لماذا تنمو اللحى للرجال؟ العلم يكشف السر
تُعد اللحية واحدة من أوضح الفروق الجسدية بين الرجال والنساء، لكنها في الوقت نفسه من السمات التي لا يزال تفسير ظهورها في مسار تطور الإنسان موضع نقاش علمي.
فبعد أن فقد الإنسان معظم شعر جسده الظاهر منذ زمن بعيد، أصبح ظهور شعر كثيف على الوجه لدى الرجال، وبعد البلوغ تحديدًا، ظاهرة لافتة تحتاج إلى تفسير.
فيتميز الإنسان الحديث بقلة الشعر المرئي على معظم أجزاء جسده، ولذلك تبدو اللحية استثناءً واضحًا؛ إذ تظهر في جنس واحد دون الآخر، ولا تبدأ في النمو إلا مع الوصول إلى مرحلة النضج الجنسي.
ليست للحماية من البرد
قد يبدو أن الوظيفة الأساسية للحية هي توفير الدفء، لكن هذا التفسير لا يصمد أمام الملاحظات العلمية. فاللحى تنمو لدى رجال ينحدرون من مناطق قريبة من خط الاستواء، حيث لا تمثل درجات الحرارة المنخفضة عاملًا يمكن أن يفسر ظهور هذه السمة.
أما الحماية من أشعة الشمس، فتبدو تفسيرًا أكثر إثارة للاهتمام، لأن شعر الوجه يستطيع بالفعل حجب جزء من الأشعة فوق البنفسجية. لكن هذا التفسير لا يقدم إجابة كاملة أيضًا؛ فأشعة الشمس لا تصل إلى الرجال وحدهم، بل يتعرض لها النساء والأطفال كذلك.
وتستبعد هذه الفرضية وحدها تفسير ظهور اللحية لدى الرجال تحديدًا، وفي مرحلة عمرية محددة هي ما بعد البلوغ.
اللحية علامة على النضج الجنسي
يصنّف علماء الأحياء اللحية ضمن ما يُعرف بـ«الصفات الجنسية الثانوية»، وهي صفات تظهر عند الوصول إلى مرحلة النضج الجنسي، وتختلف بصورة واضحة بين الذكور والإناث، لكنها لا تؤدي دورًا مباشرًا في عملية التكاثر.
ويرتبط نمو اللحية بالهرمونات الذكرية، وعلى رأسها هرمون التستوستيرون، وهو ما يفسر ظهورها خلال فترة المراهقة بدلًا من وجودها منذ الطفولة.
لكن لا تجيب معرفة الآلية التي تجعل اللحية تظهر في هذه المرحلة بالضرورة عن السؤال الأعمق: لماذا تطورت هذه السمة لدى الرجال أصلًا؟
هل اللحية وسيلة لجذب النساء؟
يربط علماء الأحياء عادةً مثل هذه السمات بعملية تُعرف باسم الانتخاب الجنسي، وهي الفكرة التي طرحها تشارلز داروين لتفسير بعض الخصائص التي لا يمكن تفسيرها بصورة كافية من خلال فائدتها في البقاء على قيد الحياة.
ويعمل الانتخاب الجنسي بطريقتين رئيسيتين. الأولى أن تنتشر الصفة لأنها تحظى بتفضيل من الجنس الآخر، والثانية أن تمنح صاحبها ميزة في التعامل مع المنافسين من الجنس نفسه.
وبالنسبة إلى اللحية، فإن الاحتمالين يقدمان تفسيرين مختلفين لطبيعة هذه السمة والوظيفة التي ربما أدتها خلال تطور الإنسان.
منافسة بين الرجال
وبحسب ما ورد على موقع BBC، فإذا كانت اللحية قد تطورت بفعل المنافسة بين الذكور، فمن الممكن النظر إليها باعتبارها إحدى السمات المرتبطة بالتعامل مع المنافسين من الجنس نفسه، وليس بالضرورة وسيلة مباشرة لجذب النساء.
وتصبح اللحية هنا جزءًا من مجموعة من السمات الجسدية التي قد تكون ارتبطت بالانتخاب الجنسي، حتى لو لم تكن لها فائدة مباشرة في عملية البقاء أو التكاثر.
لكن تحديد السبب الدقيق وراء تطور اللحى يظل أكثر تعقيدًا؛ إذ إن النتائج تختلف باختلاف الطريقة التي يتم من خلالها اختبار فرضيات الانتخاب الجنسي.
سرٌّ لم يحسمه التطور بعد
رغم أن العلم بات يحيط بالعوامل المحفزة لنمو اللحية ومراحل ظهورها، يظل السبب الجذري لتطورها واحتفاظ الإنسان بها مفتوحًا بين فرضيتي تفضيل الشريك أو المنافسة بين الذكور.
وتؤكد هذه الظاهرة أن مسار التطور البشري لم يحكمه البقاء البيئي وحده، بل تشابكت فيه اعتبارات انتقائية معقدة تجعل حسم أصلها الحقيقي مؤجلًا في علم الأحياء.
