متلازمة هجر الشريك: عندما يقرر أحد الزوجين التخلي عن كل شيء
تمرّ العلاقات الزوجية بمحطّات من الفرح والانسجام، وأخرى من الثقل والتحدّي، يتشارَك فيها الزوجان الضحك في الأيام المضيئة، ويتكاتفان لمواجهة الصعوبات في الأيام العصيبة. لكن في بعض الحالات، قد يُفاجئ أحد الطرفين الآخر بقرار الانسحاب من الزواج بلا تمهيد أو إنذار، ما يترك الشريك المهجور في حالة صدمة وارتباك عميقين.
غير أنّ أثر هذا الهجر لا يقتصر على الطرف الآخر فحسب، بل يمتدّ ليكون أكثر تعقيدًا ووجعًا، خصوصًا في حال وجود أطفال. ورغم ما يبدو عليه القرار من مفاجأة، فإنّ جذوره غالبًا ما تكون كامنة منذ فترة، ولم ينتبه إليها الشريك المتروك، مثل تصاعد حدّة الانتقادات أو تحميله المسؤولية الدائمة عن كل خلاف.
هذه الظاهرة ليست نادرة كما قد يُظن، بل تُعرَف بما يُسمّى "متلازمة هجر الشريك". فما أسبابها الحقيقية؟ وكيف يمكن حماية العلاقة الزوجية والحفاظ على استقرارها لأطول فترة ممكنة؟
ما هي متلازمة هجر الشريك؟
تحدث متلازمة هجر الشريك "Spousal abandonment syndrome" عندما عندما يغادِر أحد الزوجين الزواج فجأة، بدون نقاش أو سابق إنذار، مما يترك الطرف الآخر في حالة من الصدمة والذهول.
فمثلا قد يتضمّن ذلك أن يترك الرجل عائلته فجأة ليبدأ حياة جديدة، أو مغادرة الزوجة بدون معالَجة المشكلات الزوجية العالقة مع زوجها.
وتُشير المعالجة النفسية فيكي ستارك في كتابها «الأزواج الهاربون» إلى أنّ هذا السلوك غالبًا ما يأتي على هيئة انسحاب مفاجئ وغير مُبرَّر، ما يترك الشريك المهجور وحيدًا في مواجهة الارتباك، والشكّ بالذات، ومشاعر الحزن العميقة.
أسباب هجر أحد الزوجين للآخر فجأة
غالبًا ما ينبع التخلّي المفاجئ لأحد الزوجين عن الآخر من عوامل عاطفية أو علائقية أو ظرفية مُعقّدة، وفيما يلي بعض الأسباب التي تُوضِّح حقيقة هذا الهجر المفاجئ:
- الانفصال العاطفي: بمرور الوقت، قد تزداد الفجوة العاطفية بين الزوجين، خاصةً إذا كانت هناك خلافات عالقة بدون حلّ، أو ضعف التواصل بينهما، أو اختلاف الأولويات بين كل منهما.
- التوقّعات غير الواقعية: قد يدخل الأزواج الزواج بتوقّعات لم يجد لها حقيقة على أرض الواقع، ومِنْ ثمّ قد تزداد مشاعر السخط والإحباط بمرور الوقت، بما قد يدفع أحد الزوجين إلى المغادرة.
- الضغوط المالية: يمكن أن تسبّب المشكلات المالية أو الديون أو اختلاف القِيم المالية ضغوطًا زوجية كبيرة، مما قد يؤدي إلى ابتعاد أحد الزوجين.
- أزمة منتصف العُمر: كما قد يأتي قرار الانسحاب المفاجئ من العلاقة نتيجة المرور بأزمة منتصف العمر، بحيث يسعى بعض الأشخاص إلى البحث عن هوية جديدة يظنّون أنّها قادرة على تعويض ما يفتقدونه أو يهربون إليها.
- الخوف من المواجهة: قد لا يقدر بعض الأشخاص على مواجهة المشكلات مباشرةً، ويختارون بدلاً من ذلك المغادرة بدون معالَجة المشكلات.
- الرغبة في الحُرية: قد يشعر أحد الزوجين بأنّه محبوس في العلاقة أو يرغب في الاستقلال، ولا يرى وسيلة سوى هجر الزواج كليًا، لأنّ ذلك هو طريق الهروب من القيود التي يظنّها.
