التنازل بمعايير صحيحة.. أحد أسرار الزواج الناجح والمستقر
تخيّل أنّ شرارة على وشك الاشتعال، ولكنّك تمتلك ما يُطفِئها سريعًا قبل أن تنتشر النيران وتلتهم كلّ شيء. لن نبالِغ إذا وصفنا أهمية التنازل في الزواج بهذه الصورة الخيالية، فهو قادِر على نزع فتيل الخلافات.
ولا يمكِن لأي إنسانٍ أن يفرض رغباته طوال الوقت، خصوصًا في العلاقة الزوجية التي تُعدّ أسمى تواصلٍ إنساني، كما أنّ اختلاف طباع الزوجين يفرض التنازل على كل منهما في كثيرٍ من الأحيان.
ورغم أهمية هذا التنازل في الحفاظ على مودّة الزوجين، فإنّه أحيانًا يتحوّل إلى استنزافٍ تامٍ لأحدهما، فما الفرق بين التنازل الصحي والضار؟ وكيف يكتسب الزوجان عادة التنازُل؟
التنازل في الزواج.. هل هو تضحية واجبة؟
إيجاد أرض مشتركة والوصول إلى حل وسط هو ما يضمن شعور كل من الزوجين بأنّ صوتهما مسموع ومُقدَّر، وهو ما يعنيه التنازل في الزواج.
فالتنازل جزء أساسي من العلاقة الصحية، وهي في جوهرها تواصل واضح، وتفاهُم متبادَل، واستعداد للتكيّف مع اختلافات الشريك، وهو ما يعكس تعاملًا ناضجًا ومتوازنًا بين الزوجين؛ إذ يعترف كل منهما باحتياجات الآخر ويحترمها.
لماذا يُعدّ التنازل مفتاح الزواج السعيد؟
التنازل بين الأزواج لا يقلّ أهمية عن التعبير عن الحب أو الخروج معًا في نزهة بين الحين والآخر، فهو كذلك من أركان الزواج السعيد.
فالتنازل يحلّ الخلافات العالقة بين الأزواج؛ إذ إنّ الإصرار على الحصول على كل شيء بطريقتك دون مراعاة الطرف الآخر، قد يخلق خلافات متكررة، وما هي إلّا مسألة وقت فحسب حتى يخبو الحب وتضعف العلاقة الزوجية.
والتنازل يُعلّم المرء أنّ وجهة نظره أو رغبته هي جزء من العلاقة ولا ينبغي أن تسري كما هي على الشريك حتى لو كان مختلفًا معه.
تقول "كلوديا دي لانو" المعالِجة المرخّصة للأزواج والأُسرة ومؤلّفة كتاب "مصائر الحب السبعة": "عندما نتنازل، فإنّنا نعبّر عن تقدير مشاعر الشريك واحتياجاته ورغباته وتطلعاته. نحن نُظهِر له أنّنا نحترمه وأنّ احتياجاته مهمة، وأنّ وِجهة نظره قيّمة، رغم أنّها مختلفة عن وجهة نظرنا".
هل يعني التنازل أن تتخلّى عن احتياجاتك؟
ليس بالضرورة أن يعني التنازل ذلك. صحيح أنّ كثيرًا من الأزواج قد يقعون في هذا الفخّ، فيتخلّون عن احتياجاتهم تمامًا -وهو أمر لن يعود بنتيجة إيجابية على العلاقة غالبًا- ولكن ليس هذا هو الهدف من التنازل.
فقد بيّنت دراسة عام 2021 في مجلة عِلم نفس المُستهلِك لاستكشاف عملية صنع القرار المشترك للمستهلِك، أنّ الأشخاص يشعرون بقوة أكبر عندما يتّخذون خيارات مع شريكهم مقارنةً باتخاذها بمفردهم، رغم أنّهم يتخلّون عن فرديتهم.
وهذا يعني أنّ التنازل لا ينبغي أن يبدو كأنّه تخفّف من رغباتك، بل يمكِن أن يكون فرصة لتوسيع مكاسبك، ولجعل مسألة التنازل تعاونية بينك وبين زوجتك:
- وضّح ما تقدّمه في مقابل أي شيء، فمثلًا قد تخبِر زوجتك أنّك ستحضر مناسبة معها، ولكن في نهاية الأسبوع المقبل ستظلّ معك في المنزل، فهذا يحوّل التنازل إلى خيار واع ومشترَك، وليس تضحية صامتة.
