التمارين البليومترية.. استمتع برشاقة الحركة وسُرعة الأداء
حركات الجسم ليست واحدة، فبينما تمشي تكون عضلاتك مستقرة إلى حد ما، ولكن ما إن تستعد للجري وتبدأ في الخطوة الأولى، يتولّد ما يُسمّى بقوة انفجارية تعطِيك تلك الدفعة إلى الأمام.
وثمّة تمارين تستهدف تعزيز تلك القوة الانفجارية إلى جانب زيادة الرشاقة الحركية والسُرعة، وهي التمارين البليومترية (Plyometric)، ولكن لهذه التمارين شروط ومتطلّبات مُعيّنة رغم أنّها قد تبدو بسيطة في الظاهر، فكيف تحقّق تلك الشروط وتتقِن تلك التمارين لتستمتع برشاقة الأداء؟
ما هي تمارين Plyometric؟
هل رأيت لاعب القفز الطويل الأولمبي الذي يحتاج إلى تحقيق تلك القفزة المثالية في الهواء، أو الرامي الذي يبذل أقصى ما لديه لإيصال الرمح إلى الطرف الآخر من الملعب؟
التمارين البليومترية هي ما يساعدك على توليد لحظة القوة، فهي نوع من التمارين الرياضية الهادفة إلى استخدام سرعة وقوة الحركات المختلفة لبناء قوة العضلات؛ إذ تساعد تلك التدريبات على تحسين أدائك البدني وقدرتك على القيام بمختلف الأنشطة.
يقول الدكتور "فيليب فارديمان"، الأستاذ المساعد في جامعة ولاية كانساس والحاصل على درجة الدكتوراه في عِلم الحركة: "تخيّل نفسك واقفًا على صندوق، وتقفز على الأرض، وتثني ركبتيك قليلاً، ثُمّ تقفز بانفجار إلى الأعلى".
ويتطلّب تحقيق هذا الجهد المتفجر التمارين البليومترية، التي تتمحور حول تكرار تمدّد وانقباض مجموعة معينة من العضلات.
دورة التمدد والتقصير العضلي
تعتمد التدريبات البليومترية على ظاهرة فسيولوجية هي تمدد وانقباض ألياف العضلات أو ما يُعرَف "بدورة التمدد والتقصير"، التي تتضمّن التناوب بين الانقباضات العضلية اللامركزية -التي تبني الطاقة في عضلاتك- والانقباضات العضلية المركزية -التي تطلِق هذه الطاقة-.
وتتكوّن دورة التمدد والتقصير من ثلاث مراحل:
- المرحلة اللامركزية: مرحلة التحميل التي تتمدّد فيها العضلات وتخزّن الطاقة المرنة وتحفّز المغازل العضلية (مُستشعِرات طول العضلة).
- مرحلة الانتقال أو الإطفاء: مرحلة الربط التي تحدث في نهاية التمدد السابق وقبل بدء الانقباض العضلي المركزي.
- المرحلة المركزية: هي مرحلة التفريغ، عندما تقصر الألياف العضلية وتطلِق الطاقة المرنة المُخزَّنة.
ألياف العضلات سريعة الانقباض الهدف الحقيقي للتمارين البليومترية
نمتلك جميعًا ألياف عضلية سريعة الانقباض وبطيئة الانقباض في أجسامنا، فالبطيئة توفّر الثبات، بما يساعد على الحفاظ على وضعية جسم صحيحة أو البقاء منتصبًا في أثناء المشي.
أمّا الألياف العضلية سريعة الانقباض (Fast-twitch muscle fibers)، فتمنحك القدرة على التحرك بسُرعة وقوة، وبالأحرى تُمكّنك من أداء الأنشطة التي تتطلّب دفعة مكثفة من القوة -مثل لكمة في أثناء الملاكمة أو تلك اللحظات الأولى التي تبدأ فيها بزيادة سرعة تبديل الدواسات في ركوب الدراجات- ولكنّها غير قادرة على دعمك في جلسات التمارين الطويلة.
مثلاً إذا كان هناك عدّاء يركض مسافة 100 متر، فهو لا يحتاج إلى الألياف العضلية سريعة الانقباض لمجرد الانطلاقة الأولى من حواجز البداية فحسب، بل إنّه يحتاج إلى القدرة على الدفع بأكبر القوة انفجارية ممكنة طوال مدة السباق، والذي يستمر 10 ثوانٍ فقط، وهو ما قد تساعد التمارين البليومترية على تحقيقه.
