ضعف الرغبة الجنسية بعد سنوات من الزواج.. الأسباب العلمية والحلول العملية
لا شيء يبقى على حاله، فعندما كان الزوجان في بداية حياتهما دون أولاد، كانت الرغبة الجنسية في أوجها، ومع مرور الأيام والإنجاب وكِبر الأولاد، وتقدّم الزوجين في العُمر، تنخفض الرغبة الجنسية تدريجيًا.
ولكن ما أدَّى إلى انخفاض الرغبة الجنسية بعد الزواج بهذه الوتيرة ليس رعاية الأبناء فحسب، ولا التقدّم في العُمر بما يصحبه من انخفاض في هرمونات الذكورة والأنوثة، بل الضغوط النفسية التي لا تكاد تفارق الزوجين، فهل يمكِن إحياء الرغبة الجنسية المفقودة مهما مضى من سنوات على الزواج؟
متوسط عدد مرات ممارسة العلاقة الحميمة
أظهر المسح الوطني للصحة والسلوك الجنسي الذي أجرته جامعة إنديانا أنّ متوسط تكرار ممارسة العلاقة الحميمة في الولايات المتحدة ينقسم تبعًا للفئة العُمرية على النحو الآتي:
- الأعمار من 20 إلى 29 سنة: بين مرة ومرتين في الأسبوع، بمتوسط 78 مرة في السنة.
- الأعمار من 30 إلى 39 سنة: 1.3 مرة في الأسبوع تقريبًا، أو 68 مرة في السنة.
- الأعمار من 40 إلى 49 سنة: مرة واحدة في الأسبوع أو 52 مرة في السنة.
- الأعمار من 50 إلى 59 سنة: كل 9 أيام، أو 42 مرة في السنة.
- الأعمار الأكبر من 60 سنة: كل 11 يومًا، أو 32 مرة في السنة.
ومن الواضح أنّ هناك انخفاضًا طبيعيًا في وتيرة ممارسة العلاقة الحميمة مع التقدّم في العُمر، ولكنّ الرغبة الجنسية لا تختفي بل تظلّ موجودة، وإنّما تتراجع بوضوح، فنحو 17% من البالغين الذين تزيد أعمارهم على 70 عامًا يمارسون العلاقة الحميمة مرة أسبوعيًا، حسب دراسةٍ عام 2023 أجرتها مؤسسة "AARP".
لماذا تتغير الرغبة الجنسية بعد الزواج؟
لكن هذا التغيّر الحادث في الرغبة الجنسية لم يحدث فجأة، بل كان تدريجيًا، وتأثّر ببعض العوامل الهرمونية أو النفسية أو بطبيعة تقدّم العُمر، أو التغيّرات الحياتية التي قد تحدث طبيعيًا، مثل الأُبوّة، كما يتضح فيما يأتي:
هرمون التستوستيرون يتراجع بمرور الزمن
يتحكّم هرمون التستوستيرون في الرغبة الجنسية عند الرجال، ومن الطبيعي أن تنخفض مستوياته ببطء مع تقدّم العُمر؛ إذ يبدأ التراجُع بعد سن الثلاثين عند معظم الرجال، حسب "Cleveland Clinic"؛ وينخفض إنتاج هرمون التستوستيرون بنحو 1% كل عام.
وربّما لا يلاحظ بعض الرجال تغيّرًا في الرغبة الجنسية، ولكن قد يعاني بعضهم انخفاض الرغبة الجنسية أو ضعف الانتصاب.
ولنقص هرمون التستوستيرون بعض العلامات، مثل:
- فقدان شعر الجسم والوجه.
- انخفاض قوة العضلات.
- التعب أو الإرهاق.
وحسب الجمعية الأمريكية لجراحة المسالك البولية "AUA"، فإنّ المستويات الطبيعية لهرمون التستوستيرون عند الرجال تراوح بين 450 - 600 نانوجرام لكل ديسيلتر، بينما لدى معظم الرجال المصابين بهرمون التستوستيرون أقل من 300 نانوجرام لكل ديسيلتر من هرمون التستوستيرون.
الضغوط النفسية.. أثر لا يخفى على رغبتك الجنسية
لا تخلو الحياة من بعض الضغوط النفسية بين الحين والآخر، ولكن التوتر قد يدفع أجسامنا إلى استجابات مُعيّنة، قد يكون ثمنها انخفاض الرغبة الجنسية بنهاية المطاف.