- لا تنظر إلى التنازُل على أنّك تتخلّى عن زمام القيادة، بل سَلْ نفسك كيف يمكِن الوصول إلى أرض مشتركة تعكس احتياجات كل منكما، فهذا يُعزّز إحساس كل منكما بالتمكين والمشاركة.
أمثلة عملية على التنازل من قلب الحياة الزوجية اليومية
كيف يكون شكل التنازل الذي يُفترض أن يقدّمه الزوجان؟ توضّح الأمثلة الآتية لمحة عن شكل التنازل المطلوب توافره في أي علاقة زوجية ناضجة:
1. تخطيط أُمسية في مطعم
من المهم أن تنتبه إلى ما تُفضّله زوجتك عندما تُخطِّط لأُمسية ساحرة في مطعمٍ ما، فمثلًا إذا كانت نباتية، فينبغي أن تكون مُلمًّا بالمطاعم التي تحتوي على خيارات نباتية في قائمتها، كما أنّ هذا قد يعني أنّك لن تتمكّن من الذهاب إلى مطعمك المُفضّل، لأنّه يخلو من الأطباق النباتية، ومِنْ ثمّ فقليل من التنازُل هُنا يُفسِح مساحة من الحبّ بينكما.
2. التعبير عن الحب
ربّما تختلف طريقة تعبير كل منكما عن الحبّ، وهذا طبيعي، ولذا ينبغي في بعض الأحيان أن تتأقلم مع الطريقة التي تُفضّلها زوجتك في التعبير عن الحب.
فقد تُفضّل أنت التعبير عن الحب جسديًا، بينما تطير زوجتك فرحًا عندما تمطِرها بكلمات الحب، لذا قد تحتاج إلى التنازل في طريقة تعبيرك عن حبّك بعض الشيء إلى ما تُفضّله زوجتك، وفي النهاية سيزرع ذلك ثمار الودّ بينكما.
3. تقسيم الأعمال المنزلية
يُعدّ تقسيم الأعمال المنزلية أوضح مثال على التنازل في الزواج، فمثلًا إذا كُنت تشعر بالملل من إخراج القمامة كل يوم، يمكِنك أن تطلب من زوجتك فعل ذلك، وفي المقابل تغسل أطباق العشاء نيابةً عنها.
4. قضاء الوقت معًا
لعلّك تُفضّل قضاء عطلات نهاية الأسبوع خارج البيت، بينما تُفضّل زوجتك زيارة عائلتها أو بعض صديقاتها المقرّبات، ولكن لم لا تحاولان الوصول إلى حلٍ وسط بقضاء هذا الوقت الثمين معًا، سواء من خلال التنزّه معًا، أو زيارة الأحباب والأقارب معًا؟
متى يكون التنازل ضروريًا لاستقرار العلاقة الزوجية؟
الحياة الزوجية ليست كلّها تنازلات، وإنّما التنازل بالنسبة إلى الزواج كالملح بالنسبة إلى الطعام، فالقليل منه يكفِي، وقد يكون التنازل ضروريًا في حالة:
1. عِظم الأمر بالنسبة لزوجتك
إذا تملّك زوجتك شعور قوي تجاه شيء وترى أنّه مهم للغاية بالنسبة لها، فقد لا تحتاج إلى أكثر من ذلك لتقديم بعض التنازلات لاستيعاب مشاعرها وما تراه هي مهم، خصوصًا إذا كان ذلك لا يمسّ معتقداتك أو قِيمك.
2. الحفاظ على توازن الزواج
أحيانًا لا يطرأ شيء يستدعي التنازل، ولكن العلاقة الزوجية السعيدة هي التي ينتبه فيها كل من الزوجين إلى احتياجات وتفضيلات الآخر، ويقدّم التنازلات عند الحاجة إلى ذلك، وهو ما يجعل الزواج متوازنًا، كما يجعلكما أقرب عاطفيًا.
