لماذا نبحث عن شريك حياة؟ دراسة جديدة تجيب بـ100سبب مختلف
تندفع الكائنات البشرية نحو بناء شراكات عاطفية طويلة الأمد مدفوعةً بأسرار نفسية وتطورية معقدة تتجاوز بكثير مجرد الرغبة التقليدية في التكاثر أو تأمين الحماية المادية، وهو ما حاولت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Evolutionary Psychological Science فك شفراته عبر تحليل الدوافع العميقة التي تجعل الإنسان يبحث بنشاط عن شريك يتقاسم معه تفاصيل الحياة اليومية.
ورغم أن منظور التطور الكلاسيكي يربط دائمًا بين الارتباط والفوائد النفسية وغيرها مثل الاستقرار المالي، فإن الواقع النفسي يثبت أن المشاعر الوجدانية الخالصة والرغبة في الاستقرار العاطفي هما المحركان الأساسيان وراء هذه الرغبة الفطرية الملحة التي تشترك فيها المجتمعات الإنسانية على اختلافها.
تفوق الوجدان على المصالح
قسّم الباحثان مينيلاوس أبوستولو ولويزا نيوفيتو من جامعة نيقوسيا الدوافع البشرية للارتباط إلى نطاقين رئيسين يحددان شكل العلاقات: النطاق الوجداني العاطفي، والنطاق النفعي العملي.
وأظهرت نتائج التحليل الإحصائي تفوقًا كاسحًا للمشاعر الوجدانية، مثل الحب، والصحبة، والدعم النفسي، وتشارك اللحظات السعيدة، على أي حسابات مادية أو نفعية أخرى؛ فالإنسان في جوهره لا يبحث عن صفقة مادية عندما يقرر الارتباط، بل يفتش عن ملاذ نفسي آمن يمنحه الطمأنينة والهروب من قسوة العزلة.
هذا التفوق الوجداني يطيح بالفكرة القديمة التي تختزل الزواج في كونه تحالفًا اقتصاديًا، ليعيد الاعتبار لـلحب الحقيقي كقوة دافعة أولى لا يمكن تعويضها بالمكاسب النفعية مثل الوجاهة الاجتماعية أو تلبية توقعات البيئة المحيطة.
تفكيك قائمة الاحتياجات البشرية
استهدفت الدراسة في مرحلتها الأولى استكشاف مئات الأسباب العفوية التي يطرحها الأفراد لتبرير رغبتهم في الارتباط، حيث جُمع 104 أسباب محتملة، حددت الأسباب لاحقًا عبر عينة أوسع شملت مئات البالغين لتستقر على 89 سببًا رئيسًا توزعت على 13 فئة عريضة.
وتصدر "الانجذاب والارتباط الرومانسي" قائمة الأولويات المطلقة للمشاركين، تلاه مباشرة السعي وراء العثور على شريك الحياة المناسب وخلق تجارب حياتية إيجابية مشتركة، بينما تذيلت خيارات الدعم المالي والانتقام من العلاقات السابقة قائمة الاهتمامات.
وتوضح هذه البيانات أن الرغبة في التشارك الوجداني ليست مجرد خيار ترفيهي، بل هي آلية نفسية دفاعية يبنيها الإنسان لمواجهة أعباء الحياة وتأكيد وجوده الإنساني.
لغة المشاعر الموحدة وتأثير العمر
ألغت الأرقام والتحليلات الإحصائية الدقيقة أي فروق جوهرية بين الرجال والنساء في طبيعة دوافعهم نحو الارتباط، ما يؤكد أن الحاجة إلى الدعم النفسي والتواصل الحميمي هي سمة إنسانية عامة عابرة للجنسين لا تتأثر بالفروق البيولوجية أو الأدوار الاجتماعية التقليدية.
وفي المقابل، ظهر تأثير عامل السن واضحًا وثابتًا في توجيه الأولويات؛ حيث أبدى المشاركون الأكبر سنًا رغبة أعمق في تجنب الوحدة والبحث عن الصحبة الدائمة والمستقرة، بينما تراجع لديهم الشغف بتكوين أسر جديدة أو الإنجاب مقارنة بالفئات العمرية الشابة.
الانحياز الذاتي والخصوصية الثقافية
أشارت الدراسة إلى نقطة جوهرية تتعلق بالصدق الإحصائي والبيئي للنتائج، حيث اعتمدت البيانات بالكامل على التقارير الذاتية للمشاركين، ما يفتح الباب لاحتمالية إخفاء بعض الدوافع النفعية كالبحث عن الأمان المالي أو المصلحة الشخصية بسبب الرغبة الفطرية لدى البشر في تحسين صورتهم الذاتية وإظهار أنفسهم ككائنات مدفوعة بالرومانسية والنبل فقط.
كما أن حصر العينة في سياق ثقافي محدد يترك تساؤلاً مفتوحًا حول كيفية تغير هذه الدوافع في مجتمعات أخرى تحكمها التزامات اقتصادية مختلفة أو قيود اجتماعية أكثر صرامة، لكن الثابت أن البحث عن التواصل الوجداني يظل القوة المحركة الأكبر لقلوب البشر في كل مكان.
