لماذا يأبى بعض الأزواج الاعتذار.. الأسباب النفسية وطرق التعامل
قد ترتكب زوجتك الخطأ نفسه مرارًا وتكرارًا، من دون اعتذار أو محاولة لتصحيحه، وربما إذا طلبت منها الاعتذار، دافعت باستماتة عن موقفها، رغم أن الخطأ الذي ارتكبته واضح تمامًا.
ربما لا يكون الأمر عنادًا، وإنما هشاشة في تقدير الذات تجعل الاعتذار يبدو كأنه تهديد للذات، فيتحول الدفاع عن الخطأ إلى وسيلة لحماية النفس بدلًا من السعي إلى إصلاحه. وربما نشأت منذ الصغر في بيت لم يكن الاعتذار جزءًا من ثقافته.
وعلى كل حالٍ، فإنّ الندم والاعتذار شيء طبيعي في النفْس البشرية، فلماذا لا يعتذر بعض الأزواج أبدًا عن أخطائهم؟ وكيف يمكن التعامل مع شريك بهذا الوصف؟
سيكولوجية الندم.. لماذا نعتذر؟
الندم حسب منصّة "Psychology today" هو إلقاء اللوم على النفْس بسبب نتيجة سيئة أو الشعور بالحُزن على ما كان يمكن أن يحدث، أو تمنّي التراجُع عن خيار سابق اتخذناه.
ورغم أنّ الندم مؤلِم للنفس، فإنّ ألمه قد يؤدي إلى إعادة التركيز واتخاذ إجراءات تصحيحية أو اتّباع مسار جديد.
وعادةً ما يكون الناس أكثر ميلًا للندم عند النظر إلى الوراء على ما اتّخذوه من أفعال وقرارات وأخطاء على مدى فترات زمنية قصيرة، ولكن في الفترات الزمنية الطويلة، يكونون أكثر عرضة للندم على الأفعال التي لم تُتخذ، مثل العمل الجاد أو عدم قضاء وقت كاف مع العائلة.
وبالطبع يكون الندم في العلاقات هو الدافع الرئيس للاعتذار عن الخطأ الذي وقع، كما أثبتت الأبحاث أنّ الاعتذارات ترتبط بزيادة التسامح وتقليل الغضب وتحسين الرضا عن العلاقة.
لماذا لا يعتذر بعض الأزواج أبدًا عن أخطائهم؟
ربّما يكون بعض الأزواج عنيدين، ولكن أحيانًا يثِير الاعتذار لديهم تهديدًا نفسيًا عميقًا لدرجة أن تستخدم عقولهم كلّ وسائل الدفاع المتاحة لتجنّبه.
وغالبًا ما تنبع هذه الاستجابة من الهشاشة الذاتية التي تختلف عن انخفاض احترام الذات، إذ قد يعتذر الأشخاص الذين يعانون تدنّي احترام الذات بشكل مفرط حتى عمّا لم يرتكبوه من أخطاء.
فمن لديهم هشاشة نفسية، يبنون صورة ذاتية إيجابية هشّة عن أنفسهم ودفاعيّة في الوقت نفسه، وأي صدع قد يهدّد الذات، يعني الإحجام عن الاعتذار.
نظرة معمّقة داخل عقول الأزواج الذين يرفضون الاعتذار
لا يميّز العقل بين التهديد لمفهوم المرء عن ذاته والتهديد لسلامته الجسدية. وحين يُنبه شخص ما إلى أنّه فعل شيئًا خاطئًا، فقد يستجيب الجهاز العصبي كما لو كان يواجِه خطرًا حقيقيًا؛ إذ تُضِيء بعض مناطق الدماغ المرتبطة بمعالجة الألم والضيق، بالشدّة نفسها سواء في مواجهة انتقادٍ أو تهديد جسدي، وهو ما يُفسّر لماذا قد يبدو طلب الاعتذار أمرًا غير مريح لبعض الأزواج.
