النصيحة قد تصبح عبئًا.. كيف تزيد معاناة من تحب رغم نواياك الطيبة في مساعدته؟
يظن كثيرون أن إقناع الشريك بأن الأمور "ليست بهذا السوء" هو أفضل طريق لتهدئته، لكن دراسة حديثة من جامعة تورنتو تكشف أن هذا الأسلوب قد يأتي بنتيجة عكسية تمامًا.
وتشرح الدراسة كيف يمكن لطريقة دعمنا لمن نحب أن تفاقم توترهم بدلاً من أن تخففه، وتقدّم بديلاً أثبت فعاليته، إذ يواجه كل شخص تقريبًا لحظة يرى فيها شريكه أو أحد أفراد أسرته غارقًا في القلق، فيسارع إلى محاولة طمأنته بأي وسيلة متاحة.
وغالبًا ما يلجأ كثيرون في هذه اللحظات إلى ما يُعرف نفسيًا بـ"إعادة التقييم المعرفي"، أي محاولة إقناع الطرف الآخر بأن الموقف أهون مما يتصوره.
ومع أن هذا الأسلوب يبدو منطقيًا للوهلة الأولى، غير أن باحثين من جامعة تورنتو يقولون إنه قد يفعل العكس تمامًا حين يوجَّه إلى شخص آخر غيرنا.
حين تكون النصيحة الحسنة عبئًا إضافيًا
تكشف دراسة أجراها ييتونغ تشاو وفريقه البحثي، ونُشرت في مجلة Emotion عام 2026، أن محاولة تهدئة شخص مقرّب عبر تصحيح طريقة تفكيره قد تحمل أثرًا سلبيًا.
ويشير الباحثون إلى أن محاولة تهدئة شخص آخر تختلف عن تهدئة أنفسنا؛ فما نقدمه من نصائح قد لا يكون هو ما يحتاجه حقًا، وبذلك تتحول نوايانا الطيبة إلى نتيجة عكسية غير مقصودة.
ويصف الفريق هذا النوع من التدخل بـ"التخلي عن الالتزام"، أي التشكيك في تفسير الشخص لموقفه، ما يجعله يشعر بأن مشاعره غير مفهومة أو مبالغ فيها.
بين رفض المشاعر وتعزيزها
يميّز الباحثون بين أسلوبين رئيسين في دعم من نحب؛ يقوم الأول على التقليل من حدة المشكلة أو حث الشخص على تقبّل ما لا يمكنه تغييره، بينما يقوم الثاني على تعزيز قدرة الشخص على مواجهة الموقف وتذكيره بأنه قادر على التعامل معه ليخرج منه أقوى.
وقد خضعت هاتان الاستراتيجيتان لثلاث دراسات متتالية شملت عينات متنوعة من المشاركين، لقياس نتائج كل أسلوب على جودة العلاقة والحالة النفسية.
وأظهرت النتائج أن التشكيك في تفسير الشريك لموقفه إما لم يُحدث أثرًا يُذكر أو زاد الأمور سوءًا، بينما ارتبطت استراتيجيات الالتزام بنتائج أفضل.
كيف تتحول الكلمات البسيطة إلى دعم فعّال
يوضح الباحثون أن سر فعالية أسلوب الالتزام يكمن في مساعدة الشخص على بناء منظور جديد للموقف، لا في تغيير طريقة إدراكه له من الأساس؛ إذ لا يحتاج الشخص القلق إلى من يقنعه بأن مخاوفه غير واقعية، بل إلى من يساعده على تحويل هدفه من التخلص من المشكلة إلى التعامل معها بثقة.
ويحمل هذا الأسلوب فائدة مضاعفة، إذ يرسل رسالة مفادها أن الداعم موجود للمساندة لا للحكم على تصرفات الآخر، كما يعزز شعور الشخص بكفاءته الشخصية، وحين يُعزَّز هذا الشعور بالكفاءة، يتراجع حجم التحدي في نظره تلقائيًا.
الاستماع أهم من الإقناع
تُظهر هذه النتائج أن مساندة شخص عزيز في أوقات ضغطه لا تعني بالضرورة تصحيح تفكيره أو تخفيف وقع المشكلة عليه لفظيًا، بل يحتاج الأمر غالبًا إلى تصديق أن التوتر الذي يشعر به حقيقي مع التأكيد على قدرته على تجاوزه.
وحين يشعر الإنسان بأن معاناته مسموعة ومفهومة لا مُصحَّحة أو يتم التقليل منها، يصبح أقدر على إيجاد طريقه للخروج منها بنفسه.
