الذكاء العاطفي للرجل: مهارة نفسية تعزز استقرار الزواج
بعد يومٍ طويل في العمل، عُدت إلى منزلك، فرأيت أمرًا أزعجك، فهل تسارِع للغضب والخلاف مع زوجتك أم تتوقّف بُرهة تفكّر فيما سينتج عن فعلك وتركك العنان لمشاعرك؟
في تلك اللحظة يتميّز الرجل الذي يتمتّع بذكاءٍ عاطفي، فهو يتحكّم في مشاعره، بعد أن يكون واعيًا بها جيدًا، كما أنّه قادر على احتواء الخلافات بسُرعة حتى لا تتفاقم، فهو يتعاطف مع زوجته، ويستمع إليها بكلّ حواسه.
ويمكن القول دون مبالغة أنّه الرجل المثالي في عيون المرأة، فهل تتمتّع بذكاءٍ عاطفي كاف؟ وكيف يمكن للرجل أن يكتسب الذكاء العاطفي؟
ما هو الذكاء العاطفي؟
يدور الذكاء العاطفي حول فهم مشاعرك، وإدارتها بطريقة صحية، مع القدرة على فهم مشاعر الآخرين والاستجابة لها.
تخيّل أنّك عالق في ازدحام مروري بينما أنت في طريقك إلى اجتماعٍ مهم: ستبدأ ضربات قلبك في التسارع، وقد تشعر ببوادر غضب تعتمل في صدرك.
الشخص الذي يتمتّع بذكاءٍ عاطفي عال سيتعرف على مشاعر الإحباط تلك، وقد يحاول تهدئة نفسه (إدارة المشاعر)، كما يمكنه أيضًا إدراك أنّ جميع من حوله يشعرون بالإحباط نفسه (التعاطف مع الآخرين).
إن قيامه بذلك سيساعده على البقاء هادئًا وتجنّب الشجار مع السائقين الآخرين، وربّما استغلال الوقت في استخدام تطبيق للخرائط للبحث عن مسارٍ أسرع.
أهميته في العلاقات الزوجية
إذا كان الذكاء العاطفي مبنيًا على فهم مشاعرك، وكذلك فهم مشاعر الآخرين، والاستجابة والتفاعل بناءً على ذلك، فلا بُدّ أن يكون الذكاء العاطفي مؤثّرًا بدرجة كبيرة في علاقة الرجل بزوجته، كما يتضح فيما يلي:
1. تعميق العلاقة
يبني الرجل الذي يتمتّع بذكاءٍ عاطفي علاقات أعمق، فهو يفهم مشاعره، ويتعاطف مع زوجته، ويظهر ذلك مثلًا عند الخلافات؛ إذ يمكنه البقاء هادئًا والاستماع بإنصات، ما يجعل الطرف الآخر يشعر بأنّه مسموع ومُقدَّر.
وهذا من ناحية يحسّن التواصل بين الزوجين، كما يقلّل سوء الفهم ووتيرة الخلافات، ما ينعكس إيجابًا على العلاقة الزوجية عمومًا.
2. التواصل الفعّال
يعرف الرجل الذكي عاطفيًا كيفية التعبير عن أفكاره ومشاعره دون أن يُشعِل خلافًا غير ضروري أو يستفزّ زوجته بكلمات لا داعي لها.
كما أنّه يستمع جيدًا إلى زوجته عند الخلافات لفهم وجهة نظرها، والاستجابة لها بطريقة مناسبة، ما يقلّل من سوء التفاهم، ويعزّز الاحترام المتبادَل بينهما، كما أنّ التواصل الفعال يجعل التعامل معه أسهل.
وحسب دراسة عام 2014 في المجلة الدولية للاستماع، تُظهِر استجابة الاستماع النشط التعاطف وتبني الثقة من خلال إظهار الاهتمام الحقيقي والاعتراف بتجربة الآخر.