كيف تؤثر التربية والتجارب السابقة في القدرة على الاعتذار؟
كذلك قد يكون لعدم الاعتذار جذور من الطفولة؛ إذ تُشكّل التجارب المبكّرة مع الوالدين قوالب دائمة لكيفية التعامل مع الأخطاء وإصلاح العلاقات.
فمثلًا لو نشأ المرء في أُسرة تواجهه بعقوبات قاسية عند الخطأ بدلًا من التصحيح برفق، فقد يتعلّم الدماغ معادلة أنّ الاعتراف بالخطأ يساوي الألم، ويصبِح الاعتذار بوّابة للشعور بالعار أو العواقب.
وربّما يكون ذلك أكثر حدوثًا لمن لديهم آباء مثاليون أو يعاملون أبناءهم بحبٍ مشروط؛ إذ يخلقون نمطًا مختلفًا ولكنه ضار بالقدر نفسه. فعندما يتلقّى الطفل الحب والقبول فقط لكونه جيدًا بالنسبة لهم، فإنّ قِيمته الذاتية تندمج مع الصورة المثالية التي يفترضها الآباء، ومِنْ ثمّ فالأخطاء ليست مجرد أخطاء، بل تهديد وجوديّ للحب المشروط بالكمال الذي يطلبه الوالدان.
لماذا يجد بعض الأشخاص الاعتذار صعبًا؟
علاوة على ما سبق، قد يجد بعض الأشخاص الاعتذار صعبًا للأسباب الآتية، حسب منصّة "Marriage":
- عدم تعلّم كيفية الاعتذار: لم ينشأ الجميع في منزل كانت الاعتذارات فيه أمرًا طبيعيًا، فإذا كان المرء نادرًا ما يرى البالغون يعترفون بأخطائهم، فقد لا يعرف كيف يفعل ذلك بنفسه، وقد يبدو المضيّ قدمًا دون معالجة المشكلة هو الخيار الوحيد.
- الخوف من الصراع أو الرفض: الاعتذار قد يبدو محفوفًا بالأخطار؛ إذ يشعر بعض الناس بالقلق من أنّ الاعتذار لن يؤدي إلى إلّا مزيدٍ من اللوم أو الجدال أو حتى الرفض، ومِنْ ثمّ فالاعتراف بالخطأ قد يجعل الأمور أسوأ، فيتجنّبونه.
- الهروب من العار الذاتي: الاعتذار يعني مواجهة حقيقة إيذاء شخص ما، وهذا ليس بالأمر السهل؛ إذ يتجنّب بعض الأشخاص الاعتذار لأنّه قد يثِير مشاعر الذنب أو الخجل لديهم، فيحمون أنفسهم من تلك المشاعر غير المريحة.
- لا يعتقدون أنّهم فعلوا شيئًا خاطئًا: لا يرى كلّ الناس الأخطاء بالطريقة نفسها، بل يعتقد بعض الناس أنّ أفعالهم كانت مُبرّرة أو أنّه ليس هناك مشكلة كبيرة.
هل عدم الاعتذار علامة على السمات النرجسية؟
صحيح أنّ الشخصية النرجسية تتسم بسمات تجعل الندم والاعتذار أمرًا غير مريح، مثل الشعور بالاستحقاق والغطرسة؛ إلا أن من يتمتع بهذه السمات قد يعتذر، لكن بدوافع خفية.
بمعنى أنّك قد تتلقّى اعتذارًا بالفعل، ولكن قد يكون القصد هو التلاعب بك وإجبارك على تلبية احتياجاته، وليس بدافع الندم عمّا فعله، حسب موقع "Psych central".
ما الفرق بين الاعتذار الحقيقي والاعتذار الشكلي؟
إذًا لا بُدّ من التمييز بين الاعتذار الحقيقي الذي يسعى إلى إصلاح العلاقة حقًا، والاعتذار الشكلي الذي تختلف دوافعه، وفيما يلي بعض النقاط الفاصلة بينهما:
- الاعتذار الشكلي يُلقِي اللوم عليك أو على شخص آخر غير المُعتذِر، بينما الاعتذار الحقيقي يعني تحمّل المرء مسؤولية ما فعل.
