لماذا تختلف صداقات الرجال والنساء في العمل؟
بينما تبني النساء شبكات عمل متماسكة قائمة على التضامن والترابط الوثيق، يميل الرجال إلى نسج علاقات فردية متفرقة تخدم تطلعاتهم المهنية.
هذا الاختلاف اليومي البسيط في كيفية اختيار الأصدقاء والزملاء لا يحدد فقط طبيعة حياتك الاجتماعية داخل الشركة، بل يرسم مسارك المهني بأكمله ويُسهم في تشكيل الفجوة في الأجور.
كشفت عن هذه الديناميكيات دراسة علمية نُشرت في مجلة Social Networks الصادرة عن دار نشر Elsevier، وأجراها فريق بحثي ثلاثي يضم: إينجا كاربوني من كلية Raymond A. Mason للأعمال بجامعة William & Mary الأمريكية، وأندرو باركر أستاذ القيادة بكلية Durham University Business School البريطانية، وأليساندرو لومي الأستاذ بجامعة Università della Svizzera italiana بسويسرا.
وتتبّعت الدراسة 139 شابًا وشابة خلال الأشهر العشرة الأولى من انضمامهم إلى منظمة خدمية تعمل في مجال التنمية المجتمعية، وراوحت أعمار المشاركين بين 18 و24 عامًا، وعملوا في مدارس بالمناطق الحضرية الداخلية.
وخضع المشاركون لأربع جولات مسح ميداني، مما مكّن الباحثين من تتبع نشأة الصداقات وتطورها، حيث اعتمدوا على نموذج SAOM أي النموذج الموجّه للفاعل العشوائي لتحليل التحولات في شبكات العلاقات.
الاختلاف بين النساء والرجال في العلاقات الشخصية
المفهوم المحوري في الدراسة هو "الانتقالية" بحسب مصطلحات تحليل الشبكات الاجتماعية؛ والمقصود به: احتمالية أن يتحول الصديق المشترك إلى رابط مباشر بين شخصين.
وأشارت الدراسة إلى أن النساء أكثر ميلاً إلى إغلاق "المثلث الاجتماعي": إذا كانت (أ) صديقة لـ(ب)، و(ب) صديقة لـ(ج)، فإن (أ) و(ج) ينتهيان في الغالب بتكوين علاقة مباشرة؛ حيث إن تكرار هذا النمط يُنتج شبكات متماسكة وغير هرمية داخل بيئة العمل، تتسم بالتبادلية والترابط الوثيق.
أما الرجال فلا يسلكون هذا المسار بالضرورة؛ فوجود صديق مشترك لا يكفي وحده لإنشاء صداقة جديدة؛ إذ إن علاقاتهم أكثر انتقائية وفردية، وترتبط غالباً بما إذا كانت العلاقة تدعم أهدافاً شخصية أو مهنية محددة.
الميزة التنافسية لأسلوب كل من الرجال والنساء في بناء العلاقات
أوضح الباحثون أن الشبكة الأكثر تماسكًا لا تعني دائمًا الأفضل مهنيًا؛ فالنساء اللواتي يبنين دوائر اجتماعية مترابطة يؤدين دورًا تكامليًا واستقراريًا داخل المؤسسات: يدعمن التعاون، ويُعززن التلاحم بين الزملاء، ويُشكّلن شبكات دعم اجتماعي راسخة.
لكن الشبكات الكثيفة قد تعني عددًا أقل من الوصلات الخارجية، أي الروابط مع أشخاص خارج الدائرة المباشرة؛ فالروابط الخارجية هي التي توفر معلومات حصرية، وتُفضي إلى فرص مهنية جديدة، وتُتيح الوصول إلى أشخاص مؤثرين.
وقد يحظى الرجال بعلاقاتهم الأكثر انتشارًا وتنوعًا في سياقات معينة بوصول أوسع إلى هذا النوع من الروابط.
ولا يعزو الباحثون ذلك إلى أن الرجال يبنون صداقاتهم بحسابات مهنية مقصودة؛ إذ إن ما يُقدمونه هو أن أنماط بناء العلاقات المختلفة تُنتج على المدى البعيد شبكات مهنية مختلفة، وهذا الاختلاف يُسهم في تفسير جزء من فجوة الأجور بين الجنسين وتفاوت فرص الترقي.
حدود التعميم: السياق يؤثر على النتائج
انتبه الباحثون أنفسهم إلى ضرورة الحذر في تعميم النتائج؛ فالبيئة التي أُجريت فيها الدراسة استثنائية: منظمة بهيكل هرمي محدود، وفرص وفيرة لتكوين علاقات جديدة، وأعمار متقاربة بين المشاركين؛ إذ إن هذه الشروط تختلف عن الأماكن المهنية التقليدية ذات التراتبية الوظيفية الصارمة.
ولا تقول الدراسة إن كل النساء يبنين دوائر متماسكة، ولا أن كل الرجال يؤسسون صداقاتهم على حسابات نفعية؛ فما تُقدمه هو دليل على أن الجنس يُشكّل كثيرًا من القرارات الصغيرة اليومية في بناء العلاقات، وأن تراكم هذه القرارات يُنتج شبكات مختلفة بنتائج مختلفة.
ما الذي يجب أن تفهمه المنظمات؟
تُشير مخرجات الدراسة إلى أن إدراك المؤسسات لهذه الفوارق في بناء شبكات العلاقات يُتيح لها تصميم بيئات عمل أكثر شمولاً وتكاملاً، بما يُحدّ من الفجوات المهنية الناجمة عنها.
وتتمثل أبرز الأدوات المتاحة للمؤسسات لتحقيق توازن أكبر في فرص الترقي والتطور -بغض النظر عن الجنس- في اعتماد برامج الإرشاد المهني، وتفعيل مبادرات التواصل الداخلي، بالإضافة إلى إعادة هيكلة الفرق لتصبح أكثر تنوعًا واختلاطًا.