متى ترفض التنازل؟
رغم أهمية التنازل، فهو ليس واجبًا دائمًا، بل أحيانًا يكون الحفاظ على الوضع القائم أهمّ وأولى من التنازل، كما في حالة:
1. المساس بقِيمك الأساسية
لا ينبغي أن تتنازل عن شيءٍ ما على حساب قِيمك، حتى لو كان ذلك في الزواج، فمثلًا إذا كانت زوجتك تودّ زيارة مكان أو قضاء أُمسية في مكان يتعارض مع قِيمك أو مُعتقداتك، فإنّ التنازل هُنا ليس الخيار المثالي؛ إذ لا ينبغي أن تذوب هويتك في قلب التنازلات.
2. كسْر حدودك
لا يعني التنازل انتهاك حدودك في العلاقة، فإذا وقع تقليل من شأنك أو التحدّث إليك بطريقةٍ لا تليق أو تعرّضت لأذى، فإنّ سلامتك الجسدية والنفسية العاطفية تأتي في المقام الأول قبل أي تنازُل.
3. أنت المتنازِل الوحيد
العلاقة الصحية تفرض تنازلات على كل من الزوجين، أمّا لو كُنت أنت من يتنازل دائمًا، فربّما حان الوقت لإعادة تقييم العلاقة وتصحيح مسارها.
الفرق بين التنازل الصحي والضار للعلاقة
اتفقنا على ضرورة التنازل بين الأزواج، ولكن التنازل ليس كلّه لونًا واحدًا، وإنّما أحيانًا يكون ضروريًا، وفي بعض الأوقات يكون مُبالغًا فيه أو ضارًا بالعلاقة، ويُلخّص الجدول الآتي المسألة:
كيف يكتسب الزوجان عادة التنازل الصحي؟
ربّما لم تعتد أنت ولا زوجتك التنازل للوصول إلى حلٍ وسط، أو ربّما تشعران بأنّ الأمر مزعِج، ولكن هذه بعض الخطوات التي تساعد على الشعور براحة تجاه التنازلات عندما تكون ضرورية:
1. النقاش الذي يحترم الطرفين
الخطوة الأولى هي إجراء مناقشات هادئة ومتّزنة مع زوجتك؛ إذ ينبغي لكل منكما التعبير عن مشاعره ووجهة نظره دون مُقاطعة، وأن تُخبِر زوجتك بما تفكّر فيه أو تريده أو تتوقّعه، مع شرح سبب أهمية ذلك بالنسبة لك.
2. اعترِف بمشاعر زوجتك
ينبغي لكل من الزوجين أن يعترف ويقدّر بما سمعه من الطرف الآخر، حتى لو كان لا يتفق معه، لأنّ الاعتراف بالمشاعر وإظهار مدى التقدير لها، يُشعِر الطرف الآخر بأنّه مسموع ومُقدَّر.
3. كُن مرنًا
من المُهم أن تكون مستعدًا للعطاء والأخذ، وأن تتمتّع بعقلٍ منفتح، لأنّ التمسّك بإقامة كل شيء على طريقتك ليس الخيار المثالي لعلاقة صحية وسعيدة.
4. تنازل المُحبِّين
تذكّر أنّ التنازل ما هو إلّا تعبير عن المحبّة وليس عقابًا لك أو تضحية مفروضة عليك رغمًا عنك، وإذا كُنت أنت من يتنازل عن شيءٍ ما، فينبغي أن يكون ذلك بمحبّة لا بضيق، أمّا لو كانت زوجتك من يتنازل، فكُن مُقدّرًا لذلك.
5. لا تنفعل
قد تغضب أو تنزعج إذا لم تسِر الأمور كما تريد، أو لم تتوصّل إلى اتفاق على الفور مع زوجتك، ولكن قبل أن تظهر مشاعرك على وجهك أو تصرّفاتك، توقّف لحظة للتفكير قبل الرد، ولا بأس إن ابتعدت عن المكان وأخذت بعض الوقت لتقييم أولوياتك.
ختامًا، التنازل في الزواج ضروري لاستقرار العلاقة الزوجية ودوام الحبّ والمودّة فيها، ولكن لا ينبغي أن يكون هذا التنازل على حساب قِيمك أو أن يكسر حدودك أو أن تكون أنت من يتنازل دائمًا، بل التنازل مشاركة بين الزوجين كما يتشاركان هموم الحياة ومسرّاتها.