- الاعتذار الشكلي يبدو فيه نوع من الإجبار، فالاعتذار قد لا يأتي إلّا بعد التعرّض لنوع من رد الفعل العنيف، أمّا الاعتذار الحقيقي فطوعي تمامًا.
- الاعتذارات الشكلية غامضة وغير محدّدة، بينما الاعتذار الحقيقي يحدّد بوضوح الخطأ الذي ارتكبه الشخص.
- الاعتذارات الشكلية مرفقة بشروط مُحدّدة، بينما الاعتذارات الحقيقية لا تخضع لأي شروط.
- الاعتذارات الشكلية لا ينبني عليها حلول ملموسة أو إجراءات واضحة بعدها وربّما يتكرّر الخطأ أو الإيذاء بعدها، على عكس الاعتذارات الحقيقية.
كيف تتعامل مع شريك لا يعترف بأخطائه؟
قد تساعد النصائح الآتية على التعامُل مع الشريك الذي يرفض الاعتذار أو الاعتراف بأخطائه:
1. لا تتوسّل للحصول على اعتذار
طبيعي أن تُحبَط مع رفض الشريك للاعتذار، وقد يؤدي طلب الاعتذار مرارًا وتكرارًا إلى مزيدٍ من الدفاع. فالاعتذار ينبغي أن يُقدَّم حُرًا وليس جبرًا، وبدلًا من محاولة جعل الشريك يعتذر، يُفضّل التركيز على التعبير عن كيفية تأثير أفعال الشريك عليك.
2. وضع حدود للاحترام
الاعتذار مُتعلِّق بالاحترام أيضًا، فإذا كان الشريك يتجاهل مشاعرك، أو يرفض تحمل المسؤولية، أو يجعلك تشعر بالصغر باستمرار، فإنّ الحدود ضرورية، كما يسعك إخباره بأنّ بعض السلوكات غير مقبولة في العلاقة، مثل إلقاء اللوم عليك.
3. لا تكُن مرآة لسلوكه
من المغري أن تعامِل الشريك بنفس طريقته، فإذا لم يعتذر، فلماذا يجب عليك أن تعتذر له؟ لكن الحقيقة أنّ امتناعك عن الاعتذار حين تكون مخطئًا يخلق مسافة أكبر بينكما، لذا ينبغي أن تكون قدوة، وتُظهِر للشريك كيف يبدو تحمّل المسؤولية والاعتذار عن الخطأ، حتى لو لم يكُن الشريك مستعدًا لفعل الشيء نفسه.
4. حاول أن تفهم وجهة نظره
لا يتعامل الجميع مع الاعتذار بنفس الطريقة، فربّما نشأ الشريك في عائلة لا يعتذر فيها أحد للآخر، أو يخشى أن يبدو ضعيفًا.
وهذا ليس مبررًا للخطأ بالطبع، ولكن فهم الدوافع، قد يساعدك على التعامل مع الموقف بمزيدٍ من الصبر بدلًا من الإحباط.
5. لا تتمسّك بالاعتذار أحيانًا
بعض الاعتذارات لن تأتي أبدًا، والتمسّك بها قد يؤدي إلى استنزافك بنهاية المطاف، فإذا عبّرت عن مشاعرك ولم يتغيّر شيء، فقد تضطر إلى التصالح مع حقيقة أنّ الشريك قد لا يعتذر أبدًا.
والتخلِّي لا يعني أنّك لم تتأذّ، بل يعني أنّك تختار سلامك الذاتي بدلًا من انتظار شيء قد لا يحدث أبدًا.
ختامًا؛ الندم وسيلة لتصحيح الأخطاء، والاعتذار أحد أشكال هذا التصحيح، ولكن قد لا يعتذر بعض الأزواج بسبب هشاشتهم الذاتية أو التربية التي تلقّوها في الصغر، وأحيانًا يكون الاعتذار وسيلة للتلاعب وليس للإصلاح، ولا ينبغي إجبار الشريك على الاعتذار ما لم يرغب، فالاعتذار الحقيقي يخرج طواعية.