فالتوتر يُحفّز إفراز هرمونات الكورتيزول والأدرينالين، التي عندما ترتفع مستوياتها يمكن أن تسبّب انخفاضًا في الرغبة الجنسية، وعندما يكون التوتر مزمنًا، يستخدم الجسم الهرمونات الجنسية لتلبية الطلب المتزايد على إنتاج كميات أكبر من الكورتيزول، ما قد يقلّل الرغبة الجنسية، حسب دراسة عام 2012 في دورية "Lipids".
كذلك فإنّ التوتر يُبقِي العقل مشغولًا ومرهقًا، ومِنْ ثمّ لا يستطيع أن يركّز على العلاقة الحميمة عندما يحين وقت ممارستها.
الأبوّة.. حين تنخفض الرغبة الجنسية استعدادًا للمولود
أيضًا تتأثّر الرغبة الجنسية لدى الزوجين بعد الإنجاب؛ إذ ينخفض الرضا الجنسي لدى الوالدَين مقارنةً بمستويات ما قبل الحمل. وعلى وجه التحديد أفاد ثلث إلى نصف الآباء والأمهات الجُدد أنّهم شعروا بعدم الرضا عن حياتهم الجنسية بعد 6 - 8 أشهر من الولادة، حسب دراسة عام 2015 في دورية "Journal of Sex & Marital Therapy".
كذلك قد تكون زيادة التحديات التي يواجهها الأزواج بعد الولادة، سواء التحديات العامة، مثل الإرهاق وقرارات الأبوة والأمومة، أو التحديات الجنسية الجديدة، مثل التناقض في الرغبة الجنسية بين الزوجين، قد تفاقِم التوتر؛ الذي قد ينعكس سلبًا على الرغبة الجنسية.
لذا فإنّ مرور سنوات الزواج، والإنجاب المتكرّر، والتوتر الذي يصِيب الزوجين في رعاية الأطفال ومحاولة التأقلم مع الحياة الجديدة، قد يترك أثرًا محتملًا في رغبتهما الجنسية.
كيف يؤثّر تقدم العمر في الرغبة الجنسية للزوجة أيضًا؟
انخفاض الرغبة الجنسية ليس مقتصرًا على الرجل وحده، فمع انقطاع الطمث قد ينخفض اهتمام المرأة بالعلاقة الحميمة أو يختفي تمامًا، وتستشهد المؤلفة "ماريون ستيوارت" في كتابها "إدارة انقطاع الطمث بشكل طبيعي" بدراسات تُظهِر أنّ ما يصل إلى 75% من النساء يلاحظن انخفاضًا في الرغبة الجنسية منذ انقطاع الطمث.
لكن اللافت أيضًا أنّ ضعف الرغبة الجنسية قد يُصِيب النساء بعد سن الأربعين؛ نتيجة انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون لديهنّ عن المُعدّل الطبيعي بالنسبة لهنّ، حسب دراسة عام 2020 في دورية "British Journal of General Practice".
كذلك فإنّ انخفاض مستويات الاستروجين مع انقطاع الطمث، قد يُسبّب جفاف المهبل وعدم الراحة، ما قد ينعكس على الرغبة في ممارسة العلاقة الحميمة.
الأسباب الصحية المحتملة وراء انخفاض الرغبة الجنسية للزوجين
ولكن إذا سلم الزوجان من تأثير تقدّم العُمر فرضًا والضغوط النفسية ومهام الأبوة والأمومة، فإنّ هناك بعض المشكلات الصحية وكذلك الأدوية التي قد تُسهِم في انخفاض الرغبة الجنسية، مثل:
- الأمراض المزمنة، مثل مرض السكري وأمراض القلب.
- الاضطرابات النفسية، مثل القلق أو الاكتئاب.
- بعض الأدوية، مثل وسائل منع الحمل الهرمونية، ومضادات الاكتئاب.
- علاجات السرطان.
طرق الحفاظ على السعادة الزوجية
مهما مضى على الزواج، فلا يزال من الممكن استعادة الرغبة الجنسية والحفاظ على السعادة الزوجية، وربّما تساعد النصائح الآتية على تحقيق ذلك:
1. معالجة أي مشكلة صحية مؤثّرة
قد تؤثّر بعض المشكلات الصحية في الرغبة الجنسية لدى أي من الزوجين، مثل أمراض القلب أو مرض السكري، وينبغي معالجة هذه الأمراض أولًا بطرقها المعروفة والمُختصة لتفادي تأثيرها في الرغبة الجنسية.
