حب أم اعتماد عاطفي؟ كيف تميّز بينهما داخل العلاقة الزوجية
من أمارات السعادة أن يرغب الأزواج في قضاء أطول وقت ممكن معًا، ومن الطبيعي ألّا يرغب أي منهما في العيش من دون الطرف الآخر، وربّما كنت تلك أوضح دلائل الحبّ بينهما.
ولكن أحيانًا يكون الخوف من العيش في غياب الشريك دليلًا على الاعتماد العاطفي وليس الحبّ؛ إذ لا يرى المرء لنفسه قِيمة حقيقية إلّا بأن يخبِره أو يُشعِره الشريك بأنّه مقبول بالفعل، ولذلك فإنّ الاعتماد العاطفي قد يختبئ وراء الحب، وربّما تتآكل العلاقة الزوجية من داخلها تدريجيًا. فكيف يمكن تمييز الاحتياج مقابل الاعتماد العاطفي؟ وكيف تتحول من الاعتماد إلى الاستقلال العاطفي؟
ما هو الاعتماد العاطفي وفِيم يختلف عن الحب المتبادل؟
الاعتماد العاطفي هو عدم قدرة الفرد على تحمّل المسؤولية عن مشاعره، وقد لا يتمكّن من التعامل مع احتياجاته العاطفية بمفرده، ومِنْ ثمّ يحتاج إلى شخص ما ليوفّر له الشعور بالاستحقاق أو ليدِير مشاعره بدلًا منه.
ثمّة خيط رفيع يفصل بين الحب والاعتماد أو التبعية العاطفية، فالحبّ هو ارتباط عاطفي بين زوجين، والارتباط العاطفي لا يعني أنّك تعتمد على الطرف الآخر للشعور بأنّك مقبول.
ويُعدّ الاعتماد العاطفي شكلًا غير صحي من أشكال الارتباط لغياب الإحساس بالذات أو الاستقلال؛ إذ يميل المرء حينها إلى فعل أي شيء للبقاء في العلاقة، حتى لو لم يكُن سعيدًا، لأنّه يخشى أن يكون وحيدًا.
علامات الاعتماد غير الصحي
ثمّة دلائل واضحة تبيّن أنّ هناك اعتمادًا عاطفيًا غير صحي في العلاقة، ومن أمثلة ذلك:
1. إضفاء المثالية على العلاقة
عندما تعتمد عاطفيًا بدرجة كبيرة على شريكة حياتك، فإنّ الإحساس بالحاجة إلى القبول من خلالها يكون مهيمنًا عليك، فأنت لا تريد أن تفقد العلاقة مهما حدث.
لذا قد تبدأ في إضفاء المثالية على علاقتك على ما ليست عليه، بل إقناع نفسك ومن حولك بأسباب كون تلك العلاقة مثالية بالنسبة لك.
2. لا ترى لنفسك وجودًا من دون الشريك
قد لا يمكنك التفكير في وجودك من دون الشريك، بل ولا حياتك من دونه. بالأحرى قد تشعر أنّك لن تتمكّن من البقاء على قيد الحياة من دون الشريك، وهذا بذاته دليل على أنّ العلاقة غير صحية وأنّ الاعتماد العاطفي ليس مثاليًا.
3. مشاعر الغيرة والتملّك
الغيرة طبيعية بين الأزواج، ولكن في حالة الاعتماد العاطفي، فإنّ الغيرة ناشئة عن الخوف من أن يتركك الشريك من أجل شخص أفضل، أو أنّك لا تريد أن يلفت الشخص الآخر انتباهه، فهذه المشاعر ليست من سمات العلاقات الصحية.
ما الفرق بين الاحتياج الصحي والاعتماد العاطفي؟
أحيانًا لا يستطيع المرء التمييز بين الحبّ الحقيقي والاعتماد العاطفي، لذلك فيما يلي بعض الأمور التي تزِيل اللبس عن المفهومَين، وتوضّح الاحتياج مقابل الاعتماد العاطفي، وفقًا لموقع "Marriage":
1. السعادة بقضاء وقت معًا
عندما تحبّ شخصًا ما، ولا تكون مُعتمدًا عليه عاطفيًا، فإنّك تشعر بالسعادة لقضاء الوقت معه، وهذا يعني أنّك تتطّلع إلى أن تكون بصُحبته وبالقرب منه.
