أنماط التعلق: كيف يُشكل الماضي العلاقة الزوجية في الحاضر؟
التعلّم في الصغر كالنقش على الحجر، ولكن ليس التعلّم وحده ما يُنقَش في النفس، بل المشاعر والأحاسيس والذكريات وطريقة التواصل مع الآخرين، بل إنّ أثرها قد يمتدّ حتى بعد أن يبلغ الشخص ويصير زوجًا أو زوجة، بما يُشكِّل جزءًا كبيرًا من السلوك في العلاقة الزوجية كلّ يوم.
ولذا كان نمط التعلّق من أكثر ما يُحدِّد كيفية تصرّف المرء في علاقته؛ استنادًا إلى ما تشكّل لديه في طفولته، فإلى أي مدى يُشكّل الماضي العلاقة الزوجية في الحاضر؟ وإذا كان هذا النمط سلبيًا، فهل يمكن تدارك الأمر وإصلاح العلاقة الزوجية أم أنّ الأوان قد فات؟
ما هي أنماط التعلّق؟
يعكس نمط أو نوع التعلّق (Attachment style) كيفية تصرّفك في علاقة رومانسية؛ استنادًا إلى الارتباط العاطفي الذي تشكّل لديك عندما كنت طفلًا مع مقدّم الرعاية الأساسي لك (الوالدَين غالبًا).
ووفقًا لنظرية التعلّق التي ابتكرها الطبيب النفسي البريطاني "جون بولبي" وعالِمة النفس الأمريكية "ماري أينسوورث"، فإنّ جودة الارتباط الذي مررت به خلال هذه العلاقة الأولى غالبًا ما تُحدِّد مدى ارتباطك بالآخرين واستجابتك للعلاقات القريبة طوال العُمر.
أنواع أنماط التعلّق في العلاقات
تضمّ أنماط التعلّق التي قد يكون لها تأثير في العلاقات:
1. نمط التعلّق الآمن
يتّسم الأشخاص من هذا النوع بالتعاطف والقدرة على وضع حدود مناسبة، كما يميلون إلى الشعور بالأمان والاستقرار والرضا في علاقاتهم القريبة، كما أنّهم لا يخشون أن يكونوا بمفردهم.
ولكن هذا لا يعني أن يكون هؤلاء الأشخاص مثاليين أو أنّهم لا يواجهون مشكلات في العلاقة، ولكنهم يشعرون بالأمان الكافي لتحمّل المسؤولية عن الأخطاء والإخفاقات، بالإضافة إلى أنّهم يكونون على استعداد تام لطلب المساعدة والدعم إذا احتاجوا إليهما.
2. نمط التعلّق القلق
يميل هؤلاء الأشخاص إلى أن يكونوا محتاجين بشكلٍ مفرط، وغالبًا ما يكونون قلقين ومفتقرين إلى احترام الذات، فهم يتوقون إلى العاطفة الحميمة ولكنّهم يشعرون بالقلق من أنّ الآخرين لا يريدون أن يكونوا معهم.
ولذلك فقد يشعرون بالحرج من أن يكونوا متشبّثين جدًا بالعلاقة أو من الحاجة المستمرة إلى الحب والاهتمام، أو قد يشعرون بالإرهاق بسبب الخوف والقلق بشأن ما إذا كان الشريك يحبّهم حقًا أم لا.
3. نمط التعلّق التجنّبي الرافض
نمط تعلّق غير آمن، على عكس نمط التعلّق القلق؛ فبدلًا من الرغبة في العاطفة الحميمة، يكون هؤلاء الأشخاص أشدّ حذرًا، بل ويحاولون تجنّب الارتباط العاطفي مع الآخرين، فهم يفضِّلون عدم الاعتماد على الآخرين أو جعل الآخرين يعتمدون عليهم.
فهؤلاء الأشخاص يواجهون صعوبة في تحمّل العلاقة العاطفية القريبة، ويقدِّرون استقلاليتهم وحُرّيتهم إلى الحد الذي قد يشعرون فيه بعدم الارتياح وحتى بالاختناق بسبب العلاقة الحميمة أو القُرب في العلاقة الرومانسية.
4. نمط التعلّق غير المُنظَّم
يُشار إليه أيضًا بنمط التعلّق المتجنّب الخائف، وهو ناتج عن الخوف الشديد، الذي يكون غالبًا نتيجة صدمة الطفولة أو الإهمال أو سوء المعاملة.
ويميل البالغون الذين يعانون هذا النمط من التعلّق غير الآمن إلى الشعور بأنّهم لا يستحقّون الحب أو القُرب في العلاقة.
كذلك فإنّهم لم يتعلّموا أبدًا كيفية تهدئة مشاعرهم بأنفسهم، وربّما تُشعِرهم العلاقات والعالم من حولهم بالخوف وعدم الأمان، كما قد يحاول بعضهم تكرار أنماط السلوك المُسيئة التي تعرّضوا لها خلال الطفولة عندما يكونون بالغين.
كيف يؤثّر نمط التعلّق في العلاقة الزوجية؟
يبرز نمط العلاقة بشكلٍ واضح عندما تكون العلاقة مُهدّدة، فمثلًا قد يتمكّن شخص يتمتّع بنمط تعلّق آمن من مشاركة مشاعره علنًا وطلب الدعم عند مواجهة مشكلات في العلاقة، بينما إذا كان نمط التعلّق غير آمن، فقد يميل المرء إلى التشبّث بأقرب علاقاته أو يتصرّف بطرقٍ أنانية أو متلاعبة عندما يشعر بالضعف، أو قد يخجل من العلاقة الحميمة تمامًا.
