حمية فالنسيا.. هل تُفقِدك الوزن رغم غياب الأدلّة الصريحة؟
نظام غذائي جعل صاحبه يحصل على أكثر من مليون متابِع على تيك توك، بل وعندما تمت تجربته من قبل الناس كان فعالًا في تخليصهم من الدهون المتراكمة في مختلف أنحاء الجسم، لكن هل يدعم العِلم هذا النظام الغذائي؟
تقِف حمية فالنسيا في منطقة فريدة بين معظم الأنظمة الغذائية؛ إذ كانت ناجحة مع كثيرٍ من الناس، وفي الوقت نفسه تستنِد في معظمها إلى أسس حمية البحر الأبيض المتوسط الغنية عن التعريف، والتي أثبتت الأبحاث العلمية فوائدها المُتعدّدة.
ولكن الحمية ذاتها انتشرت على تيك توك، ولم تخضع لمراجعات علمية دقيقة، فهل ما يتوافر بشأنها كافٍ لاتّباعها؟ وهل هي ناجِحة فعلًا في إنقاص الوزن أم أنّ هناك أخطار أخرى لا نراها؟ وكيف تكون خطّة وجباتها على أرض الواقع إن أردت تجربتها؟
من فكرة طبيب إلى التيك توك.. كيف لاقت حمية فالنسيا رواجها؟
أُنِشئت حمية فالنسيا من قِبل الدكتور "دانييل فالنسيا لوبيز"، وهو طبيب مُتخصّص في تقويم العظام بتكساس، والذي طوّر تلك الحمية لمساعدة نفسه على خسارة الوزن.
ومع تخطّي عدد متابعيه على تيك توك أكثر من مليون متابع، علاوة على قصص النجاح التي لا يمكِن عدّها في التعليقات على حسابه، يبدو أنّ هذا النظام الغذائي كان ناجحًا حسب تجارب الناس، ولكن هل هذا ما أشار إليه العِلم أيضًا؟
المبادئ الأساسية لحمية فالنسيا
تستنِد حمية فالنسيا إلى معالجة القصور الشائع في الأكل الحديث، ويرى الدكتور "فالنسيا" هذا القصور متجليًا في وفرة الأطعمة فائقة المعالَجة، وكذلك السكر الزائد، بالإضافة إلى قلّة تناول البروتين والألياف. وفي المجمل، يجمع رجيم فالنسيا بين المبادئ الغذائية لحمية البحر الأبيض المتوسط، مع مُستهدفات مُحدّدة من البروتين.
ورغم أنّه أُنشِئ في الأصل بهدف إنقاص الوزن، إلا أنه مُصمّم ليكون نمط حياة مُستمر، وليس حلًا قصير الأمد.
وتضمّ المبادئ الأساسية لحمية فالنسيا:
1. الأطعمة الكاملة لها الأولوية على مائدتك
تُعطِي الحمية الأولوية الكاملة للمنتجات الموسمية والبقوليات والمكسرات وزيت الزيتون وكذلك البروتينات الخالية من الدهون، والهدف هو تناول الأطعمة ذات المصادر الطبيعية والحد من تناول الأطعمة المُصنّعة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أنّك ممنوع من تناول أي طعام مُعالَج، ولكن ينبغي أن تمثّل الأطعمة الكاملة والمُعالَجة بدرجة طفيفة 80 - 90% من كمية الطعام التي تتناولها كلّ يوم.
2. لا تزِد عن 1,500 سعرة حرارية يوميًا
يناسِب 1,500 سعرة حرارية عديدًا من الراغبين في إنقاص الوزن، ولكن قد يختلف الرقم المناسِب عمومًا حسب العُمر والجنس ومستوى النشاط البدني وأهداف التخسيس، ولكن هذا الرقم هو ما وضعه مُؤسِّس حمية فالنسيا لتناوله يوميًا دون زيادة.
3. تناول كميات كبيرة من البروتين
يوصِي رجيم فالنسيا بتناول 2.2 جرام من البروتين لكل كيلوجرام من وزن الجسم يوميًا، وهو أعلى من توصيات البروتين الغذائي القياسية لعموم الناس، ومِنْ ثمّ يُنصَح بتقسيم مُستهدَف البروتين اليومي على الوجبات لتحصيل هذه الكمية بنهاية اليوم.
4. الصيام المتقطع ليلًا
أيضًا من أُسس حمية فالنسيا الصيام 12 - 14 ساعة طوال الليل، ومِنْ ثمّ يُمكِنك تناول الطعام على مدار 10 - 12 ساعة خلال اليوم.
ولتسهيل التزام ساعات الصيام، يُفضّل أن تكون خلال الليل، ففي المُعتاد لا ينبغي أن نتناول طعامًا في وقت متأخّر من الليل.
