لماذا يبالغ بعض الرجال في إثبات رجولتهم عند التشكيك فيها؟
رجل يبكي أمام أصدقائه، ويدعم حقوق المرأة، ويعتني ببشرته، ومع ذلك لا يشعر بأن رجولته مهددة حين يشكك فيها أحد. هذا ما تُثبته دراسة نشرتها دورية Social Psychology Quarterly، مُقدِّمةً الذكورة الهجينة بوصفها آلية حماية نفسية حقيقية، لا مجرد أسلوب حياة عصري.
ما الذي يجري حين تُستفز رجولة رجل؟
ترسّخ في علم النفس الاجتماعي مفهوم "الذكورة الهيمنية"، وهو المعيار الثقافي السائد الذي يُلزم الرجل بالصلابة الجسدية، والتحفظ العاطفي، والاعتماد على النفس، وتجنب كل ما يُعدّ أنثويًا.
وهذه المعايير الصارمة بطبيعتها متعذّرة الاستيفاء الكامل في كل وقت، ما يجعل كثيرًا من الرجال يختبرون هويتهم الذكورية بوصفها مكانةً اجتماعية مكتسبة لا صفةً راسخة.
حين يشعر الرجل بأن رجولته مشككٌ فيها، يلجأ كثيرًا إلى ما يُسميه الباحثون "التعويض الذكوري المفرط"؛ أي المبالغة في السلوكات العدوانية والهيمنة والتشدد إثباتًا لمكانته أمام نفسه والآخرين.
وفي دراسة عام 2013 وُثّق أن رجالًا تلقّوا تغذية راجعة كاذبة بأن نتائجهم جاءت في النطاق الأنثوي على مقياس للهوية، سارعوا إلى إبداء دعم أكبر للحرب ودافعًا أعلى لاقتناء سيارات رياضية متعددة الاستخدامات.
لا تقتصر ردود الفعل على المواقف، إذ رصدت دراسة عام 2017 بُعدًا جسديًا لهذه الاستجابة؛ فحين استُفزّت رجولة المشاركين، رفعوا مستوى الصدمات الكهربائية التي وجّهوها لأذرعهم في اختبار تحمّل الألم. وكان هذا الميل أشد وضوحًا لدى من يرون أنفسهم شديدي الذكورة أصلًا.
ما الذكورة الهجينة وكيف تختلف عن النموذج التقليدي؟
الذكورة الهجينة مفهوم رصده علماء الاجتماع في السنوات الأخيرة، ويصف نمطًا يختار فيه الرجل دمج سمات مرتبطة تقليديًا بالنساء أو الفئات المهمّشة في هويته الذكورية. فالرجل الذي يُعبّر عن مشاعره علنًا، ويُظهر الحنان تجاه أصدقائه، ويدعم حقوق المرأة، يُجسّد هذا النموذج في صورته العملية.
وصاغت مراجعة سوسيولوجية عام 2014 الفرضيةَ القائلة إن تبنّي هذه السمات يُتيح للرجال المتمتعين بامتيازات اجتماعية خلقَ مسافة رمزية بينهم وبين معايير الذكورة الصارمة، مع احتفاظهم بمكانتهم الاجتماعية الأوسع. والفارق الجوهري أن الذكورة الهجينة لا تنبذ الهوية الذكورية، بل تُوسّع تعريفها.
وانطلق جاستن هافت، طالب الدكتوراه في علم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، من هذه الفرضية ليختبر ما إذا كانت الذكورة الهجينة تحمي الرجل من رد الفعل الدفاعي حين تُشكَّك في رجولته. وكان الهدف الموازي بناءَ أول أداة إحصائية لقياس هذا المفهوم كميًا.
دور الذكورة الهجينة في حماية الرجل
استقطب هافت 988 رجلًا أمريكيًا بالغًا راوحت أعمارهم بين 18 و83 عامًا، وأعطاهم استبيانًا من 20 بندًا لقياس الذكورة الهجينة، ثم أخبر نصفهم كذبًا بأنهم سجّلوا نتائج في نطاق "المرأة" على مقياس الرجولة، قبل أن يقيس مستوى تبنّيهم لمعايير الذكورة الصارمة.
وأظهرت النتائج أن المجموعة المستفَزّة سجّلت معدل 3.19 من 7 على مقياس الذكورة الصارمة، مقارنةً بـ2.97 لدى المجموعة غير المستفَزّة.
أي أن التهديد أنتج تعويضًا ذكوريًا ملموسًا في عموم العينة، غير أن كل نقطة إضافية على مقياس الذكورة الهجينة خفّضت هذا التعويض بمقدار 0.23 نقطة.
حتى بعد ضبط متغيرات كالتدين والتوجه السياسي والدخل والعرق، ظلّت الذكورة الهجينة مؤشرًا قويًا على انخفاض التمسك بالمعايير الصارمة.
وكاد الفارق بين المجموعتين يختفي تمامًا لدى الرجال الذين سجّلوا درجات مرتفعة على مقياس الذكورة الهجينة.
آليات الحماية في الذكورة الهجينة
تُبيّن النظريات السوسيولوجية أن الرجل الذي يدمج سمات أنثوية في هويته قد يبدو تقدميًا في الشكل الخارجي، بينما تظل الامتيازات الاجتماعية الموروثة المرتبطة بالذكورة قائمةً في الخلفية دون أن تُمسّ. وبهذا المعنى، لا تُفضي الذكورة الهجينة آليًا إلى إعادة توزيع السلطة بين الجنسين.
وأوضح هافت أن "الذكورة ليست شيئًا واحدًا، بل تحتوي على مواقف وسلوكات ومنظومات متباينة".
يطرح الباحث تفسيرين لآلية الحماية التي توفرها الذكورة الهجينة: الأول أن هؤلاء الرجال قطعوا الرابط بين قيمتهم الذاتية والمعايير الذكورية الصارمة، فلا يُثيرهم وصفُهم بالأنثوية.
والثاني أنهم يستندون إلى جوانب أخرى من هويتهم، كالنضج العاطفي وخفة الظل، لترسيخ ثقتهم بأنفسهم بدلًا من إثباتها بالتصلب.
