كيف يختلف الحب بين الرجال والنساء؟ العلم يكشف الحقيقة
قبل أن تحكم على هذا الموضوع، فكّر في شخص قريب منك تزوّج منذ سنوات، هل لاحظتَ كيف تحدّث عن شريكته في الأشهر التي سبقت الزواج؟ وكيف أصبح حديثه بعد عام أو عامين؟
التغيّر الذي قد تظنّه مجرد انطباع شخصي، هو في الحقيقة ظاهرة موثّقة علميًا، رصدها باحثون قضوا أكثر من عام يتتبّعون مشاعر آلاف البشر كل نصف ساعة.
وقد نُشرت في مجلة "Psychological Science"، دراسة طولية غير تقليدية في منهجيتها، إذ لم تعتمد على استبيانات يملؤها المشاركون مرة واحدة، بل طلبت من 3,867 بالغًا أن يسجلوا مشاعرهم، بما فيها الحب، كل ثلاثين دقيقة عبر تطبيقات رقمية على هواتفهم المحمولة.
استمرّ ذلك لعشرة أيام متتالية، وتكرّر أربع مرات على مدار عام كامل، والنتيجة: صورة حيّة وغير مصطنعة لكيفية تذبذب الحب في قلوب الأشخاص، لا كما يتخيّلونه، بل كما يعيشونه لحظةً بلحظة.
قبل الزواج: المرأة تحبّ بضعف ما يحبّ الرجل
ما كشفته الدراسة في مرحلة الخطوبة قد يبدو مفاجئاً، فعند قضاء الوقت مع الشريك في مرحلة ما قبل الزواج، كانت المرأة أكثر من ضعفَي الرجل احتمالاً للإبلاغ عن شعور حقيقي بالحب في تلك اللحظة بالتحديد.
وهذا لا يعني أن الرجل لا يحبّ، بل يعني أن المرأة في هذه المرحلة تعيش الحبّ بحدّة أعلى وحضور عاطفي أكثر إلحاحًا، ربما لأن الخطوبة بالنسبة لها محطّة تأسيسية تستدعي استنفار كل الحواس العاطفية، أو ربما لأن آليات المعالجة الوجدانية لديها تعمل بطريقة مختلفة منذ البداية.
والحقيقة أن هذا التفاوت في شدّة الشعور لا يُترجَم بالضرورة إلى تفاوت في العمق أو الجدية، لكنه يُخبرنا شيئًا مهمًا: الحبّ ليس تجربة موحّدة يشاركها الجنسان بالتساوي في كل مرحلة.
بعد الزواج: تراجع حادّ وتقاربٌ غير متوقع
الفصل الثاني من القصة يقلب المشهد، ففي السنتين الأوليين من الزواج، رصدت الدراسة انخفاضًا حادًا في مشاعر الحب لدى المرأة تجاه شريكها، في حين ظلّ الرجل يُفيد بانخفاض طفيف نسبيًا لا يُقارَن بما مرّت به المرأة، والنتيجة؟ تتقارب المستويات في هذه المرحلة لتصبح متشابهة بين الجنسين.
هذا لا يعني أن المرأة تكفّ عن الحبّ، بل ربما يعني أن مرحلة الخطوبة كانت ذروة عاطفية استثنائية، لا يمكن الحفاظ عليها بالمستوى ذاته بعد أن يتحوّل الحبّ إلى حياة يومية مشتركة، وخلافاتها وتفاصيلها الرتيبة.
ما يلفت النظر أن الرجل يبدو في هذه المعادلة أكثر ثباتًا عاطفيًا عبر الوقت، لا بمعنى أنه يحبّ أكثر، بل بمعنى أن قوة حبّه تتذبذب بوتيرة أهدأ وأقل دراماتيكية.
حين تكون العلاقة الرومانسية هي الملاذ الوحيد
لفهم هذه الفجوة، يجب أن ننظر إلى ما هو أبعد من الأرقام، وأبحاث متعددة في علم النفس الاجتماعي تُشير إلى أن الرجال، في المتوسط، يمتلكون شبكات دعم عاطفي واجتماعي أضعف خارج نطاق العلاقة الرومانسية، ومعظم الرجال لا يجدون في صداقاتهم الدعم ذاته الذي تجده المرأة في علاقاتها مع صديقاتها: الحميمية، والبوح، والدعم المتبادل.
هذا يجعل الزوجة بالنسبة للرجل ليست شريكة فحسب، بل هي في أغلب الأحيان المصدر شبه الوحيد للدعم العاطفي العميق.
ومن هنا يُفسَّر لماذا يبذل الرجال جهدًا أكبر في الحفاظ على علاقاتهم، ويستفيدون منها صحيًا ونفسيًا بشكل أوضح، ويبادرون بطلب الانفصال بنسبة أقل مقارنةً بالنساء.
ما الذي يعنيه هذا في الحياة الحقيقية؟
ما تقوله هذه الدراسة ليس أن أحد الجنسين يحبّ أكثر من الآخر، بل إن الحبّ يُعاش بأنماط مختلفة، وفي أوقات مختلفة، ولأسباب تعكس تجارب الحياة وموارد الدعم المتاحة لكل شخص.
ولعلّ أهم ما يمكن استخلاصه هو أن الانتظار بأن يحبّ الشريك بالطريقة نفسها وبالحدة ذاتها وفي التوقيت عينه، قد يكون مصدرًا خفيًا لكثير من خيبات الأمل في العلاقات، فالحبّ بطبيعته غير متماثل، وغير ثابت، ومتغيّر بتغيّر المراحل.
وربما الأجدى من مقارنة مَن يحبّ أكثر، هو فهم كيف يحبّ كلٌّ منكما الآخر، وأين يحتاج أن يُرى ويُسمع بطريقة مختلفة عمّا اعتدتَ أن تُقدّمه.
