الحب غير المشروط.. سر المودة الدائمة بين الزوجين
للحبّ الرومانسي شدّته؛ خصوصًا في بداية العلاقة؛ إذ يتسم بلهفة يدرِكها جيدًا من وقع في الحبّ حديثًا، ولكن مع تعمّق العلاقة بين الأزواج، يظهر لون آخر من الحبّ: دعم غير مشروط، صبر عند الخلافات، تضحية ليس لها سقف، وذلك لرسم السعادة على ملامح الشريك فحسب.
ولكن هذا لا يحدث دائمًا، بل هذا النمط من الحبّ يُعرَف "بالحب غير المشروط" الذي ربّما تفتقر إليه كثير من العلاقات الزوجية اليوم، فماذا يعني هذا الحبّ؟ وفِيم يختلف عن الحب الرومانسي؟ وكيف تُشعِل شرارة الحبّ من جديد في علاقتكما؟
ما المقصود بالحب غير المشروط أو Agape Love؟
الحبّ غير المشروط أو الإيثاري (Agape love) هو أحد مفاهيم الفلسفة اليونانية القديمة، ويُعدّ أعلى أشكال الحبّ؛ إذ يُنظَر إليه على أنّه شامل وغير أناني، ويتسم بإعطاء ما تستطيع دون انتظار أي شيء في المقابل، فأنت تحبّ وتهتم وتضحّي بغض النظر عمّا يُظهِره الشخص الآخر، حسب ما ذكرته منصّة "Marriage".
ما الفرق بين الحب غير المشروط والحب الرومانسي؟
يتّسم الحب الرومانسي بمستويات عالية من الشغف والحميمية العاطفية، ولكن لا يُشترَط أن يوجد فيه التزام، فقد يكون المرء منجذبًا للغاية إلى الشريك أو مرتبطًا به عاطفيًا، لكنّه تعرّض لانفصال أو صدمة في علاقة ماضية، ما قد يجعله يخشى من الدخول في علاقة رغم الانجذاب.
صحيح أنّ الحب الرومانسي يكون شديدًا في أوله، ولكنه يحتاج إلى رعاية واهتمام كي يستمرّ.
ومن أمثلة الحبّ الرومانسي بين الشريكين:
- التفاعل الجسدي، مثل إمساك اليدين أو العناق أو اللمس الجسدي.
- قضاء وقت ممتع معًا، مثل الأمسيات الهادئة أو عطلات نهاية الأسبوع في مطعم فاخر.
- التحدّث بصراحة عن رغبات ومشاعر كل منكما.
- إظهار التقدير وتذكير الشريك بالسبب الذي يجعلك منجذبًا إليه.
أمّا الحب غير المشروط، فهو الأكثر نكرانًا للذات، وهو الذي تُقدِّمه للآخرين دون أن تتوقّع أي شيء في المقابل، وهو ما يحفّز المرء على مساعدة الآخرين، حتى لو كانوا غرباء تمامًا عنه.
ويعكس هذا الحب الاعتقاد بأنّ الجميع يستحقون اللطف والاحترام، بغض النظر عن ذواتهم.
كما يرتبط هذا الحبّ بتفاصيل الحياة اليومية أكثر من العلاقات، فقد يظهر في إحضار القهوة لزملائك في العمل، أو مساعدة الجار في أعمال الفناء، أو التطوع بوقتك لدعم القضايا التي تهمك، أو إظهار الرحمة تجاه من ظلموك.
وفي العلاقات يظهر في شكل دعم غير مشروط للشريك، فهو حبّ لا يتطلّب الكمال، بل يشجّع النموّ في العلاقة، ويظهر في اللحظات الصعبة، حين يكون الشريك في أمسّ الحاجة إلى من يطمئنه.
كيف يظهر الحب غير المشروط في الحياة الزوجية؟
يعزّز الحب غير المشروط الترابط بين الأزواج، ويظهر في التفاصيل الصغيرة والتضحيات الكبيرة، والتفاصيل اليومية كافة، وفيما يلي بعض الأمثلة التي تزيح الستار عن هذا الحبّ:
1. دعم أحلام الشريك
يدور الحب غير المشروط على تشجيع الشريك، حتى عندما تبدو أحلامه صعبة المنال، وهذا قد يعني البقاء مستيقظًا حتى وقت متأخّر لمساعدته في مشروعٍ ما، أو تشجيعه في أثناء النكسات، أو الاحتفال بانتصاراته الصغيرة.
2. التسامح دون شروط
لا أحد كامل، والحبّ غير المشروط يتقبّل هذه الحقيقة بصدر رحب؛ إذ يغفر المرء الأخطاء دون استياء أو ضغينة.
وبدلًا من التركيز على الأذى، فإنّ المرء يركّز على التعافي والمضي قدمًا معًا؛ إذ يصير الحب جسرًا إلى تواصل أعمق بين الشريكين.
3. إظهار اللطف في الأوقات الصعبة
أيضًا يدور الحبّ غير المشروط حول اللطف بدلًا من الانتقاد في الأوقات الصعبة، وقد يظهر ذلك عبر إعداد الوجبة المُفضّلة للشريك بعد يوم مرهِق، أو ببساطة القُرب من الشريك بالقدر الذي يدعمه، بما يُذكِّره بأنّه ليس وحيدًا.
4. التحلّي بالصبر في الخلافات
لا يتسرّع من يتحلّى بالحبّ غير المشروط في الفوز بالجدال، بل يستمع بقلبٍ مفتوح، ويسعى إلى فهم وجهة نظر الشريك. وهذا الصبر يخلق مساحة آمنة للحل، ما يساعد العلاقة على النموّ بقوة أكبر بعد كلّ خلاف.