فوائد تمارين Plyometric للرياضيين: من بناء العضلات إلى خفة الحركة
تضمّ أهم فوائد التمارين البليومترية للرياضيين:
1. بناء قوة عضلاتك
أظهر تحليل تلوي لـ32 دراسة منشور في مجلة "European Review of Aging and Physical Activity" عام 2022 أنّ التدريبات البليومترية تتسبّب في تمدّد العضلات وانقباضها بكفاءةٍ أكبر. وعند القيام بذلك باستمرار، فإنّه قد يؤدي إلى تحسين قوة العضلات.
2. خفّة الحركة والرشاقة
صُمّمت معظم التدريبات البليومترية لتدريب عضلاتك على القيام بحركات سريعة وبناء ذاكرة للعضلات، فكُلّما مارست هذه التمارين أكثر، أصبحت حركاتك أسرع وأدق.
وقد وجدت دراسة عام 2019 في مجلة "Frontiers in Physiology" أُجريت على لاعبي كرة السلة، أنّ الرياضيين كانوا أكثر مرونة وكان لديهم أوقات رد فعل أفضل بعد 8 أسابيع من التمارين البليومترية.
3. الجري بسُرعة أعلى
لا تكتفي التمارين البليومترية بزيادة الرشاقة الحركية، بل قد تزيد السُرعة في الجري أيضًا؛ إذ بيّنت دراسة عام 2018 في مجلة "Journal of Physical Education and Sport" أنّ الرياضيين الذكور الشباب (الذين تراوح أعمارهم بين 13 و14 عامًا) الذين مارسوا التمارين البليومترية لمدة 15 دقيقة بالإضافة إلى تدريبهم المنتظم، شهدوا تحسينات كبيرة في أوقات سباق السرعة لمسافة 20 مترًا.
كما ذكرت دراسة أخرى عام 2023 في مجلة "Scientific Reports" أنّ الرياضيين الذين شاركوا في نظام القفز البليومتري لمدة 5 دقائق كل يوم لمدة 6 أسابيع، شهدوا تحسّنًا كبيرًا في استهلاكهم للأكسجين خلال الجري.
4. دعم التوازن الجسدي
تحسّن التمارين البليومترية المنتظمة صحة العظام وتوازنها، كما قد تحمي من السقوط والإصابة بالكسور.
فقد أظهرت مراجعة منهجية لـ12 دراسة منشورة عام 2019 في مجلة "Sports Medicine" -أُجريت على كبار السن- أنّ الأشخاص الذين شاركوا في التدريب البليومتري يتمتّعون بكثافة أكبر في عظم الفخذ والورك والعمود الفقري.
كما وجد الباحثون أيضًا أنّ المشاركين في التدريب البليومتري شهدوا تحسّنًا في الأداء البدني، بما قد يقلل من السقوط وخطر الإصابات.
أفضل التمارين البليومترية في البداية
يمكِنك الاستمتاع بتجربة التمارين البليومترية الآتية:
1. قفز الصندوق (Box jumps)
يُعدّ هذا التمرين فاعلًا في تطوير القوة الانفجارية في الساقين؛ إذ يستهدف عضلات الفخذ الرباعية والخلفية والأرداف، ما يساعد على تحسين ارتفاع القفز العمودي وقوة الجزء السفلي من الجسم عمومًا. ويمكن ممارسته على النحو الآتي:
- اجلس القرفصاء، ثُمّ اقفز بكلتا ساقيك على سطح مرتفع، مثل صندوق كبير يمكنه دعم وزنك.
- تراجع إلى الأرض.
- توقّف. اجلس القرفصاء ثُمّ اقفز مرة أخرى إلى الصندوق.
- كرّر ذلك عدّة مرات قدر الإمكان قبل أخذ قسط من الراحة.
2. القفزات العميقة (Depth jumps)
يساعد هذا التمرين على تحسين القوة التفاعلية ودورة التقصير والتمدد، والتي تعدّ ضرورية للحركات الانفجارية، مثل الركض والقفز. ويمكن ممارسة التمرين على النحو الآتي:
- ابدأ على منصة مرتفعة، ثُمّ انزل.
- في اللحظة التي تصطدم فيها قدميك بالأرض، اقفز على الفور عاليًا في الهواء قدر الإمكان، ثُمّ اهبط مرة أخرى على الأرض.
- اخطُ مرة أخرى إلى المنصة.
- كرّر ذلك عدّة مرات قدر الإمكان.
3. الضغط البليومتري (Plyometric push-ups)
يبني تمرين الضغط البليومتري القوة والطاقة في عضلات صدرك وكتفك والعضلة ثلاثية الرؤوس، ما يحسّن قوة الجزء العلوي من جسمك وسُرعتك. ويمكِن أداء التمرين بالكيفية الآتية:
- قُم بأداء تمرين الضغط بانتظام. ومع ذلك مع كل تمرين ضغط، حاول رفع الجزء العلوي من جسمك بالكامل عاليًا في الهواء.
