أسلوب DARVO.. كيف يقلب النرجسي الضحية إلى متهم؟
قد يتعرّض أحد الزوجين لإساءةٍ مستمرة أو إهانة متكرّرة، فلا يتكلّم أو يدافِع عن نفسه، ولكن في لحظةٍ ما يعجز عن تحمّل المزيد، فيواجِه الشريك الذي لا يملّ من الإساءة بما فعله.
ولكن هل يتراجع المُسيء عن إساءته؟ هل يعتذر مثلًا؟ أحيانًا تأتي النتيجة بخلاف ما تتوقع؛ إذ تتحوّل أنت إلى الجاني وربّما المُسيء وهو ضحيّتك، فقط لأنّك واجهته بما فعله وطلبت منه تحمّل مسؤولية أفعاله.
وهذا النمط مدروس ومُكرّر، يبدأ بالإنكار ثُمّ الهجوم، ثُمّ قلب الأدوار، فتصير أنت الجاني، ويُعرَف بأسلوب DARVO، فكيف تتعامل مع شريك يستخدم هذا الأسلوب المتلاعِب؟
اضطراب الشخصية النرجسية في العلاقة الزوجية
يشعر المصاب باضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic Personality Disorder) بإحساس مُبالَغ فيه بأهميته، ومِنْ ثمّ يسعى إلى أن يكون دائمًا مركز الاهتمام، ويتوقّع معاملة خاصّة تعكس مكانته العالية المُتصوّرة.
ولكن مع ذلك من الصعب اكتشاف السمات النرجسية في المراحل الأولى من العلاقة، ولكن شيئًا فشيئًا تتضح السمات بمرور الوقت؛ خصوصًا إذا كان أحد الزوجين يعطِي الأولوية دائمًا لاحتياجاته، بينما يفتقر إلى التعاطُف ويستخدم أساليب التلاعب والسيطرة للحصول على ما يريد.
ورغم أنّ 75% من المصابين باضطراب الشخصية النرجسية هم من الرجال حسب الإصدار الخامس من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5)، فإنّه قد يصيب 25% من النساء، وبينما يكون الرجال أكثر ميلًا للافتقار إلى التعاطُف والاستحقاق، فإنّ النساء أكثر ميلًا لإظهار الحسد والغرور.
أسلوب DARVO.. أحد التكتيكات النرجسية للتلاعب
ولا يكتفي النرجسي بأسلوبٍ واحد للتلاعب، بل ثمّة كثير من الأساليب التي قد يستخدمها، والتي قد تضمّ حسب موقع "Verywell mind":
- التلاعب العقلي (Gaslighting): وهو إنكار السلوكات ابتداءً، بما يجعلك تشكّ في واقعك.
- تحويل اللوم: صرف المسؤولية عنه وجعلك تشعر أنّ كل شيء هو خطؤك.
- العُزلة والسيطرة: مراقبة نشاطك، وتقييد علاقاتك الخارجية، لتدمير نظام الدعم العاطفي (من العلاقات الخارجية) الخاصّ بك ببطء.
- دورة الإساءة: تبدأ العلاقة بإضفاء المثالية عليك، أو ما يُعرَف أيضًا "بقصف الحبّ"، ثُمّ يأتي تقليل القيمة ورفضك بعد ذلك، في دورة إساءة متكرّرة.
- أسلوب DARVO: عندما تواجِه الشريك النرجسي بسلوكه، فإنّه قد ينكِر ارتكاب أي مخالفات ويقلب الطاولة عليك، ويجعلك أنت الجاني وهو الضحية.
ما هو أسلوب DARVO؟ وكيف يحوّل الضحية إلى متهم؟
كلمة DARVO هي اختصار لجملة "Deny, Attack, and Reverse Victim and Offender"، بما يعني الإنكار والهجوم وعكس دور الضحية والجاني، فهو تكتيك تلاعبي يستخدمه بعض الأشخاص لتجنّب تحمّل المسؤولية عن أفعالهم وتحويل اللوم إلى ضحاياهم، حسب الاختصاصية النفسية السريرية المُرخّصة "أفيجيل ليف" الحاصلة على دكتوراه في علم النفس ومؤسسة مركز CBTonling.
ويتمثّل أسلوب DARVO في العناصر الآتية:
1. الإنكار
يُصرّ المرء على الإنكار وأنّه لم يرتكِب أي خطأ، ويرفض الاعتراف بالسلوكات الضارة، كما قد يُقلَّل من مشاعرك بقوله مثلًا "إنّ المشكلة ليست كبيرة" أو "إنّك تُبالِغ".