أمّا في حالة الاعتماد العاطفي، فقد لا تحبّ صحبته إلّا عندما تحتاج إليه للتعامل مع مشاعرك.
يقول "جرادي شومواي" مستشار الصحة النفسية المُرخّص: "عندما تقع في الحب بصدق، تجد الفرح والوفاء في قضاء الوقت مع شريك حياتك، وتقدير شراكته بما يتجاوز الحاجة العاطفية. على النقيض من ذلك، فإنّ الاعتماد العاطفي يمكن أن يجعل التفاعلات تبدو مرهقة أو أقل متعة عندما لا تسعى للحصول على الدعم العاطفي".
2. العيش طبيعيًا في غياب الشريك
ثمّة أمر آخر يميّز الاحتياج الحقيقي من الاعتماد العاطفي، وهو أنّك تكون سعيدًا بالبقاء دون الشريك، فأنت تستمتع أيضًا بصُحبتك الخاصة ولديك حياتك الخاصة، فلست مُعتمِدًا بالكُلّية على الشريك لدرجة أنّه يمكنك العيش طبيعيًا في غيابه.
3. أنت تُحبّ حياتك
لا يعني أن تحبّ حياتك أن تكون مثالية، ولكن يعني أنّك تستكشف وتجرّب أشياء جديدة، وأنّك منفتح على تجارب جديدة.
فعندما يأسِر الحبّ العقل، يكون العقل أكثر انفتاحًا، أمّا في حالة الاعتماد العاطفي فقط على شخص ما، فقد تقيّد نفسك إلى الحد الذي تجعل فيه حياتك كلّها تدور حول هذا الشخص.
4. لا تسعى لانتزاع القبول منه
عندما تقع في الحب، فأنت تريد من زوجتك أن تدعمك، حتى عندما تكون واثقًا من شيء ولكنّها تختلف معك، فإنّ ثقتك في المضي قدمًا لا تتزعزع.
أمّا في حالة الاعتماد العاطفي عليها، فإنّك تسعى إلى التحقّق من موافقتها إلى الحد الذي يصبِح فيه الأمر غير صحي.
فإذا اختلفت معك أو لم تدعم فكرتك أو رأيك بالفعل، فقد تعتقد أنّك ستخسرها وتُفضِّل أن تفعل الأشياء وفقًا لرغبتها، كي تحصل على قبولك لذاتك منها.
يقول "جرادي شومواي": "في علاقة الحب، تُقدِّر دعم شريكك ولكنك تحافظ على ثقتك في قراراتك الخاصة، حتى لو كان الشريك لا يتفق معك.
ومع ذلك، فإنّ الاعتماد العاطفي يمكن أن يؤدي إلى الاعتماد المفرط على موافقة شريكك، لأنّ الافتقار إلى الدعم قد يسبّب قلقًا غير مبرّر ويؤثّر في اختياراتك بشكلٍ غير صحي".
5. عدم الإحساس بالضغط
عند تلبية الاحتياج الحقيقي للحب، فإنّك لا تشعر بالضغط لفعل شيء ما أو قول نعم لشيء ما عندما لا تريد ذلك، فأنت لست خائفًا من رد فعل شريكتك، أو أنّها ستتركك إذا تجرّأت على الاختلاف معها.
ومع ذلك، في حالة الاعتماد العاطفي، قد تشعر بالضغط لقول نعم لكل ما تقوله شريكتك لأنّك تخشى إذا قلت لا، أن تتركك وحدك، وهذا شيء لا يمكنك التعامل معه.