3. حلّ الخلافات
يتفوّق الرجال الأذكياء عاطفيًا في حل المشكلات، فهم يتعاملون مع الخلافات بتعاطُف ورغبة حقيقية في فهم وجهة نظر الشخص الآخر.
اقرأ أيضًا: العاطفة الواعية: دليل الرجل لتقوية نفسه قلبًا وروحًا
فمثلًا في نزاع عائلي، قد يتوسّطون من خلال ضمان الاعتراف بمشاعر الجميع، وهذا النهج يقلّل التوتر ويفتح حوارًا بناءً، فهم ماهرون في إيجاد أرضية مشترَكة وحلول مريحة للجانبَين، كما أنّ سلوكهم الهادئ في أثناء الخلافات يطمئن الآخرين، ويُسهّل التوصّل إلى حلولٍ أسرع.
وإذا كان الأمر على هذا الحال في العلاقات مع العائلة، فبالتأكيد سيكون الرجل أقدر على حلّ الخلافات مع زوجته في وقتٍ أسرع، مقارنةً بالرجل الذي لا يتمتّع بذكاءٍ عاطفي كاف.
صفات الرجل الذي يتمتّع بذكاءٍ عاطفي
الذكاء العاطفي لا يُقدَّر بثمن، والسؤال الآن كيف تعرف إذا كُنت تتمتّع بدرجة كافية من الذكاء العاطفي؟ إليك الصفات الأساسية للرجل الذي يتمتّع بالذكاء العاطفي:
1. الوعي الذاتي
يفهم الرجل الواعي بذاته مشاعره وكيف يمكن أن تؤثر على أفكاره وأفعاله. فمثلًا، قد يدرك انزعاجه بعد يوم مرهق في العمل، فيختار الذهاب للمشي قليلاً قبل التفاعل مع عائلته، ليمنع انعكاس هذا الانزعاج على تصرفاته أو علاقته معهم.
وهذا الوعي يساعده على تجنّب الصراعات غير الضرورية، وفي العموم يُعدّ الوعي الذاتي أساسًا للعديد من السمات الأخرى للذكاء العاطفي العالي.
2. التعاطُف
التعاطُف مبنيٌ على فهم مشاعر الآخرين، فقد يلاحظ الرجل أن زوجته هادئة بشكلٍ غير عادي، فيبادِر بكلمة طيّبة أو يُصغِي جيدًا لها عندما تتحدّث للتعبير عما يجول بخاطرها.
وهذا يدلّ على أنّه يقدّر ويفهم مشاعر الآخرين، ما يساعد على بناء الثقة وتعميق العلاقة الزوجية، فالتعاطف علامة واضحة على الذكاء العاطفي.
3. الاستماع النشط
الاستماع النشط يعني التركيز الكامل على ما يُقال بدلًا من مجرد الاستماع وكأنّك لا تلقِي بالًا لما يُقال.
فمثلًا الشخص الذكي عاطفيًا، سيتفاعل مع ما تخبِره به زوجته، بهزّ رأسه أو التواصل بالعين، كما يستجيب بشكلٍ مناسب في أثناء المحادثات.
وعندما تشاركه زوجته مشكلة شخصية لديها، فإنّه يستمع باهتمام دون مقاطعة، ما يدلّ على اهتمامه الحقيقي، وهذا لا شكّ يعزّز الرابطة والثقة بينهما.
4. التحكّم في المشاعر
إذا كان الرجل قادرًا في معظم الوقت على التحكّم في عواطفه ودوافعه، فهو يتمتّع بدرجة ما من الذكاء العاطفي.
فمثلًا قد يشعر الرجل بغضب يتزايد في داخله خلال مناقشة حادة، ولكنّه يختار أن يأخذ أنفاسًا عميقة ويستجيب بهدوء، وهذا التحكّم في المشاعر، يساعده على تجنّب تفاقُم الخلافات.