- إذا كُنت جيدًا في هذا حقًا، صفّق بيديك في الهواء، ثُمّ اهبط على راحتَي يديك مرة أخرى، وقُم بتكرار آخر.
- كرّر هذا عدّة مرات قدر الإمكان.
4. رمي الكرة الطبية (Medicine ball throws)
يعتمد لاعبو الجولف المحترفون على هذا التمرين لبناء سرعة التأرجح والقوة، كما أنّه يساعد على تحسين التنسيق الحركي لأي نشاط رياضي. ويمكِن أداء التمرين بالطريقة الآتية:
- ارمِ كرة طبية أو ثقيلة بقوة انفجارية على الحائط.
- إذا كُنت تضرب الكرة وتجعلها ترتد عن الحائط، أمسكها، وأدِر جسمك بعيدًا عن الحائط، ثُمّ ارمها مرة أخرى بقوة نحو الحائط.
- كرّر ذلك عدّة مرات قدر الإمكان قبل أخذ قسط من الراحة.
5. تمرين الوثب الطويل المتتالي (Bounding)
حاولت دراسة عام 2025 في مجلة "Sports Biomechanics" الإجابة على سؤال "ما هو أفضل تمرين بليومتري من ناحية تحسين قوة الكاحل، ومن ثمّ اقتصاد الجري؟" كانت الإجابة هي تمرين الوثب الطويل المتتالي، الذي أدّى إلى قوة إيجابية أعلى في الكاحل.
كما أنّ هذا التمرين يحسّن التنسيق الحركي وطول الخطوة والقوة الانفجارية العامة، ويمكن ممارسته على النحو الآتي:
- قِف مباعدًا قدميك نفس مسافة عرض الحوض.
- ادفع بالقدم اليسرى واقفز للخارج والأمام قدر استطاعتك، واهبط على قدمك اليمنى.
- ادفع قدمك اليمنى على الفور، وكرّر الحركة حتى تهبط الآن على قدمك اليسرى.
- يجب أن يبدو القفز وكأنّه قفز مبالَغ فيه إلى الأمام.
كيف تبدأ التمرين بأمان؟
ينبغي أن تكون التمارين البليومترية مُصمّمة خصيصًا لتناسب احتياجاتك وقدراتك، ولذا يُفضّل العمل مع مدرب شخصي، خصوصًا في البداية؛ إذ يقيّم عُمرك وقوتك الأساسية لتحديد أفضل التمارين بالنسبة لك.
المعدات التي تحتاج إليها
تضمّ أهم المعدات للتدريب مساحة الهبوط صلبة ومُبطّنة وأحذية التدريب عالية الجودة.
تمارين القوة أولًا
كذلك ينبغي أن يكون لديك روتين ثابت لتدريبات القوة؛ إذ يُنصَح المبتدئين بالتفكير في بدء ممارسة تدريبات القوة قبل الانخراط في التمارين البليومترية، فهذا سيضمن أن تكون عضلاتك قوية وداعمة للحركات البليومترية.
التقدم التدريجي
في أثناء انخراطك في التمارين البيومترية، ينبغي أن ترى تقدّمًا تدريجيًا في عدد وصعوبة التمارين البليومترية التي يمكنك القيام بها، ومن الضروري ألّا تسارع إلى الحركات الأكثر تحديًا قبل أن تكون مستعدًا لها جيدًا.
الراحة ضرورية
أيضًا احرص على دمج عدة أيام من الراحة للسماح بتعافي العضلات، وإلّا فقد تخاطر بالتعرض لإصابة خطيرة قد تعطّل أهداف اللياقة البدنية الخاصة بك.
اكتفِ بمرتين أسبوعيًا
نظرًا لأنّ التمارين البليومترية قد تسبّب ضغطًا على جسمك، فينبغي ألّا تمارسها كل يوم، بل يمكن الاكتفاء بمرتين أسبوعيًا أو عدّة مرات ليُتاح لجسمك الوقت الكافي للتعافي الجيد.
ختامًا التمارين البليومترية خيار مثالي لتحسين الرشاقة والخفة وكذلك القوة الانفجارية التي يحتاج إليها بعض الرياضيين، كما في حالة العدّائين، وينبغي أن تكون متقِنًا لتمارين القوة أولًا كي يكون جسمك مهيئًا للتمارين البليومترية تحت إشراف مدرّب شخصي.