وربّما يرتقي ذلك إلى الإنكار التام بأن يقول "إنّ هذا لم يحدث أبدًا"، وهذا الإنكار يُجبِرك على اتخاذ موقف آخر، فلم تعُد تناقِش الضرر الحاصل، بل صِرت تدافع عن تصورك الخاصّ، وتحاول إثبات أنّ شيئًا مررت به قد حدث بالفعل.
2. الهجوم
يُصبِح المُتّهم عدوانيًا، بحجة أنّه ليس مخطئًا، بل يسعى إلى إثارة الشكّ فيك باعتبارك الشخص الذي يُشكّك في سلوكه، وذلك بدلًا من معالجة ما حدث والوصول إلى حل للمشكلة، وتحوّلت أنت من وضع الهجوم إلى الدفاع عن تصورك الخاصّ.
فليس الأمر متوقفًا فقط عند حدود عدم تحمّل مسؤولية ما حدث، بل إظهار أنّك أنت المخطئ، وتشير الدكتورة "ليف" إلى أنّ الهجوم يستهدف مصداقية الضحية أو شخصيتها أو دوافعها، وربّما تُستخدم الإهانات أو التهديدات أو التلاعب لتشويه رواية الضحية عن الإساءة.
3. عكس أدوار الضحية والجاني
هذا هو المتبقّي، فقد صِرت أنت الجاني رغم أنّك الضحية الحقيقية؛ إذ يحاوِل الجاني الأصلي تحويل اللوم إليك مع إلحاق ألم نفسي وعاطفي إليك بينما أنت تعاني سوء المعاملة بالفعل.
وفجأة تجد أنّك من تطمئنه، وربّما تعتذر عن إثارة مخاوفه في المقام الأول. ولتعلم مدى تأثير أسلوب DARVO، فقد أظهرت دراسة عام 2023 في دورية "Journal of Interpersonal Violence" أنّه عند استخدام أسلوب DARVO، صنَّف المراقِبون الجُناة على أنّهم أقل إساءة والضحايا على أنّهم أقل قابلية للتصديق!
أمثلة واقعية على أسلوب DARVO
لنتخيّل سيناريو لحوار يدور بين شخصٍ يواجِه شريكًا متلاعبًا يعتمد على هذا الأسلوب:
- أنت: "لقد شعرتُ بإساءة عندما سخرت من عملي أمام أصدقائك الليلة الماضية".
- الشريك: "لم أسخر منك، بل كُنت أمزح فقط" (إنكار).
- أنت: "لم أشعر كأنّها مزحة. لقد قلت إنّ أفكاري كانت لطيفة بطريقة غير مريحة".
- الشريك: "أنت حسّاس للغاية، وهو ما يجعلني لا أشعر بالراحة إلى جوارك، فأنت تحلّل كل كلمة أقولها" (هجوم).
- أنت: "أنا لا أُحاول تحليل كل شيء. أريدك فقط أن تفهم ما أشعر به".
- الشريك: "هل تعرف أنّه أنا من يجب أن يكون منزعجًا؟ لا أستطيع حتى قضاء وقت ممتع مع أصدقائي دون أن تشعر بالإهانة؟ أشعر كأنّني تحت سيطرتك" (عكس أدوار الضحية والجاني).
وتنتهي المحادثة باعتذارك عن كونك حسّاسًا للغاية، بينما لم يُلتفت أصلًا إلى مخاوفك الأصلية بشأن عدم الاحترام.
حين يصدّق الضحية أنّه الجاني.. الآثار النفسية للتلاعب على الطرف المتضرر
ربّما لا تترك طريقة DARVO أثرًا واضحًا على الفور، ولكن المشكلة فيما قد تُسبّبه على الأمد الطويل بالنسبة للطرف المتضرر، مثل:
- القلق المزمن: فغالبًا ما يجد الأشخاص الذين تعرّضوا لهذا النوع من التلاعب أنفسهم يعيشون مع عُقدة من القلق يصعب تخفيفها، ويُشكِّكون في كل كلمة وفعل، ويحاولون عدم إثارة غضب أي شخص، بما يعني أنّهم في حالة تأهّب مستمر، قد تُفضِي إلى قلق مزمن.
- اللوم الذاتي: يرتبط اللوم الذاتي بمزيدٍ من الضغط النفسي على المتضرّر، كما أنّه من الآليات التي يلجأ إليها بعض الناس للتكيف مع أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، ما قد يعكس أثر التلاعب النفسيّ بوضوح.