علامات تدلّ على أنّ الشريك قد يتخلّى عن الزواج
صحيح أنّ الهجر قد يكون مفاجئًا، ولكن قد تكون هناك علامات تدلّ على أنّ الشريك يبتعد من الزواج، مثل:
- الانسحاب العاطفي: فقد يتجنّب المحادثات الهادفة أو المودّة الجسدية أو الأنشطة المشتركة، مما يجعل الفجوة العاطفية بين الزوجين أعمق.
- تجنّب الخلافات: فبدلا من معالجة المشكلات العالقة، يُفضِّل قمعها أو تجاهلها، مما يخلق جوًا وهميًا من السلام، بينما يتراكَم الاستياء بين الزوجين.
- سريّة السلوك: قد يقوم الشريك بإخفاء المعاملات المالية أو الصداقات الجديدة، أو يُحدِث تغييرًا لم يكُن معتادًا، مما يدلّ على تغيّر الأولويات.
- تحويل اللوم: كثيرًا ما يتّهم الشريك الذي ينوي التخلّي عن العلاقة شريكه بأنّه السبب الجذري للمشكلات، ويرفض تحمّل المسؤولية عن أفعاله.
- تجنّب مناقشات الالتزام: مثل الخطط المستقبلية أو المسؤوليات المشتركة أو الأهداف طويلة الأجل، مما يشير إلى عدم الاهتمام باستمرارية العلاقة.
- الغياب الجسدي: بمعنى قضاء ساعات طويلة بشكل متزايد -لم يكُن كذلك من قبل- بعيدًا من المنزل تحت ستار العمل أو المهمات الشخصية.
- زيادة مفاجئة في الانتقادات: بل قد تكون الأمور التافهة أو البسيطة وسيلة لتبرير عدم الرضا.
اقرأ أيضًا: لماذا يحدث الانفصال بعد الخمسين؟ كيف تتجنب "الطلاق الرمادي" وتحافظ على دفء العلاقة؟
مخاطر الهجر المفاجئ على الشريك المهجور
للتخلّي المفاجئ عن الزواج آثار بعيدة المدى تتجاوز الصدمة المباشرة الناجمة عن هذا التصرّف، إذ يعطِّل كل جوانب حياة الشريك المهجور، كما يترك ندوبًا عاطفية وربّما أعباء مالية وتحدّيات طويلة الأمد للأطفال.
وفيما يلي أبرز عواقب الهجر المفاجئ لأحد الشريكين للزواج:
1. الانهيار النفسي الشامل
الفقدان المفاجئ للشريك مُؤلِم جدًا بلا شك، وغالبًا ما تهيمن مشاعر الرفض والخيانة على مشاعر الشريك المهجور، ومِنْ ثمّ فقد يشكّ في ذاته ويفقد الشعور بالأمان.
كما يعاني الكثيرون حزنًا شديدًا يشبِه الحُزن على وفاة شخص عزيز، بالإضافة إلى أسئلة لم تتم الإجابة عليها، مثل "لماذا حدث هذا؟"، وذلك قد يؤدي إلى مشكلات نفسية، مثل:
- الاكتئاب.
- القلق.
- اضطراب ما بعد الصدمة.
وحسب بحثٍ نُشِر في مجلة "Journal of Divorce & Remarriage" عام 2015، فإنّ الأفراد الذين يعانُون انفكاكًا غير متوقّع للعلاقة، غالبًا ما تظهر عليهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة.
2. العزلة الاجتماعية
يمكن أن تؤدِّي وصمة العار المحيطة بالتخلّي عن الشريك إلى الانسحاب الاجتماعي، إذ يشعر العديد من الأزواج المهجورين بالحرج أو الخوف من حُكم الآخرين عليهم، مما يجعلهم يبتعدون من الأصدقاء أو العائلة أو حتى المُجتمع.
وبينما يحاول الشريك المهجور مكافحة ما حدث، فإنّ الدوائر الاجتماعية التي يمكن أن تقدّم له الدعم تتضاءل من حوله، مما يزيد شعوره بالعزلة والوحدة.
3. تأثُّر الأطفال
لا يقتصر تأثير هجر أحد الشريكين للزواج على الشريك الآخر فحسب، بل قد يكون للأطفال نصِيب كبير من الأثر. فقد يشعر الأطفال بالذنب، مُعتقدِين أنّهم تسبّبوا بطريقة ما في الانفصال، ويُمكِن أن يبرز عدم الاستقرار العاطفي لديهم في الغضب، أو الحُزن، أو صعوبة التركيز في المدرسة.
