المشاعر قبل السلوك.. السر الخفي لاستقرار العلاقة الزوجية
أحيانًا يكون التركيز بين الأزواج على تغيير سلوكٍ مُعيّن يسبّب الخلافات، وكذلك في حالات العلاج الزوجي، يركّز المعالِج على تغيير السلوكات الضارّة بالعلاقة من خلال العلاج السلوكي.
ولكن في بعض الأحيان لا ينجح الأمر، وتستمرّ الخلافات كما هي، لوجود أمر ما أعمق من السلوك، فالسلوك هو انعكاس للمشاعر، ولذلك: هل تغيير المشاعر أولى من السلوك؟ وكيف يمكِن إصلاح العلاقة الزوجية استنادًا إلى ذلك؟
أسباب المشكلات الزوجية
لا تنهار العلاقة الزوجية من مشكلة أو اثنتين، بل من تراكُم المشكلات بمرور الوقت، خصوصًا مع عدم الوفاء بالوعود أو عدم تلبية أحد الزوجين لرغبات الآخر، وفيما يلي أهم أسباب المشكلات الزوجية:
- انهيار التواصل: يمكن أن يؤدي سوء الفهم والافتقار إلى الحوار المفتوح إلى خلق فجوة واضحة في التواصل بين الأزواج، ما يؤدي إلى بقاء الخلافات عالقة بلا حل.
- مشكلات الثقة: مثل الوعود الكاذبة، فقد تؤدي إلى ضعف الثقة بين الأزواج، ما يقلّل الإحساس بالأمان في العلاقة.
- الضغوط المالية: كذلك قد تؤدي الخلافات بشأن الإنفاق أو الادخار أو الأولويات المالية إلى توتر كبير في العلاقة، خصوصًا عندما يكون لدى الزوجين عادات أو أهداف مختلفة.
- مشكلات العلاقة الحميمة: فقد يسهِم الافتقار إلى الحميمية أو عدم توافق الرغبات الجنسية في عدم الرضا الزوجين.
- الضغوط الخارجية: مثل ضغوط العمل أو المشكلات العائلية؛ إذ قد تنتقل إلى العلاقة بين الزوجين، إذا لم يتم التعامل معها جيدًا.
- عدم التقدير: إنّ شعور أي من الزوجين بعدم التقدير يمكِن أن يؤدي إلى انهيار العلاقة الزوجية بمرور الوقت.
معالجة السلوك: هل يكفي لاستعادة صفْو العلاقة؟
إذا تفاقمت الخلافات الزوجية وسعى الزوجان إلى معالج سلوكي، فمن المتوقّع أن يخضعا لنوع من العلاج السلوكي، الذي يركّز على السلوكات التي يمكن ملاحظتها دون النظر إلى المشاعر الداخلية؛ إذ يركّز المعالجون السلوكيون على إعادة هيكلة أنماط التفاعل من خلال عوامل خارجية.
فيهدف العلاج السلوكي للأزواج إلى زيادة قيمة المكافأة للتفاعلات الإيجابية، بحيث يُكافأ الأزواج على التواصل الجيد والاستمرار في الانخراط في السلوكيات الإيجابية.
كما يشير المنظور السلوكي إلى أنّ السلوكات السلبية قد تكون موجودة لأنّها كُوفئت في الماضي، فمثلًا قد يكون التعبير عن الغضب في مرحلة الطفولة ساعد أحد الزوجين حينها على تلبية الاحتياجات.
لماذا يجب التعامل مع المشاعر عند الزوجين قبل تغيير السلوك؟
ثمّة خيار آخر لإصلاح العلاقة الزوجية من قِبل المختصين، وهو العلاج المرتكز على العواطف، والذي يساعد الأزواج على اكتشاف المشاعر الخفية والضعيفة التي تظلّ غير منطوقة بينما تستمرّ العلاقة السلبية فيما بينهم، مدفوعة باستجابات غريزية.
