الفوز بالحجة أم إنقاذ العلاقة.. كيف تدمر "التفاصيل" تواصلنا مع من نحب؟
إذا كان عليك الاختيار بين الفوز بالحجة أو إنقاذ العلاقة، أيهما تختار؟ قد يبدو السؤال واضحًا حين تقرأه هكذا، لكن داخل الخلاف الفعلي يصعب التمييز، لأن الفوز يبدو وقتها وكأنه الطريقة الوحيدة للخروج.
تبدأ القصة عادةً بجملة واحدة تُلقى في الهواء وتُفسَّر بطريقة غير متوقعة، ويعترض أحدهما، فيصحح الآخر الصياغة.
وفجأة، لم يعد الحديث عن ما حدث، بل عن من قال ماذا بالضبط، وبأي نبرة، وفي أي لحظة؛ فالجرح الأصلي يختفي تحت طبقات من الأدلة والمرافعات، وفقًا لما نشرته منصة "سايكولوجي توداي".
الحقيقة أن ما يُسمى "مشكلة التواصل" بين الأزواج هو تعبير دقيق لكنه فارغ من الوصف الحقيقي؛ فهو يسمي المشكلة لكنه لا يرسم شكلها.
ماهية مشكلة التواصل بين الزوجين
الشريكان لا يقرران الدخول في محكمة، لكن شيئًا ما ينزلق إلى هناك بهدوء. يبدأ الأمر على هذا النحو: شيء يُقال بنبرة خاطئة. أحدهما يعترض، والآخر يتشبث بالثغرة التي يمكن نقضها، ليبقى السؤال معلقًا: أيّ الروايتين ستُكتب لها النجاة؟
ثم يأتي ما يُقال بعد ذلك ليوجع هو الآخر، فيُضاف إلى الملف: "قلت إنك ستعالج الأمر"، "قلت إنني سأحاول"، "لا، قلت إنك ستفعله"، "لم أقل ذلك. أنت سمعت ما أردت سماعه".
مساء بأكمله قد يختفي في الفرق بين "سأحاول" و"سأفعل"، وحين تصل الأمور إلى هذه النقطة، فإن تلك الجملة لم تعد وحدها؛ بل باتت معها التصحيح، والدفاع، والضرر الذي نشأ عنهما.
الذاكرة ليست تسجيلاً صوتيًا
ما لا يعرفه كثيرون أن الذاكرة لا تحفظ اللحظات كما حدثت فعلاً؛ إذ تؤكد دراسة أجريت عام 2013 ونشرت في مجلة (Nature Reviews Neuroscience) أن الاسترجاع ليس إعادة تشغيل، بل إعادة بناء.
وما يضيع في الغالب هو بالضبط ما يتجادل عليه الطرفان: الوقفة، النظرة، حدة الصوت، ويحمل كل منهما نسخته الصادقة من اللحظة نفسها، وكلتاهما ناقصتان.
وحين يبدأ كل طرف في رواية ما جرى، يكون قد تفاعل بالفعل؛ وينقسم الأمر بعدها إلى مسارين: ما حدث، ومن يُصدَّق.
يتكئ أحدهما للأمام ليشرح، فيتراجع الآخر ليدافع، ويشتد الصوت، ويصل السؤال محملاً بشحنة لا يستطيع أحد إثباتها.
المشكلة ليست في الحقائق، بل المشكلة أن الخلاف حلّ محل الاستجابة؛ فما كان يحتاج إجابة دُفن تحت محاولة تصحيح اللحظة بدقة.
وكلما أطال الشريكان الوقوف عند التفاصيل، صعب عليهما طرح السؤال الأعمق: هل ما أوجعني كان مهمًا لك؟
الفخ هنا: الملف يكبر والجرح لا يُجاب عنه، وما بقي معلقًا يتسرب إلى الرسالة التالية، والصمت التالي، وأول كلمة بعد عودة أحدهما إلى الغرفة؛ فالأمر لا يعلو صوتًا، بل يصبح أثقل.
آلية حل مشكلة التواصل
الإنصاف في التفكير يقود إلى حقيقة مزعجة: الفوز بالحجة لن يُصلح ما جرى بينهما؛ لقد جعلا الاتفاق شرطًا للتواصل.
لكن ثمة جملة واحدة قادرة على كسر هذا النمط: "هذا الجزء صحيح"، وهي لا تعني قبول الشكوى كاملة، بل تعني فقط أن طريقة الصياغة لا تمحو ما أشعل النار أصلاً.
أحيانًا يتوقف أحدهما ويقول: "نحن نفعلها مجددًا"، ليس "أنت تفعلها"، إذ إن ملاحظة النمط قبل أن يسيطر عليهما؛ لا يحل شيئًا، لكنه يمنع الخلاف من أن يسلك مساره المعتاد.
لم يعترف أحد.. لم يفز أحد.. الرواية لا تزال غير مكتملة، لكن الجملة التالية لا يجب أن تكون حكمًا.