2. التعزيز الطبيعي لمستويات التستوستيرون
يمكِن للرجل الحفاظ على مستويات التستوستيرون لديه، خصوصًا مع تقدّم العُمر، باتباع النصائح الآتية:
- ممارسة التمارين الرياضية بانتظام؛ خصوصًا تمارين المقاومة، مثل رفع الأثقال.
- تناول نظام غذائي متوازن يغطّي احتياجاتك من الكربوهيدرات والبروتين والدهون الصحية، فهي تساعد على دعم مستويات هرمون التستوستيرون والتوازن الهرموني.
- الحصول على قسطٍ كاف من النوم كلّ ليلة بالنوم 7 ساعات على الأقل.
- الحد من التوتر قدر الإمكان، لأنّ مستويات التستوستيرون قد تنخفض بسبب ارتفاع مستويات هرمون الكورتيزول.
3. الاسترخاء قدر الإمكان
ثبت أنّ التوتر قد يؤثّر في الرغبة الجنسية، ولكن لمعالجته ينبغي الوقوف على سببه أولًا، فينبغي حلّ الخلافات الزوجية العالقة التي قد تثِير هذا التوتر، وتُسبّب انخفاض الرغبة الجنسية.
كذلك قد تساعد الرعاية الذاتية لكل من الزوجين باتّباع نظام غذائي صحي وممارسة الرياضة والنوم جيدًا في تخفيف التوتر، كما أنّ تخصيص بعض الوقت للعناية بالنفْس، قد يبني الثقة والنشاط مجددًا.
علاوة على ذلك، يمكِن تجربة تقنيات الاسترخاء التي تساعد على تقليل التوتر، مثل المعالجة بالروائح العطرية، أو استرخاء العضلات التدريجي، أو تمارين التنفّس، ويمكِن أيضًا لكلا الزوجين تخصيص وقت لممارسة الرياضة معًا، فهي تساعد على تقليل التوتر.
4. إعادة بناء العلاقة الحميمة بعد الإنجاب
قد يصعب على بعض الأزواج استعادة وتيرة العلاقة الحميمة التي كانوا عليها قبل الإنجاب، ولكن قد تساعد النصائح الآتية على إعادة إحياء العلاقة الحميمة والرغبة الجنسية من جديد:
- جدولة محادثات صادقة بين الزوجين بشأن مشاعر كل منهما ورغباتهما، بأن يُعبِّر كل منهما عن احتياجاته.
- خلق مساحة للاتصال الحميمي غير الجنسي، مثل اللمس أو المعانقة.
- تعلّم أسلوب التواصل الذي قد يختلف بعد الإنجاب، والصبر على الشريك؛ خصوصًا مع تقلبات المزاج المحتمل حدوثها بعد الولادة.
- تخصيص وقت قدر الإمكان لكلا الزوجين للرعاية الذاتية؛ خصوصًا مع تراكُم مسؤوليات الأبناء بمرور الوقت.
متى يجب استشارة الطبيب أو المعالج الجنسي؟
أحيانًا يتطلّب الأمر استشارة معالِج جنسي لاستعادة الرغبة الجنسية من جديد، فتلك الرغبة معقدة بنهاية المطاف، وتتأثّر بعوامل نفسية وجسدية، وقد يوفّر المعالِج بعض الاستراتيجيات الفاعلة لزيادة الرغبة الجنسية المنخفضة، وأظهرت عديد الدراسات أنّ العلاج السلوكي المعرفي كان إيجابيًا في تحسين العلاقة الحميمة بين الأزواج.
وفي الختام من الطبيعي أن تتراجع الرغبة الجنسية بمرور سنوات الزواج، وتقدّم العُمر، وتراكُم مسؤوليات الأبناء، علاوة على الضغوط النفسية التي تتركها الحياة.
ولكن قد يستطيع الأزواج الحفاظ على رغبتهم الجنسية في أوجها بحلّ الخلافات العالقة والعيش بطريقةٍ صحية، وتخصيص وقت للاسترخاء والرعاية الذاتية كُلّما أمكن.