5. التضحية لإسعاد الشريك
أحيانًا يتخلّى المرء عمّا يُفضِّله فقط لإسعاد الشريك، بما قد يعني التنازل عن شيء مهم بالنسبة للفرد أو تعديل الخطط اليومية لدعم الشريك فيما يحتاج إليه، وتعكس هذه التضحيات دون شكّ عُمق هذا الحبّ.
هل يعني الحب غير المشروط قبول كل تصرفات الشريك؟
نظريًا يعني الحب غير المشروط قبول كلّ تصرفات الشريك دون قيد أو شرط، أو أي توقع بالرد بالمثل، فهو حبّ يركّز على التضحية لأجل الطرف الآخر.
ومع ذلك، فإنّ هذا الحب قد يفتح الباب دون قصد لأن يتعرّض المرء لاستغلال من قِبل الشريك؛ إزاء طاقة العطاء الهائلة لديه، ولذا تنصّ منصّة "Psychology today" على بعض السلوكات التي ينبغي عدم قبولها من الشريك، مثل:
- عدم احترامك أو احترام جهودك.
- أن تكون شخصيته غير متوافقة مع شخصيتك.
- لا يبذل جهدًا لإنجاح العلاقة.
- لا تثق به؛ إذ يُفترَض أن تجلب العلاقة لك الراحة وليس القلق؛ خصوصًا مع المحبّة التي تُظهِرها.
- لا تستطيع التواصل معه بصدق ووضوح.
هل للحب غير المشروط علاقة بنمط التربية منذ الصغر؟
نعم، فطريقة التعامل في العلاقات قد تتحدّد في بعض جوانبها بنمط التعلّق، الذي يتشكّل منذ الصغر حسب طبيعة العلاقة مع الوالدين أو مقدّمي الرعاية.
وقد أشارت إحدى الدراسات إلى أنّ أسلوب الحبّ غير المشروط كان مرتبطًا سلبًا بنمط التعلق التجنبي، ومرتبطًا بشكل إيجابي بنمط التعلق الآمن، بينما لم تجد دراسات أخرى أي ارتباط.
ولكن حسب موقع "Attachment project"، فإنّ الحب غير المشروط ارتبط بانخفاض تجنّب العلاقات وارتفاع القلق بشأن العلاقات، ونظرًا لأنّ الأشخاص الذين يعانون قلقًا شديدًا في العلاقة يمكن أن يميلوا إلى وضع احتياجات شريكهم قبل احتياجاتهم الخاصّة، فيمكِن أن يحرِزوا درجات أعلى في الحب غير المشروط.
ومع ذلك، فهناك حاجة إلى مزيدٍ من البحث، رغم محاولة نظرية نمط التعلّق تفسير سرّ هذا الحب.
كيف تستدعي الحبّ غير المشروط لتجديد المودّة بينكما؟
مهما مضى على الحبّ من وقت، فإنّه من الممكن تجديد شرارة الحبّ بهذا النوع الفريد من المحبّة، وربّما تساعد النصائح الآتية على تحقيق ذلك:
1. الإصغاء إلى الشريك
أحد أبسط الطرق وأهمّها الاستماع الحقيقي إلى الشريك بكامل حواسّك، ووضع عوامل التشتيت جانبًا، مثل الهاتف، مع الحفاظ على التواصل البصري، والتركيز على ما يقوله الشريك.
فالاستماع بتعاطُف حتى عندما تكون المحادثة صعبة، يُظهِر للشريك أنّه مُقدَّر عندك، فالأمر لا يتعلّق بالسماع وحده، بل بفهم ما يحاول الشريك إيصاله أيضًا.
2. الدعم غير المشروط
لا تتعجّل في إطلاق الأحكام على الشريك، بل ادعمه خلال انتصاراته وإخفاقاته على حدٍ سواء، يستوي في ذلك ما إذا كان يطارد حلمًا صعبًا أو يواجِه تحديًا عابرًا، أو يمرّ بيومٍ سيئ على غير العادة. فمجرّد التشجيع أو الدعم يوضّح مدى عُمق حبك والتزامك تجاهه.
3. الصبر في وقت الخلاف
لا مفرّ من الخلافات في العلاقات الزوجية، ولكن الصبر يُظهِر الحبّ في أبهى صوره. فبدلًا من الرد بتهوّر، ينبغي أن تأخذ الوقت الكافي لفهم وجهة نظر الشريك.
فقط حاول أن تتحدّث بهدوء، وأن تتجنّب الكلمات القاسية، وابحث مع شريكك عن الحلّ، فالصبر خلال الخلافات لا يمنع الأذى فحسب، بل يبني الثقة ويعزّز التواصل بينكما أيضًا.
4. التضحية لإسعاد الشريك
غالبًا ما يتضمّن الحبّ الإيثاري إعطاء الأولوية لاحتياجات الشريك على احتياجاتك الخاصة، وهذا لا يعني إهمال نفسك بالطبع، بل الاستعداد للتنازل أو التكيّف لراحة الشريك، فهذا يُظهِر اهتمامك المتفاني.
كذلك ينبغي المواظبة على أعمال اللُطف الصغيرة، فهي أوضح صورة للتعبير عن الحبّ، مثل إحضار الوجبة المفضلة، أو ترك ملاحظة مملوءة بكلمات الحبّ، أو القيام بعمل روتيني لا يحبّه الشريك دون أن يطلبه منك، فالحبّ غير المشروط يظهر في التفاصيل الصغيرة اليومية قبل الأوقات الصعبة، ويتجلّى وقت الخلافات.
