ادعاءات بلا دليل.. دراسة تكشف خللًا منهجيًا في أبحاث الفروق بين الجنسين
أقل من ربع الدراسات العلمية التي أعلنت فروقًا بين الجنسين قدّمت دليلًا إحصائيًا يدعم هذا الادعاء، وفقًا لدراسة نُشرت في دورية PNAS وأجراها باحثون من جامعة إيموري بقيادة البروفيسورة دونا ماني، المتخصصة في علم النفس.
وفحص الفريق البحثي 200 ورقة علمية منشورة بين عامَي 2019 و2023، اختارها من قاعدة بيانات أكاديمية ضخمة تضم آلاف الدراسات التي تحمل مصطلحات من قبيل "خاص بالجنس" أو "تبعًا للجنس". وقد أُجريت نصف الدراسات على بشر، والنصف الآخر على حيوانات، معظمها قوارض.
وكشفت النتيجة المركزية الصادمة أن أكثر من 50% من تلك الأوراق لم تُجرِ أي مقارنة إحصائية بين الذكور والإناث، بينما ادّعى عنوانها وجود فارق حقيقي بين الجنسين.
آلية إثبات الفرق بين الجنسين
المشكلة ليست غياب البيانات فحسب، بل تكمن في أسلوب التحليل نفسه. الطريقة الخاطئة الأكثر انتشارًا تقوم على تقسيم العينة إلى مجموعتين منفصلتين، ثم اختبار التأثير داخل كل مجموعة بمعزل عن الأخرى.
وشرحت مانِي الإشكالية بوضوح: تقسيم العينة يُقلل عدد الأفراد في كل مجموعة، ما يُضعف القدرة الإحصائية على كشف التأثيرات الحقيقية. النتيجة أن الباحث قد يُخفق في رصد الأثر لدى أحد الجنسين، فيستنتج خطأً أن العلاج أو التدخل نجح لدى جنس واحد فقط. هذا الخطأ موثق ومعروف في الأدبيات المنهجية، لكنه ما زال يُرتكب بصورة متكررة.
ويعد الإجراء الصحيح الوحيد لإثبات فرق بين الجنسين هو إجراء مقارنة إحصائية مباشرة بين الذكور والإناث، لا اختبار كل منهم منفصلاً ومقارنة النتائج بطريقة غير رسمية.
تفاوت بين التخصصات والأنواع البيولوجية
وتتباين نسبة الأوراق التي قدمت أدلة إحصائية صحيحة بين التخصصات. فأوراق علم النفس سجلت أعلى نسبة امتثال بلغت نحو 39%، فيما سجلت دراسات علم الأعصاب أدنى نسبة عند 18% تقريبًا.
وأظهرت الدراسات المُجراة على البشر أدلة صحيحة في 34% من الحالات، مقارنة بـ15% فقط للدراسات المُجراة على الحيوانات.
والأكثر إثارةً أن الأوراق ذات المناهج غير الصحيحة نُشرت في مجلات علمية عالية التصنيف، واستقطبت استشهادات بحثية بنفس المعدل الذي حققته الأوراق الموثوقة.
وقد تضاعف عدد الأوراق البحثية في علم الأعصاب التي تدّعي وجود تأثيرات مرتبطة بالجنس بأكثر من خمسة أضعاف خلال عقدين، في مؤشر على تنامي الاهتمام بهذا المجال، من دون أن يواكبه تحسّن مماثل في قوة الأدلة والمنهجية العلمية.
التداعيات على التوصيات الطبية
تتجاوز الإشكالية النطاق الأكاديمي، فالدراسات المعيبة تُغذّي توصيات طبية مخصصة للجنسين في مجالات حساسة، منها: القلق والاكتئاب، والوقاية من إيذاء النفس، وتشخيص الاضطرابات النفسية. وهذه التوصيات بُنيت على ادعاءات لم يثبت أن البيانات الأصلية تدعمها فعلاً.
وأوضحت مانِي أن الدراسة لا تُثبت خطأ كل هذه الادعاءات، بل تُثبت غياب الدليل اللازم للتحقق منها. فأقل من 9% من الأوراق تضمنت أدلة إحصائية تتعارض صراحةً مع ما يدعيه عنوانها.
وغياب التسجيل المسبق لمنهجية البحث يُفاقم المشكلة: اثنتان فقط من أصل 200 ورقة أثبتتا أن تصميم الدراسة سُجّل قبل جمع البيانات، ما يفتح الباب أمام استخراج الفوارق بعد جمع البيانات ورفعها إلى مكانة النتيجة الرئيسة.
خطوات لإثبات الفرق بين الجنسين
يعمل الفريق البحثي حاليًا على إعادة تحليل البيانات الأصلية لتلك الدراسات المعيبة، بهدف تحديد نسبة الادعاءات التي تصمد عند تطبيق المنهجية الصحيحة.
وأطلق الفريق موقع SexDifference.org، حيث يمكن إدخال بيانات الدراسة لتقييم مدى دعمها لادعاء الفرق بين الجنسين، وحساب حجم هذا الفرق إن وُجد.
وختمت الباحثة بدعوة واضحة: المرحلة التالية من البحث المُدمِج للجنسين يجب أن تنتقل من مجرد ضمان التمثيل إلى ضمان صرامة التحليل والاستنتاج. والهدف النهائي هو الانتقال من السؤال البسيط عما إذا كان الجنسان مختلفَين، إلى أسئلة أكثر عمقًا حول مصادر التباين الفردي.
