بين المقارنات والمثالية.. كيف تهدد وسائل التواصل سعادتك الزوجية؟
طبيعيٌ أن يطمح الزوجان إلى أن تكون علاقتهما أسعد علاقة على ظهر الكوكب، وربّما في سبيل تحقيق ذلك يقارِنان حياتهما بحياة الآخرين، وباللقطات السعيدة المتنوّعة التي لا تنتهي على وسائل التواصل الاجتماعي.
وربّما يغذّي ذلك أيضًا الطبع الكماليّ لدى أحدهما؛ إذ يطمح إلى ما هو أبعد من الواقع، ولكن هل الطموح بعلاقة سعيدة كما نراها على الشاشات يجعلنا أسعد أم يترك ندوبًا في العلاقة؟ وما الحلّ لتفادي تأثير تلك المقارنات؟
لماذا تميل عقولنا إلى المقارنة بالآخرين؟
تشتمل أدمغتنا على نظام للتعلّق؛ إذ تتعامل مع رابطة التعلّق الأساسية كأنّها أحد موارد البقاء على قيد الحياة، وعندما يشعر الدماغ بأنّ تلك الرابطة مهددة، تنشط اللوزة الدماغية، ويزداد إفراز هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر) في جسمك.
فنظام التعلّق يطرح سؤالين أساسيين باستمرار: "هل الشريك موجود من أجلي" و"هل أنا كافٍ بالنسبة له؟"، وعندما تشعر أنّ الإجابة على أي من السؤالين هي "لا" حتى لو مؤقتًا، يتحفّز الجهاز العصبي، ويبحث عن دليل يؤيّد ذلك، وهُنا تشتعل المقارنات.
وحسب منصة "Empathi"، فإنّ المقارنات يفعلها العقل حين يكون خائفًا؛ إذ قد تجد نفسك تتساءل: "هل هذا طبيعي؟ هل أنا أبالغ في رد فعلي؟ هل يتعامل الآخرون مع المشكلة نفسها أم أنّ علاقتي هي المنفردة بذلك؟".
والمشكلة أنّ ما يجده العقل من حوله يعمّق تلك المقارنة، خصوصًا مع لقطات منصات التواصل الاجتماعي للأزواج السعداء، رغم أنّ الصورة قد لا تدلّ بالضرورة على أنّ حياتهما سعيدة.
أكثر أنواع المقارنات شيوعًا بين الأزواج
عادةً ما تتضمّن المقارنات بين الأزواج:
1. المقارنة التصاعدية (المقارنة بمن علاقتهم أفضل)
هو النوع الأكثر شيوعًا وتدميرًا للعلاقة الزوجية؛ إذ يقارِن المرء علاقته بزوجين آخرين؛ مُستنتِجًا أنّ لديهما شيئًا لا يملكه، ربّما مزيد من العاطفة أو السعادة أو التواصل الواضح.
وهذه المقارنة تنشّط ما يعرف "بنظام العار الداخلي"، فلا يكتفي المرء بالشعور بالسوء تجاه علاقته فحسب، بل ينتابه السوء أيضًا تجاه نفسه لوجوده في تلك العلاقة، وإحساس العار يدفع المرء إلى التوقف عن طلب ما يحتاج إليه والانسحاب التدريجي من العلاقة، ما يخلق فجوة أكبر بين الزوجين، لم تنشأ إلّا بمقارنة من البداية.
2. المقارنة الهبوطية (المقارنة بمن هم أدنى)
قد يبدو هذا النوع من المقارنة غير ضار، ولكنّه في الواقع شكل من أشكال التجنّب، فحين يرى المرء أنّه على الأقل لا يتقاتل مع شريكه كما يتقاتل زوجان آخران باستمرار، فكأنّه يستخدم الخلل الموجود في علاقتهما كإذن لتجاهُل الخلل في علاقته.
فربّما كانت هناك مشكلات أكبر قائمة بالفعل بين الزوجين، ولكنها تختفي وراء "على الأقل لسنا مثل هؤلاء"، مع تجاهُل الأضرار الموجودة بالفعل، فحقيقة أنّ هناك أزواجًا علاقتهم أسوأ لا تعني بالضرورة أنّ علاقة المرء الحاليّة مثالية.
3. المقارنة الجانبية (التطلّع إلى الأفضل)
عادةً ما تظهر هذه المقارنة في شكل اقتراحات مفيدة على غرار "لماذا لا نكون مثل هذين؟" أو "زوجة صديقي تخطّط دومًا لمفاجآت له".