5. الحد من السُكر المكرر والأطعمة المُصنّعة
من النقاط التي تُحسَب لرجيم فالنسيا أنّه يُوصِي بالحد من السكريات المُضافة والمنتجات المصنعة من الدقيق، وهذا لا يعني حرمانك من الخبز الشهي، ولكن ما يعنيه أن تبحث عن خيارات صحية، مثل الحبوب الكاملة بدلًا من الدقيق الأبيض، والفواكه الكاملة بدلًا من العصائر، والطعام الحقيقي بدلًا من الوجبات الخفيفة المُعبأة.
6. المرونة
ليست هناك مجموعات غذائية مُعيّنة محظورة كما يحدث مع بعض الأنظمة الغذائية، بل يُسمَح بما يصل إلى 4 "وجبات حرة" في الأسبوع، وهذه المرونة ضرورية للالتزام على الأمد الطويل، لأنّ الأنظمة الغذائية شديدة التقييد أصعب في الالتزام.
حمية البحر المتوسط وحمية المناطق الزرقاء تتلاقى مع حمية فالنسيا
تعتمد حمية فالنسيا على الأنماط الغذائية لحمية البحر المتوسط، والتي دُرِست على نطاق واسع لعقودٍ من الزمن.
وأظهرت أبحاث، مثل تجربة PREDIMED التاريخية أنّ تناول الطعام على الطريقة المتوسّطية، يقلّل من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنحو 30%، مقارنةً بالأنظمة الغذائية قليلة الدهون، بالإضافة إلى فوائد أخرى على صعيد الوقاية من مرض السكري، والحفاظ على الوظائف الإدراكية وإطالة العُمر.
كذلك يتشابه نظام فالنسيا الغذائي مع أنماط الأكل التي لُوحِظت في المناطق الزرقاء، التي يعيش على أراضيها أطول الناس عُمرًا؛ إذ نحو 95% من المُعمّرين في هذه المناطق يتناولون غالبًا أنظمة غذائية نباتية غنيّة بالفاصوليا والخضراوات والحبوب الكاملة والفواكه.
لماذا تُعدّ حمية فالنسيا ناجحة في إنقاص الوزن؟
رغم أنّ الحمية ذاتها لم تخضع لدراسات علمية، فإنّ الأُسس التي تستند إليها قد تجعلها ناجحة بالفعل في إنقاص الوزن، كما يتضح فيما يأتي:
1. وفرة البروتين في النظام الغذائي
توصِي حمية فالنسيا بتناول 2.2 جرام من البروتين لكل كيلوجرام من وزن الجسم تقريبًا، وهو ما يقع ضمن الحد الأعلى من توصيات تناول البروتين (1.6 - 2.2 جم/كجم)، والذي تدلّ الأبحاث على فاعليته في خسارة الوزن بالفعل.
وحسب مراجعة شاملة عام 2020 في مجلة السمنة ومتلازمة التمثيل الغذائي "Journal of Obesity & Metabolic Syndrome"، فإنّ الأنظمة الغذائية الغنية بالبروتين تزيد من إحساس الشبع عبر آليات مُتعدّدة، مثل ارتفاع تركيز الأحماض الأمينية في الدم، وزيادة هرمونات الشبع، بالإضافة إلى خفض هرمون الجريلين؛ المسؤول عن الجوع.
كما أنّ البروتين ذو تأثير حراري أعلى من الكربوهيدرات والدهون، ما يعني أنّ جسمك يحرق مزيدًا من السعرات الحرارية بمجرّد هضم البروتين، مقارنةً بالنوعين الأخيرين.
2. السُعرات الحرارية المسموح بها
تستهدف حمية فالنسيا تناول 1,500 سعرة حرارية يوميًا، وهو ما يعدّ عجزًا معتدلًا في السُعرات الحرارية، وفي الوقت نفسه ليس تقييدًا شديدًا أو حرمانًا لك من الطعام، بل يكفي للإحساس بالشبع، والاستمرار في رحلتك نحو خسارة الوزن.
فالاقتصار على 1,500 سعرة حرارية يوميًا قد يخلق عجزًا يراوح بين 500 - 1,000 سعرة حرارية لمعظم الناس، وهو ما يُترجم إلى فقدان نحو 0.45 - 0.9 كيلوجرامًا من الوزن أسبوعيًا؛ خصوصًا أنّ الـ1,500 سعرة حرارية تزخر بعناصر غذائية مُشبِعة، مثل البروتين والألياف.
بل أيّدت دراسة عام 2024 في مجلة علم وممارسة السمنة "Journal of Obesity Science and Practice" هذا العدد من السعرات الحرارية، بل عدّته النهج المثالي لفقدان الوزن؛ إذ تناول 1,500 سعرة حرارية أو أقل يوميًا مع تحقيق أهدافك من البروتين والألياف يساعدك على البقاء مشبعًا.