ولذلك فإنّ فهم كيفية تشكيل نمط التعلّق الخاص بك وتأثيره في العلاقة الزوجية، يمكن أن يساعدك على الاستجابة بشكلٍ أفضل، وتوضيح ما تحتاج إليه بدقّة، وكيفية التغلّب على مشكلات العلاقة.
وعادةً ما يؤثّر نمط التعلّق في:
- كيفية توصيل احتياجاتك للآخر، فقد يتحدّث بعض الأشخاص مباشرةً، بينما يلمّح آخرون أو يلتزمون الصمت؛ اعتمادًا على مدى شعورهم بالأمان.
- كيفية تعاملك مع الخلافات، فقد يميل أسلوب بعض الأشخاص نحو البحث عن الطمأنينة الفورية، أو التراجُع للتهدئة، أو تجنّب المحادثة تمامًا.
- راحتك مع القُرب والاستقلال؛ إذ يمكن أن يؤثّر نمط التعلّق فيما إذا كنت تشعر بالنشاط من خلال العلاقات القريبة أو أنّك تُفضِّل مساحة أكبر.
- مستوى الثقة في العلاقة؛ إذ يميل التعلّق الآمن إلى جعل الثقة أسهل، بينما تميل أنماط التعلّق غير الآمنة إلى خلق الشك أو الخوف من الهجر.
نصائح للحفاظ على العلاقة الزوجية رغم أنماط التعلّق غير الآمن
سواء كان أحد الزوجين أو كلا الزوجين يتّسمان بنمط تعلّق غير آمن، ينعكس ذلك في سلوكهما في حياتهما اليومية ومدى الرغبة في قُرب كلٍّ منهما من الآخر أو بُعده عنه، ففيما يلي بعض النصائح التي تساعد على الحفاظ على استقرار العلاقة، وفقًا لموقع "Help guide":
1. تحسين مهارات التواصل غير اللفظي
أحد أهم الدروس المُستفادة من نظرية التعلّق هو أنّ العلاقات بين البالغين، تمامًا مثل العلاقة الأولى التي تربط الشخص بمن يقدّم له الرعاية، تعتمد في نجاحها على أشكال التواصل غير اللفظي.
فحتى لو لم تكن على علم بذلك، فإنّك عندما تتفاعل مع الآخرين، فإنّك تُعطي وتستقبل باستمرار إشارات دون كلمات عبر الإيماءات التي تقوم بها، ووضعية جسمك، ومدى التواصل البصري الذي تقوم به وما شابه، فكلّ هذه الإشارات غير اللفظية هي رسائل قوية تعبّر عمّا تشعر به.
ولتحسين التواصل غير اللفظي، يُنصَح بما يأتي:
- معرفة كيفية إدارة التوتر: لأنّه في أثناء التوتر، من المرجّح أن يُسيء المرء فهم الآخرين، أو قد يُرسِل إشارات غير لفظية خاطئة، أو ربّما ينزلق إلى أنماط سلوكية غير محسوبة.
- تطوير الوعي العاطفي: إذ يجب أن تكون على دراية أولًا بمشاعرك وكيفية تأثيرها فيك وفي الشخص الذي تتواصل معه، ولذلك لتقرأ الإشارات غير اللفظية الدقيقة وتُرسِلها بدقّة أيضًا.
- تحسين كيفية قراءة لغة الجسد: حاول أن تستنبط لغة جسد من أمامك، هل يُخبِرك بشيءٍ بينما تُخبِرك لغة جسده بشيءٍ آخر؟ هل أكتافه متوتّرة ومرتفعة أم مسترخية؟
2. تعزيز الذكاء العاطفي
الذكاء العاطفي مهارة أساسية لتقوية العلاقة بين الزوجين، سواء كان لديهما نمط تعلّق غير آمن أم لا، فالذكاء العاطفي يعني القدرة على فهم مشاعرك واستخدامها وإدارتها بطرق إيجابية للتعاطف مع الشريك، والتواصل بشكلٍ أكثر فاعلية، والتعامل مع الخلافات بطريقةٍ أكثر صحة.
ومن خلال فهم مشاعرك وكيفية التحكّم بها، ستكون قادرًا على التعبير عن احتياجاتك ومشاعرك لشريكك بشكلٍ أفضل، علاوة على فهم ما يشعر به الشريك حقًا.
3. حلّ أي صدمة في مرحلة الطفولة
كما سبق ذكره، فإنّ التعرّض لصدمة خلال الطفولة يمكن أن يقطع عملية الترابط، وعندما لا تُحلّ صدمة الطفولة، فإنّ مشاعر عدم الأمان والخوف والعجز يمكن أن تستمر بعد البلوغ، وتؤثّر في العلاقة الزوجية.
وحتى لو مضى على تلك الصدمة سنوات طويلة، فهناك خطوات يمكن اتخاذها للتغلب على الألم واستعادة التوازن العاطفي، وتعلّم الثقة والتواصل في العلاقات مرة أخرى، ربّما بمساعدة مُختص نفسي.
ختامًا، فإنّ وجود نمط تعلّق غير آمن كشخص بالغ ليس سببًا لإلقاء اللوم على الوالدَين في جميع مشكلات العلاقة؛ إذ يمكن للشخصية ذاتها والتجارب المتداخلة خلال مرحلة الطفولة والمراهقة، علاوة على حياة البالغين، أن يكون لها دور في تشكيل نمط التعلّق الخاص بالشخص، فإذا كنت تواجه مشكلة في علاقتك الزوجية تظنّ أنّ سببها جذور مرتبطة بنمط التعلّق، فربّما هذا هو الوقت المناسب لاستشارة مُختص يساعدك على استعادة استقرار العلاقة الزوجية.