ولكن المشكلة في تلك المقارنة أنّها تُحوِّل الشريك إلى مُتهم ضمنيًا بأنّه ليس كافيًا، وحين يشعر الشريك أنّه يُقارَن بشخصٍ آخر، فقد يتخذ سلوكًا دفاعيًا أو ينسحب، وكلا الاستجابتَين تضرّان العلاقة أكثر مما تنفعها.
تأثير المقارنات في العلاقة الزوجية على الأمد الطويل
فحصت دراسة عام 2022 في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي "Personality and Social Psychology Bulletin" تأثير المقارنات في العلاقات، مُبيِّنةً أنّها لا تؤثّر فقط في سعادتك ورضاك عن العلاقة، بل تؤثّر أيضًا في سعادة الشريك ورضاه.
وشارك في الدراسة 78 زوجًا (50% رجال)، متوسّط أعمارهم 27 عامًا، ومتوسّط مدة الزواج 5 سنوات، وكان 38 زوجًا متزوجين، بينما أربعون منهم يتواعدون، وأظهرت النتائج أنّ:
- الأزواج يقارنون أنفسهم بانتظام مع الأزواج الآخرين، والمقارنات الهبوطية أكثر شيوعًا (رغم أنّها أقل تأثيرًا) من المقارنات التصاعدية.
- بعد المقارنة التصاعدية، يشعر المرء بالسوء تجاه نفسه وشريكه وعلاقته، وحين تتكرّر تلك المقارنات، فإنّها تُنبِئ بانخفاض مستوى الرضا حتى بعد 6 أشهر.
- المقارنة التصاعدية تترك أثرها على الشريك؛ إذ يقلّ تفاؤله ورضاه عن العلاقة، وربّما يؤدي ذلك إلى مزيدٍ من الخلافات.
- كانت المقارنات التصاعدية أكبر تأثيرًا في الرضا عن العلاقة على الأمد الطويل، مقارنةً بالمقارنات الهبوطية، التي تفترض أنّ العلاقة جيّدة أو أفضل من الآخرين.
دور اللقطات السعيدة في وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق المقارنات
وتأتي وسائل التواصل الاجتماعي بما تعرضه لتعميق مشكلة المقارنات بين الأزواج، كما يتضح فيما يأتي:
1. الصورة غير الواقعية
لا يستعرض الأزواج علاقاتهم عبر منصّات التواصل الاجتماعي، وإنّما بعض اللقطات السعيدة المقصودة، فهم لا يُظهِرون لقطات الجدال والخلافات التي دارت بينهم، وربّما لم يتحدّث أي منهما للآخر على مدار الأيام الماضية، ومع ذلك لا ترى سوى اللقطة السعيدة لهما عبر شاشتك.
والجهاز العصبي لا يُفرِّق بين ما تراه وما يجري خلف الكواليس، فهو يُعالِج ما يراه كما لو كان بيانات رصدية، ويجعلك ترى الصورة على أنّها المُفترَض أن تكون عليه علاقتك.
2. الدوبامين والتلاعب الذهني
لا تكتفي وسائل التواصل الاجتماعي بعرض حياة الآخرين أمامك، بل تكافئ عقلك أيضًا على استهلاك هذا المحتوى؛ إذ يتعلّم دماغك ربط عملية المقارنة بمكافأة الدوبامين؛ إذ مسارات الدوبامين التي تنشط عن طريق المقارنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي هي نفسها التي تنشط عن طريق المقامرة وتعاطي المُخدرات.
لذا ربّما يقارِن عقلك علاقتك بالآخرين، للحصول على جرعته الصغيرة من المُتعة، التي تليها غالبًا موجة أكبر من عدم الرضا.
3. ظاهرة بادر ماينهوف
ظاهرة بادر ماينهوف أو وهم التكرار تجعل الأمر أسوأ؛ إذ بمجرد أن تبدأ في ملاحظة الأزواج السعداء عبر الإنترنت، يبدأ عقلك في التركيز على أمارات السعادة الواضحة في العلاقات التي تراها، سواء عبر الإنترنت أو من حولك.
ولذا يبدو الأمر بمرور الوقت كما لو أنّ الجميع لديهم علاقة أفضل منك، لكن العقل لم يأخذ عينات من كلّ الواقع، بل فقط قرّر تضخيم النمط الذي قرّر مسبقًا البحث عنه انتقائيًا.
المثالية.. حين يتحوّل الطموح إلى مقارناتٍ لا تتوقّف
كذلك ربّما يمتلك أحد الزوجين طموحًا لا ينتهي، يتجلّى في طبعه الكماليّ؛ إذ يسعى باستمرار للعيش بطريقة خالية من العيوب، ولا يقبل أي معيارٍ أدنى من معياره المثاليّ.