3. الصيام ميزة إضافية
من قواعد حمية فالنسيا الصيام خلال الليل لمدة تراوح بين 12 و14 ساعة، وهو ما يتوافق مع الأبحاث التي تناولت الأكل المُقيّد بنافذة زمنية، كما أنّ ما تعنيه الحمية عدم تناول الطعام في وقت متأخّر من الليل أو فور الاستيقاظ من النوم.
وقد أظهرت تجربة تغذية مُراقَبة نُشِرت عام 2018 في مجلة التمثيل الغذائي للخلية "Cell Metabolism" أنّ التغذية المُبكّرة المُقيَّدة بالوقت تساعد على تحسين حساسية الإنسولين وضغط الدم والإجهاد التأكسدي لدى من يمرّون بمقدّمات السكري حتى من دون فقدان الوزن.
كما أشار الباحثون إلى أنّ تناول الطعام بما يتماشى مع إيقاع الساعة البيولوجية لدينا، قد يوفّر فوائد على مستوى التمثيل الغذائي تتجاوز مُجرّد تقليل السُعرات الحرارية المُتناوَلة عبر اليوم من خلال الصيام.
وأبسط مثال عملي على ذلك لصيام 12 ساعة بالانتهاء من العشاء بحلول الساعة السابعة مساءً، وتناول وجبة الإفطار بعد الساعة 7 صباحًا، وهو أمر قد يفعله كثيرٌ من الناس طبيعيًا.
فوائد حمية فالنسيا لصحة قلبك
تتشابه حمية فالنسيا مع الأنظمة الغذائية النباتية المفيدة لصحة القلب؛ إذ تركّز على تناول الفواكه والخضراوات والبروتينات النباتية.
ولا تكتفي الحميات النباتية بإنقاص وزنك، بل قد تخفض خطر الإصابة بأمراض القلب وتحسّن مستويات الكوليسترول وضغط الدم، حسب دراسةٍ عام 2020 في مجلة التغذية السريرية "Clinical Nutrition".
هل رجيم فالنسيا آمن تمامًا؟
ربّما يحقّق رجيم فالنسيا أُمنيتك بفقدان الدهون المتراكمة هنا وهناك، ولكنه قد يحمل في بِنيته بعض العيوب، مثل:
1. تقييد السعرات الحرارية أحيانًا
خسارة الوزن تبدأ بإحداث عجز في ميزان سُعراتك الحرارية، ومع ذلك من الضروري ألّا تنخفض سُعراتك الحرارية بدرجة كبيرة، كي لا تفقد وزنك بسُرعة.
ورغم أنّ 1,500 سعرة حرارية كافية لمعظم الناس، فإنّها قد لا تكفي للآخرين، أو قد تؤدي إلى سوء تغذية غير مقصود بالنسبة لبعض الناس.
وربّما لذلك قال الدكتور "فالنسيا" صراحةً في فيديوهاته ألّا يُجوّع المرء نفسه أبدًا وأن يأكل عندما يشعر بالجوع.
2. احتمال فقدان الوزن سريعًا
لا هذا ليس شيئًا جيدًا كما تظنّ، فإنّك لو لم تكُن معتادًا على التزام نظام غذائي لإنقاص الوزن، فإنّ اتّباع حمية فالنسيا قد يُفقِدك الوزن بسُرعة كبيرة، وهذا لو حدث دون توجِيه من طبيبك أو اختصاصي التغذية، فقد يؤدي إلى ما يُعرَف بـ"دورة الوزن".
فهناك دورة للوزن؛ أي عملية متكررة من فقدان الوزن وزيادته بمرور الوقت، وربّما تؤدي حتى إلى زيادة دهون البطن والجسم حسب مراجعة عام 2017 في مجلة أبحاث السمنة والممارسة السريرية "Journal of Obesity Research and Clinical Practice".
والمُعدّل الصحي لإنقاص الوزن عمومًا هو فقدان 0.45 - 0.9 كيلوجرامًا أسبوعيًا.
خطة حمية فالنسيا على أرض الواقع
يوضّح الجدول الآتي إطار الوجبات التي يُوصِي بها الدكتور "فالنسيا" في خطته الغذائية:
نموذج عملي بالسعرات اليومية على مدار 3 أيام
اليوم الأول
اليوم الثاني
اليوم الثالث
ختامًا لم يخضع رجيم فالنسيا للأبحاث مباشرةً، ولكنّه قريب من حمية البحر الأبيض المتوسط التي تناولتها عديد من الدراسات، وإذا واتتك الرغبة في تجربة حمية فالنسيا لإنقاص الوزن، فلا بُدّ أن يكون ذلك تحت إشراف طبيب أو اختصاصي التغذية، خصوصًا لو كانت لديك مشكلات صحية مسبقًا أو حتى لو كُنت سالمًا من الأمراض؛ إذ يضع المُختصّ الخطة الغذائية الدقيقة المُلائمة لك.