6. السَكينة عنوان العلاقة
ما هو شعورك في علاقتك بزوجتك؟ هل تشعر بالأمان والسعادة أم أنّ القلق والخوف يكادان يلتهمانك؟ إنّ ما تشعر به في علاقتك يمكِن أن يخبِرك ما إذا كُنت تلبّي احتياجك الحقيقي من الحب أم أنّك مُعتمِد عاطفيًا على زوجتك؟
فإذا كُنت تشعر بالخوف والقلق وعدم كونك على طبيعتك الحقيقية أمام زوجتك، فمن المرجّح أن يكون ذلك بسبب الاعتماد العاطفي.
كيف تتحول من الاعتماد إلى الاستقلال العاطفي؟
الأمر ليس مستحيلًا، بل من الممكن التمتّع بحب حقيقي متبادَل بعيدًا عن الاعتماد العاطفي الذي يكاد يستنزف روحك ومشاعرك، وفيما يلي بعض النصائح للاستقلال العاطفي والعلاقة الزوجية المتوازنة:
1. اعرف نفسك
اسأل نفسك لماذا تسعى للحصول على القبول من غيرك، ولماذا أنت خائف جدًا من البقاء بمفردك؟ هل يذكّرك هذا بشيء من طفولتك؟
إنّ طرح هذه الأسئلة والإجابة عنها يمكِن أن يساعدك على الوصول إلى جذور مشكلة الاعتماد العاطفي، للتعامل معها بالطريقة المناسبة.
2. اصنع سعادتك بنفسك
يمكنك البدء بفعل أشياء خارج العلاقة الزوجية، ولا تطلب الإذن من زوجتك، فليس من المهم ما إذا وافقت على ما تفعله أم لا، ولكن المهم في تلك اللحظة إضافة أنشطة إلى حياتك تجعلك تشعر بالسعادة وتعزّز رفاهيتك.
وليس من الضروري أن يكون ذلك شيئًا كبيرًا، بل يمكنك البدء بأمر بسيط، مثل نزهة صغيرة إلى الخارج كل يوم، عن رغبةٍ منك، لا سعيًا للحصول على القبول من الشريك.
3. خصّص وقتًا لك
يواجِه الأشخاص الذين لديهم اعتماد عاطفي صعوبة في البقاء بمفردهم، لذا حاول أن تُخصّص بعض الوقت بمفردك كل يوم، ولا يلزم أن تفعل أمرًا ما، بل فقط بعض الوقت لك.
وإذا بدأت تشعر بالخوف، أصغِ إلى تنفّسك لمحاولة الاسترخاء أو أبطئه بالتنفس العميق، فالهدف هو إدراك أنّ البقاء وحيدًا ليس نهاية العالم.
4. الحديث الذاتي الإيجابي
عزّز الحوار الذاتي الإيجابي من خلال أن تقول لنفسك بعض الأمور، مثل "أنا أستحق الحبّ" أو "أنا قوي وقادر على القيام بشؤوني"، فهذه الرسائل الذاتية مفيدة في مساعدتك على الانتقال من الاعتماد إلى الاستقلال العاطفي.
5. اطلب مساعدة مُختصّ
ربّما لا تتمكّن من الاستقلال العاطفي بالنصائح السابقة، وفي تلك الحالة قد يُنصَح باستشارة مُختص لفهم السبب الجذري للاعتماد العاطفي، والتعرّف إلى أفضل الطرق لمعالجته والتمتّع بعلاقة زوجية متوازنة.
ختامًا، قد يتدثّر الاعتماد العاطفي برداء الحب، ولكن الفرق بينهما واضح، فالحبّ عاطفة متبادَلة، وليس سعيًا لانتزاع القبول من الطرف الآخر كما هو الحال مع الاعتماد العاطفي.
لذا ينبغي لكل من الزوجين أن يعرِف نفسه جيدًا وألّا يشعر بالضغط أو الخوف من رفض الشريك أمرًا ما، فالاختلاف طبيعي، وقبول كل من الزوجين للآخر لا يتوقّف على موقفٍ بعينه، بل هو مستمرّ بطبيعته ما دام الحب بينهما.
