لماذا تصبح العلاقة الحميمية أقل جاذبية مع ضغوط الحياة اليومية؟
يتراجع الاهتمام بالعلاقات الحميمية مع التقدم في العمر، لكن السبب لا يقتصر على العمر وحده؛ فهناك عوامل يومية ملموسة تؤدي دورًا أعمق مما يُتصوَّر.
جامعة جورج ميسون كشفت العلاقة الفعلية بين قدرة الإنسان على ممارسة أنشطة حياته اليومية ومكانة العلاقات الحميمية في سلّم أولوياته، في دراسة حديثة وفتحت نقاشًا ضروريًا ظلّ طويلًا في دائرة الصمت.
وأجرى الباحث لوكاس رييس برييتو وزملاؤه في جامعة جورج ميسون دراسةً على4371 مشاركًا من البالغين في منتصف العمر وكبار السن، مستندين إلى بيانات المشروع الوطني الأمريكي للحياة الاجتماعية والصحة والشيخوخة.
وتوصّل الفريق إلى أن المشاركين الذين يعانون ثلاثة قيود أو أكثر في أنشطة الحياة اليومية -كالاستحمام والتنقل وارتداء الملابس- أقل احتمالًا بشكل ملحوظ للإفادة بأن العلاقات الحميمية تمثل أهمية لهم، مقارنةً بالذين لا يعانون قيودًا أو يعانون قيدًا أو قيدين فقط.
النتيجة تبدو منطقية للوهلة الأولى، غير أن أعمق ما كشفه البحث هو هذا الفصل القائم في الوعي الجمعي بين مفهومي الإعاقة والحميمية؛ إذ يقول برييتو: "بحثنا يُثبت أن القيود اليومية لا تمحو الرغبة، لكنها تُعقّدها"، وهو تمييز دقيق يحمل دلالات عملية بالغة لكل من يعمل في رعاية كبار السن، بحسب الدراسة المنشورة في دورية Journal of Sex Research.
ما الذي يُحدد حقًا موقع العلاقة الحميمية في حياة الإنسان؟
وأظهرت نتائج البحث أن أهمية العلاقات الحميمية لا تُحدَّد بعامل واحد، بل تتشكل من منظومة متكاملة تضم العمر والجنس والمستوى التعليمي والحالة الصحية العامة والوضع الزوجي والخلفية العرقية.
ومن أبرز ما كشفه التحليل أن البالغين فوق سن الـ65 يُبلغون عن أهمية أقل للعلاقات الحميمة مقارنةً بالفئة العمرية بين 50 و64 عامًا.
وتؤكد دراسة منفصلة حول الرجال المسنّين أن من يمارسون العلاقات الحميمية بانتظام يُسجلون مستويات أعلى من الرضا، ما يشير إلى وجود علاقة تبادلية بين الرغبة والممارسة، بحيث يؤثر غياب أحدهما مباشرة على الآخر.
وفي المحصلة، تودي الصحة النفسية دورًا موازيًا؛ إذ يرتبط تحسن الحالة النفسية بجودة أعلى للحياة الحميمية في مراحل العمر المتأخرة.
ويبرز جانب أقل وضوحًا يتمثل في تأثير تولّي رعاية الشريك المريض على الرغبة الحميمية؛ فالزوج أو الزوجة الذين يتحولون إلى مقدمي رعاية يواجهون ضغوطًا مركبة تشمل الإرهاق الجسدي والضغط العاطفي والقلق المالي، ما يربك العلاقة ويُبعدها عن الأولويات.
كما أن وجود شريك ثابت يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة الحياة الحميمة، خصوصًا أن كثيرًا من النساء لا يُقبلن على النشاط الجنسي في غياب الشريك.
ماذا يعني هذا في الواقع؟
ويدعو الباحثون إلى إدماج أسئلة الصحة الجنسية ضمن الفحوصات الروتينية لكبار السن، بغض النظر عن خلفياتهم الديموغرافية؛ فالنتائج تشير إلى أن تراجع الرغبة الحميمية غالبًا ما يعكس انخفاضًا في جودة الحياة الكلية، وليس مجرد نتيجة حتمية للتقدم في العمر.
وتُظهر الدراسة أن الرغبة الجنسية بعد سن الخمسين تُعد مؤشرًا على الحالة الصحية الشاملة أكثر من كونها مجرد وظيفة بيولوجية.
فعندما يشعر الفرد بأن جسده أصبح عائقًا أمام أبسط أنشطة الحياة اليومية، فمن الطبيعي أن تتراجع العلاقات الحميمية في سلّم اهتماماته؛ غير أن هذا التراجع لا يلغي قيمتها، بل يفتح الباب أمام نقاش أكثر صراحة ووعي بين الأفراد ومقدمي الرعاية الصحية حول كيفية دعم جودة الحياة في هذه المرحلة.