- الاكتئاب: نتيجة أخرى محتملة؛ إذ يشعر المرء باستنزاف عاطفي ويأس وعجز بعد تعرضه المستمرّ للتلاعب.
- تشويه تصوّرك عن الواقع: وهي المشكلة الأكبر من وراء أسلوب DARVO؛ إذ قد يتشوّه تصوّر الضحايا للواقع حسب ما أشارت إليه دراسة عام 2020 في دورية "Journal of Aggression, Maltreatment & Trauma"، ما قد يدفعهم إلى تصديق روايات كاذبة مفادها أنّهم الجُناة، بسبب تشوه تصورهم عن الواقع.
الفرق بين DARVO وأساليب التلاعب الأخرى
لكن كي تتضح الصورة تمامًا لك، فهناك فرق بين أسلوب DARVO وأساليب التلاعب الأخرى، مثل:
الفرق بين DARVO والتلاعب العقلي (Gaslighting)
التلاعب العقلي هو تشويه طويل الأمد لواقعك، ويحدث عندما يخبِرك شخص ما باستمرار "أنّ هذا لم يحدث أبدًا" أو "أنّك تتذكره بشكلٍ خاطئ"، حتى تبدأ في الشكّ في ذاكرتك وإدراكك للأمور.
بينما أسلوب DARVO تسلسل تفاعلي مُحدّد، يحدث عندما تواجِه الشريك بسلوكه، فينتهي الأمر بقلب السيناريو وتحويلك إلى الجاني وهو الضحيّة، فالتلاعب العقلي مستمرّ بتأثيره، بينما يتحفّز أسلوب DARVO عند المواجهة بالأفعال.
الفرق بين DARVO واتّهامات الإساءة التفاعلية
تحدث الإساءة التفاعلية عندما تنفجر أخيرًا بعد سوء المعاملة المستمرة التي تتلقّاها، فقد تصرخ أو تقول كلامًا قاسيًا بعد أسابيع أو أشهر من الاستفزاز، ثُمّ يشِير الشريك الذي تسبّب في الأذى إلى رد فعلك كدليل على أنّك أنت المشكلة.
وغالبًا ما يكون أسلوب DARVO هو الوسيلة للاستفادة من الإساءة التفاعلية في قلب الصورة، فعندما تواجِه الشريك بنمط سلوكه، ويردّ بـ"أنت من صرخ في وجهي الأسبوع الماضي"، فإنّه يستخدم لحظتك التفاعلية ذخيرةً له في مسلسل قلب الأدوار.
كيف تنقذ نفسك من شريك يتعامل بأسلوب DARVO؟
قبل أن تجِد نفسك جانيًا وأنت المجنيّ عليه، يُفضّل اتباع النصائح الآتية للتعامل الأمثل مع شريك يستخدم أسلوب DARVO:
- وثّق ما حدث: سجّل كلّ شيء من إساءة أو سخرية بعد حدوثه بالتواريخ والعبارات التي قِيلت والشهود، فقد تحتاج إلى ذلك وسط التلاعب الذي يحيط بك.
- كُن صارمًا في وضع الحدود: إذا بدأ الشريك بالهجوم عليك، فربما يمكنك قول "أتفهم أنك لا توافقني الرأي ولكن هذا ما حدث لي"، وتجنّب الهجوم المباشِر، لأنّ الطرف الآخر متلاعِب، وابتعِد إذا لزم الأمر أو قلّل تواصلك مع الشريك المتلاعب.
- تجنّب فخ الأدوار المقلوبة: أنت لست بحاجة إلى الرد على الاتهامات، فقط التزم بالحقائق التي وثّقتها وسجّلتها، وأعِد صياغتها بهدوء من وجهة نظرك دون الانجرار إلى الحجج الجانبية.
- اكتسب عادات يومية: حاول أن تنخرط في عادات لك كل يوم، مثل الحركة أو كتابة يوميات حول تجاربك، فهذا سيساعدك على الحفاظ على صورة الواقع كما هي، حتى عندما يحاول الآخرون تشويه واقعك.
- ثقِّف نفسك بأسلوب DARVO: حيل التلاعُب كثيرة، ومن السهل أن تقع فيها لو كُنت جاهلًا بها، لذا ثقِّف نفسك بشأن أسلوب DARVO وغيره من طرق التلاعب، كي تحافظ على سلامتك النفسية وتصوّرك الواقعي، واعتبِر ما قرأته مُجرّد البداية.
