفصحت النتائج الرئيسة عن أنّه لم تكُن هناك آثار متأصلة للتداخل عند الجمع بين تدريب القوة والتدريب الهوائي، مقارنةً بتدريب القوة وحده فيما يتعلّق ببناء العضلات والقوة.
بينما وجدوا أنّ القوة القصوى (مدى السُرعة التي يمكِنك بها إنتاج القوة) كانت أقل لدى من جمعوا تمارين القلب والقوة معًا، ولكن تأثير ذلك في العموم كان صغيرًا.
كما لُوحِظ أيضًا بتحليلات إضافية عدم وجود أي دليل على تأثير التداخل، سواء عندما:
- اختِير الجري أو ركوب الدراجات تمرينًا هوائيًا.
- كان المتدربون أكبر أو أصغر من 40 عامًا.
- بغض النظر عن عدد المرات التي تدرّبوا فيها خلال الأسبوع.
التأثير في اللياقة الهوائية
تناولت مراجعة منهجية أخرى عام 2022 في دورية "Physiology & Behavior" تأثير التدريب المتزامِن لتمارين القلب والقوة مقابِل التدريب الأحادي في تعزيز اللياقة الهوائية.
وتبيّن أنّه ليس هناك فرق بين شكلَي التدريب بالنسبة للأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 50 عامًا، ورغم أنّ المراجعة لم تتناول الأشخاص الأصغر سنًا، فمن المعقول استنتاج أنّ النتيجة ستكون نفسها على الأرجح؛ نظرًا لأنّ القدرة على التكيّف تكون أفضل لدى الشباب.
ماذا عن الكروس فيت؟
ممارسو الكروس فيت لم يكتفوا ببناء قوتهم ولياقتهم الهوائية معًا، بل بنوا كليهما إلى مستوى أعلى مما قد يصل إليه معظم الناس عندما يعتمدون على نوعٍ مُعيّن من التمارين.
نعم، ربّما هم من عُشّاق التمارين الرياضية، وربّما يمتلكون الجينات التي تُعِينهم على ذلك، ولكن وجود هذا المستوى المتقدّم لدى ممارسي الكروس فيت يدلّ على الأقل على أنّ هناك إمكانية لبناء القوة والقدرة على التحمّل في وقتٍ واحد وبأعلى مستوى.
إذًا هل تأثير التداخل حتمي أم خرافة؟
ليكون كلّ ما سبق منظومًا في كلمة جامعة، فإنّ الرياضيين الذين قطعوا أشواطًا هائلة وبلغوا مستويات متقدّمة، قد يصعب عليهم الاستفادة القصوى من الجمع بين تمارين القلب والقوة.
فمثلًا قد لا يفوز الرياضي ببطولة العالم لرفع الأثقال من خلال نهج رياضي هجين؛ يجمع تمارين القلب والقوة، ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ معظم الناس لن يبلغوا مستويات متقدّمة بما يكفي بحيث يصبِح تأثير التداخل مصدر قلقٍ بالنسبة لهم، وإن كان من الأولى مراعاته جيدًا لدى النُخبة من الرياضيين.
كيف تتجنب فقدان المكاسب الرياضية؟
إذا كُنت لا تزال تتخوّف من أن يتلاعب تأثير التداخل بمكاسبك، فيمكِنك إدخال بعض التعديلات العملية على تدريباتك التي تحدّ من هذا التأثير، مثل:
- تقليل مسافة الجري خلال مراحل التدريب التي تركّز على القوة.
- الجري بدلًا من ركوب الدراجات أو التجديف، لتقليل التعب الهيكلي في الطرف السفلي من الجسم.
- فصل جلسات القوة عن تمارين القلب بنحو 6 ساعات على الأقل عندما يكون ذلك ممكنًا.
- المداورة الأسبوعية؛ أي أسبوع يغلب عليه تمارين القوة، بينما يغلب على الآخر تمارين التحمّل.
ختامًا، قد يكون تأثير التداخل التدريبي أشدّ لدى النُخبة من الرياضيين، ومن بلغوا مستويات متقدّمة في اللياقة البدنية، ومع ذلك فهُناك آليات جينية فسّرت تأثير التداخل، وإلى أن يكون هُناك جواب شاف في هذا الأمر، ربّما ينبغي أن تفصل بين جلسات القوة وجلسات تمارين القلب؛ كي تضمن أقصى استفادة.