وعلى المدى الطويل، قد يُصاب الأطفال بمشكلات الثقة أو الخوف من الالتزام في علاقاتهم الخاصّة، نتيجة الندوب العاطفية التي خلّفها رحيل أحد الوالدَين.
4. صعوبة تجاوز المحنة
يستغرق بناء الحياة بعد الهجران وقتًا طويلا، وقد تبدو الثقة بشخصٍ جديد بعدما حدث أمرًا مستحيلًا، إذ لا يزال إحساس الخوف من التعرض للأذى مرة أخرى قائمًا، وكلّ ذلك قد يؤخّر تجاوز المحنة، وربّما تمضي سنوات من التردد في بناء علاقة جديدة أو حتى النموّ الشخصي.
اقرأ أيضًا: كيف يمكن للرجل الاستشفاء من الطلاق وبدء حياة جديدة؟
5. مشكلات الصحة الجسدية
إنّ الضغط النفسي الناجم عن الهجر المفاجئ لا يضرّ الصحة النفسية فحسب، بل يمكن أن يؤثّر أيضًا في الصحة البدنية أيضًا، إذ أفاد العديد من الأزواج المهجورين معاناتهم من مشكلات، مثل الأرق، تقلبات الوزن، الصداع، ضعف المناعة، بسبب التوتر والقلق لفترةٍ طويلة.
كيف تحافظ على استقرار العلاقة لأبعد مدى ممكن؟
أحيانًا لا يمكن تفادي الانفصال، خاصةً مع الرغبة المتزايدة لدى أحد الزوجين في ترك الزواج بالكُلّية، ولكن ما لم تكُن الأمور على المحكّ، ولا يزال من الممكن الحفاظ على العلاقة، فهذه بعض النصائح التي تساعدك على ذلك:
1. تحسين التواصل
التواصل القوي بين الزوجين مؤشر عن الرضا عن العلاقة، كما أنّ طريقة تواصل الأزواج مع بعضهم يمكن أن تؤثّر مباشرة في مدى سعادتهم في المستقبل، أمّا ترك الأمور لسوء الفهم، فقد يتحوّل إلى مشاعر استياء، تجعل العلاقة تتآكل من الداخل تدرجيًا.
2. حلّ الخلافات بسرُعة واحترام
يختلف كل زوجين من وقتٍ لآخر، ولكن ما يهم هو كيفية التعامل مع الأمر، فإنّ ترك الخلافات بدون حلّ لن يحسّن العلاقة، ولذلك بدلا من تسجيل نقاط على حساب الشريك أو توجيه أصابع الاتهام إليه عندما تتصاعد الأمور، حاول حلّ الخلافات بصدقٍ وتعاطُف.
3. الحفاظ على العلاقة الحميمة
عندما يتنافس الأطفال والعمل باستمرار على جذب انتباهك، فمن السهل أن تُهمِّش العلاقة الحميمة. ومع ذلك، فإنّ القُرب، سواء العاطفي أو الجسدي، هو أحد أقوى المؤشرات على الرضا على المدى الطويل في العلاقة، لذلك حاول أن تجعل العلاقة الحميمة على رأس أولوياتك.
4. تقاسُم المسؤوليات والأهداف
يزدهر الزواج بشكلٍ أفضل عندما يشعر كلا الزوجين وكأنّهما زميلان في فريق، يعملان لتحقيق نفس الرؤية، ولا يعني تقاسُم المسؤوليات العائلية تقسيم كل شيءٍ بالنصف، بل بإيجاد التوازن العادِل لكل منكما، فلا يشعر أحد الزوجين بأنّ كل شيءٍ على عاتقه.
5. المُتعة والمرح
تشير الأبحاث إلى أنّ الأزواج الذين يُخصِّصون وقتًا للضحك واللعب، قد تتعمّق الرابطة العاطفية بينهما وتكون أقوى على المدى الطويل، مما يزيد مرونة كل منهما عند التعرض للضغوط.
اقرأ أيضًا: بداية الحياة الزوجية.. أسرار رحلة زواج لا تنتهي بالطلاق
ولا يشترط أن تكون المتعة مكلفة أو فاخرة، فالأمر قد يكون بسيطًا، مثل تناول الآيس كريم معًا، أو الرقص أثناء تحضير العشاء. فهذه اللحظات المرحة تذكّر دائمًا أنّ العلاقة الزوجية ليست مصدرًا للمسؤوليات فقط، بل هي أيضًا فضاء للفرح والمتعة المشتركة.
