مفارقة الارتباط والانفصال: لماذا تطلب المرأة الطلاق بعد أن كانت الأكثر سعيًا للزواج؟
رغم أننا نعرف أن المرأة غالبًا هي من تسعى بقوة نحو الالتزام والزواج، إلا أن الحقيقة المذهلة تقول إنها أيضًا في معظم الأحيان من تُقدم على طلب الطلاق.
هذه المفارقة ليست نزوة ولا تقلبًا، بل هي نهاية منطقية لرحلة مضنية تبدأ بالصمت وتنتهي بالانفجار.
المؤلفة كوليت فير، في كتابها "ثمن الصمت"، ترى أن ما يبدو تناقضًا سلوكيًا هو في الواقع تراكم حتمي لسنوات من العطاء دون مقابل، والتكيف دون تقدير، والحب دون أن تُعرف المرأة حقًا كإنسان لا مجرد دور وظيفي داخل المنزل، وذلك وفقًا لما نشر في موقع "سيكولوجي توداي".
لماذا تطلب المرأة الطلاق؟
كثير من النساء يقعن في فخ نفسي موثق علميًا يُعرف بـ"إسقاط الإثارة على المشاعر"، حين يُخطئن في تفسير القلق والتوتر الذي يثيره رجل ما باعتباره جاذبية ومشاعر حقيقية.
وقد تكشف الثقة التي تبدو حماية في العشرينات عن برود عاطفي كامل في الثلاثينات، وبحلول ذلك الوقت تكون المرأة قد بنت حياتها بأكملها حول علاقة تشعر فيها بأنها وحيدة وسط الحشد.
فير تصف تجربتها الشخصية بصراحة نادرة: كانت تجد الرجل ذاته في كل مرة، لكن في هيئة مختلفة.
رجال يحملون نرجسية مخفية وغيابًا عاطفيًا مُقنّعًا بالكاريزما؛ فالخروج من هذا النمط لم يكن بالبحث عن إثارة أكبر، بل باختيار من يتسم بالثبات والصدق، والبدء بامتلاك صوتها منذ اللحظة الأولى.
دور الرجل غير المتواجد في العلاقة
يُناط بالمرأة تقليديًا دور "مدير العلاقة": المسؤولة عن التناغم، والحاملة للعبء العاطفي للأسرة، والمُعبئة للفراغات التي يتركها الجميع، وفي المقابل، يُسمح للرجل أن يكون طرفًا في العلاقة دون أن يذوب فيها.
لكن الذات لا تُقمع إلى الأبد؛ فما تكشفه جلسات العلاج الزوجي مرارًا هو صورة واحدة متكررة: امرأة أمضت سنوات وهي تصغر بداخلها، تتكيف وتتراجع وتُسهّل، حتى تستيقظ يومًا ولا تجد لنفسها أثرًا.
كما تقول فير بدقة: "كثير من النساء يشعرن بأن الطريقة الوحيدة لاستعادة ذواتهن هي تفجير كل شيء والمغادرة".
المخرج الحقيقي ليس الهروب، بل الحضور الكامل: الحفاظ على حياة خاصة خارج إطار العلاقة، وامتلاك صوت واضح داخلها.
حين يتحقق التوازن بين الشريكين، يكون هناك احتكاك طبيعي وخلاف صحي، وهذا ليس تهديداً للعلاقة، بل هو ما يجعلها حية.
طريقة تعامل الرجل مع الخلافات
الخلاف لا يُدمّر العلاقات. ما يُدمّرها هو الهروب منه. حين تحاول المرأة أخيرًا أن تتكلم، وتُقابَل بما تصفه فير بـ"الـD الثلاثة و الـF": الدفاعية، والتباعد، والتهوين، والإصلاح السطحي السريع، فإنها تتعلم أن الكلام لا يُجدي؛ لذا فالصمت الذي يعقب ذلك لا يعني القبول، بل يعني أنها بدأت بهدوء في رسم خريطة الخروج.
متلازمة "الفتاة الجيدة"
فير تُسمي هذا التكييف الثقافي "داء الفتاة الجيدة": الاعتقاد الراسخ بأن المرأة الصالحة تضع الجميع قبلها، وتقول نعم حين تعني لا، وتحمل الأثقال دون شكوى.
أما السلوك الفعلي الناجم عن ذلك فهو ما يمكن تسميته "امتصاص الصدمات": تتقبل تصرفاته غير اللائقة، تبرر غيابه أمام الأطفال، وتُلمّع صورته حين تنكسر.
هذا ليس ضعفًا، بل نتيجة حتمية لتربية تُعلّم المرأة أن قيمتها في إسعاد الآخرين.
المرأة التي أرادت عقد الزواج، والمرأة التي تطلب وثيقة الطلاق، هي في الغالب الشخص ذاته في مرحلتين مختلفتين من إدراك واحد: أنها تستحق أن تُعرف.
الشريك المثالي ليس فقط من يقف في وجه المخاطر. بل من يريد معرفتك لا مجرد الإبقاء عليك. وهذه العلاقة لا تصبح ممكنة إلا حين تتوقف المرأة عن جعل نفسها سهلة التجاهل.