وتقترح تلك الطريقة العلاجية أنّ الأزواج يعرفون بالفعل مهارات التواصل الجيدة، ولكنّهم يخفقون في استخدامها تحت الضغط، ولكن عندما يبني الأزواج ارتباطًا آمنًا من خلال المحادثات الودّية، فإنّهم يُظهِرون تحسّنًا في التواصل بصفةٍ طبيعية، وفقًا لموقع "Psychology today".
فالعلاج المرتكز على العواطف أو المشاعر، يركّز على التواصل الفعال باعتباره مهارة فطرية تظهر عند تلبية حاجة الارتباط، فيشعر الأزواج بالأمان في علاقتهم.
هل تغيير المشاعر أولى من تغيير السلوك؟
وفقًا لمراجعة عام 2019 في مجلة "Journal of Evidence-based Social Work"، فإنّ العلاج المرتكز على العواطف تفوّق على الأساليب السلوكية (تغيير السلوك) للأزواج الذين يمرّون بضِيق متوسط في العلاقة.
كما أظهرت نتائج مراجعة أخرى عام 2019 في مجلة العلاج الزوجي والأُسري أنّ المعالجة بالطرق العاطفية والنفسية تميل إلى تحقيق تحسينات أكبر في الرضا عن العلاقة، مقارنةً بالمعالجة السلوكية للأزواج، خصوصًا في مرحلة ما بعد العلاج والمتابعة قصيرة المدى.
كيفية معالجة المشاعر لإصلاح العلاقة الزوجية
إذًا يبدأ إصلاح العلاقة الزوجية بالتعامل مع المشاعر قبل الانخراط في تغيير السلوك، وربّما كان منشأ العديد من الخلافات عدم قدرة أحد الزوجين أو كليهما على ضبط مشاعره، لذا فيما يلي بعض النصائح التي تحافظ على استقرار العلاقة بدءًا من معالجة المشاعر (ليست بديلًا عن استشارة المختص عند الحاجة إلى ذلك):
1. افهم مشاعرك بدقّة
بدايةٍ ينبغي أن تدرِك ما تشعر به على وجه التحديد، ويمكنك البدء بسؤال نفسك عمّا تشعر به في هذه اللحظة، واهتمّ بما يحفّز تلك المشاعر لديك أو يجعلها تختفي، لتجنّب ما يحفّز المشاعر السلبية، وللمساعدة على تعزيز المشاعر الإيجابية.
كما ينبغي أن تتقبّل مشاعرك دون أن تحكُم عليها في البداية، وهذا ينطبق على المشاعر السلبية أيضًا، ما يخلق مساحة لفهم تلك المشاعر قبل التصرّف باندفاع.
2. الاستجابة بتعاطف مع الشريك
بعد أن عرفت ما تشعر به على وجه التحديد، ينبغي أن تخلق مساحة عاطفية آمنة للشريك أيضًا، وذلك من خلال تجنّب إطلاق الأحكام ريثما ينتهي الشريك من التعبير عن مشاعره، مع إبداء التعاطف والإنصات إليه جيدًا وعدم مقاطعة حديثه.
وبدلًا من التفكير في أنّه "حسّاس للغاية" مثلًا، فإنّك تتعامل مع المشاعر على أنّها مرآة لما يشعر به الشريك في داخله، ومِنْ ثمّ يمكنك رؤية الأمور من نفس المنظور وإبداء والتعاطُف، وهذا بالتأكيد يساعد على تجنّب وقوع الخلافات أو تفاقمها.
ختامًا، قد لا يكفي تغيير السلوك وحده في إصلاح العلاقة الزوجية؛ خصوصًا إذا لم يكُن التغيير على مستوى أعمق وهو المشاعر وحاجة كل من الزوجين إلى الشعور بالأمان الحقيقي، كي يكون التواصل بينهما على وفاقٍ تام يخلو من الخلافات.