اقرأ أيضًا: حين يتآكل القلب بصمت: لماذا ينهك الإرهاق العاطفي الأزواج؟
وقد أشار بحث عام 2022 في مجلة "Family Process" إلى أنّ استراتيجيات التنظيم الذاتي التكيفي (القدرة على التحكّم في الانفعالات) تؤثّر إيجابيًا في جودة العلاقة بين الزوجين، كما أظهرت أيضًا أنّ التنظيم الذاتي بدلًا من تنظيم الشريك (محاولة التحكّم في سلوكه أو تغييره)، يرتبط بقوة أكبر بجودة علاقة أعلى.
5. التواضع
يتضمّن التواضع الاعتراف بحدود الفرد وتقدير تعاون الآخرين. فمثلًا، يعترف الرجل الذكي عاطفيًا بجهود زوجته عند نجاحهما في إتمام مهمة ما معًا، بدلاً من أن ينسب كل الفضل إلى نفسه.
وهذا التواضع بحد ذاته يوفّر بيئة تعاونية ومحترمة، وهو من سمات الذكاء العاطفي العالي، لأنّه يُعبِّر عن رؤية متّزنة للذات وكذلك تقدير الآخرين.
6. المرونة
تسمح المرونة للرجل بالتعافي من النكسات، فمثلًا بعد مواجهة خسارة كبيرة في حياته، يسعى الرجل المرن للحصول على الدعم وإعادة بناء حياته تدريجيًا بدلًا من ترْك كل شيء يتهاوى أو السعي في إلقاء اللوم على الزوجة وما إلى ذلك. وهذه السمة تساعده على التغلب على الصعوبات والخروج منها أقوى، كما أنّها تعكس قدرته على التعامل مع الشدائد بقوة ومرونة.
كيف يكتسب الرجل الذكاء العاطفي؟
يمكن تعلّم الذكاء العاطفي أو زيادته عند الرجل ببعض الأمور، ومنها، وفقًا لموقع "Marriage":
1. مُراجعة النفْس
جرّب أن تفحص أفكارك ومشاعرك وسلوكياتك، كي تفهم نفسك بشكلٍ أفضل. فمثلًا بعد جدالٍ حاد، خُذ بعض الوقت للتفكير في سبب رد فعلك بهذه الطريقة وما هي المشاعر التي هيمنت عليك خلال ردود أفعالك، فهذا سيساعدك على فهم مشاعرك جيدًا وما يحفّز تلك المشاعر.
اقرأ أيضًا: لعلاقة مليئة بالحب.. كيف تلبي الاحتياجات العاطفية لزوجتك؟
ويمكنك تخصيص 10 دقائق كل يوم مثلًا لتدوين يومياتك. اكتب عن يومك مع التركيز على اللحظات التي ثارت فيها مشاعر قوية، وفكّر في سبب هذه المشاعر، وكيف تدِير مواقف مماثلة مستقبلًا.
2. صقْل مهارات الاستماع النشط
درّب نفسك في أثناء المحادثات على التواصل البصري، والإيماء بالرأس لإظهار أنّك تستمع، وتلخيص ما قاله الشخص الآخر قبل الرد، فهذا يعطِي انطباعًا بمدى اهتمامك، بما يحسّن الثقة والتواصل، وتجنّب تمامًا مقاطعة حديث الآخر.
3. تمارين التعاطف
عندما تكون زوجتك منزعجة، حاول أن تضع نفسك في مكانها وأن تشعر بما تمرّ به، فهذا يساعد على تعميق التواصل والاستجابة بتعاطُف أكبر.
ويمكنك التدرّب على التعاطف من خلال المشاركة في أنشطة تبني التعاطف، مثل العمل التطوعي أو قراءة الأدب الذي يقدّم وجهات نظر متنوعة، أو ببساطة أن تحاول أن تضع نفسك مكان الآخرين وتخيّل ما يمرون به، والاستجابة بتفهّم لمشاعرهم.