ومن سمات الكماليّة في العلاقة الزوجية النقد المستمرّ للشريك، أو رد الفعل الشديد حين يُواجَه بأي خطأ أو نقدٍ ما؛ إذ يرى ذلك بمثابة رفضٍ له، ما يُبقِي دائرة الخلاف قائمة.
كيف تغذّي وسائل التواصل الاجتماعي المثالية؟
وفقًا لـ"جيريمي تايلر" الأستاذ المساعد في الطب النفسي السريري في مركز علاج ودراسة القلق في كلية الطب بجامعة بنسلفانيا، فإنّ وسائل التواصل الاجتماعي تُعدّ محفّزًا للكمالية، ويرى أنّ ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي مُصمّمة لتغذية المقارنة الاجتماعية.
ويُعدّ هذا النمط أكثر تأثيرًا في الشباب، فحسب تحليلٍ تلوي نُشِر في مجلة "Psychological Bulletin"، ضمّ أكثر من 41,641 طالبًا في الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة بين عامي 1989 و2016، فقد نمت ثلاثة أنواع رئيسة من الكمالية: الكمال المُوجّه نحو الذات، ونحو الآخرين (التوقعات العالية تجاه الآخرين)، وخصوصًا الكمال الموصوف اجتماعيًا (الشعور بأنّ المجتمع والأقران والآباء يُطالِبون بالكمال).
كيف تعمّق المقارنات تأثير المثالية على العلاقة؟
خلصت مراجعة عام 2026 في دورية "Current Approaches in Psychiatry" إلى أنّ الأشخاص الكماليين يميلون إلى عدم التسامُح في مواجهة الأخطاء، ما قد يجعلهم يُضخِّمون أخطاء الشريك أو يتخذون موقفًا عقابيًا بدلًا من التسامُح.
ولو كانت المقارنات حاضِرة ووسائل التواصل الاجتماعي لا تفتر عن عرض اللقطات السعيدة، ويطمح الكماليّ إلى ما يراه عبر منصات التواصل الاجتماعي، فربّما يتعمّق هذا الأثر، وينعكس سلبًا على العلاقة الزوجية.
استراتيجيات عملية للحد من المقارنات داخل العلاقة
إذا وصلنا إلى هُنا، فلا بُدّ من وقفة حازمة أمام تأثير المقارنات في العلاقة الزوجية، وقد يساعد على ذلك:
1. التركيز على علاقتك فحسب والامتنان
بدلًا من التركيز على علاقات الآخرين، ركّز على بناء علاقة قويّة وصحية مع شريكتك، بتحديد الأهداف المشتركة والسعي إلى تحقيقها معًا.
وحسب "ماجي مارتينيز" عاملة اجتماعية سريرية مُرخّصة، فإنّه: "عندما تكون مشغولًا بالتركيز على علاقات الآخرين، فمن المحتمل أنّك لا تُولِي اهتمامًا كافيًا لعلاقاتك".
كذلك ينبغي التركيز على الأشياء التي تُقدِّرها في علاقتك وشريكتك، لأنّ ذلك سيساعد على تجنّب المقارنات، ويُفضّل أيضًا إخبار شريكتك بما يجعلك ممتنًا لها.
2. الحد من وسائل التواصل الاجتماعي
لا تترك نفسك تمرّر بلا نهاية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن ينبغي أن تحاول تقليل الوقت الذي تقضيه عبر تلك الوسائل، أو إيقاف تشغيل الإشعارات، ولا بأس بالاستعانة بزوجتك لتشجيعك على تقليل المُدّة التي تقضيها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وربّما يُفضّل تخصيص نافذة زمنية لا تتجاوزها لتلك الوسائل.
3. الوعي الذاتي والتوقعات الواقعية
أمّا الكمالية التي قد تتسلّل إلى العلاقة، فينبغي لكل من الزوجين أن يكون واعيًا بطباعه وتأثيرها في العلاقة، كما ينبغي أن يكون سقف التوقعات واقعيًا، مع التركيز على التقدّم في العلاقة وليس تحديد أهداف شبه مستحيلة؛ خصوصًا لو كان للمقارنات يد في تحديد تلك الأهداف.
ختامًا، لا تتوقّف أسباب المقارنات بين الأزواج على وسائل التواصل الاجتماعي أو المثالية فحسب، ولكنها في النهاية تُثِير خلافات لا داعي لها، وتجعل كلاً من الزوجين غافلاً عمّا يستحق أن يشعر بالرضا من أجله كلّ يوم.
