لماذا ينسحب الرجال وقت الأزمات؟ دراسة تكشف مفارقة الدعم النفسي
في الوقت الذي يبدو فيه طلب الدعم النفسي هو الخيار الأكثر منطقية عند التعرض للضغوط، تكشف دراسة علمية واسعة أن كثيرًا من الرجال يسلكون المسار المعاكس؛ فبدلًا من الاقتراب من دوائر الدعم، يميلون إلى الانسحاب والعزلة، ما يقلل من فرص حصولهم على المساندة في أكثر اللحظات احتياجًا لها.
هذه النتيجة جاءت بعد متابعة استمرت 14 عامًا لعشرات الآلاف من الأشخاص، لتسلط الضوء على واحدة من أبرز التحديات المرتبطة بالصحة النفسية لدى الرجال.
دراسة طويلة تكشف المفارقة
أجريت الدراسة ضمن مشروع دراسة الاتجاهات والقيم في نيوزيلندا الذي بدأ عام 2009، وشملت 76,409 مشاركين تمت متابعتهم عبر 15 مرحلة بحثية.
وقاد التحليل الباحث كيرين جيه. ليلي، بالتعاون مع خمسة باحثين آخرين، من بينهم عالم النفس كريس جي. سيبلي من جامعة أوكلاند.
وأظهرت النتائج أن الدعم الاجتماعي يسهم في تقليل الضغوط النفسية لدى الرجال والنساء على السواء، لكن مع ارتفاع مستويات الضيق النفسي لدى الرجال تحديدًا، يتراجع شعورهم بأنهم يحظون بالدعم من المحيطين بهم، وهو تأثير لم يظهر بنفس القوة لدى النساء.
لماذا يبتعد الرجال عن الدعم؟
ترى الدراسة أن السبب لا يرتبط بالفروق البيولوجية، وإنما بالضغوط الاجتماعية التي تشجع الرجل على التحلي بالقوة والاستقلالية، وتدفعه إلى إخفاء مشاعره أو تجنب الاعتراف بأنه يحتاج إلى المساعدة.
وتؤدي هذه التوقعات الاجتماعية إلى إحجام كثير من الرجال عن مشاركة معاناتهم مع الأصدقاء أو أفراد الأسرة، الأمر الذي يضعف شبكة الدعم المحيطة بهم ويزيد من شعورهم بالعزلة.
الذكاء العاطفي عنصر حاسم
يربط الباحثون بين هذه الظاهرة والذكاء العاطفي، الذي يقوم على أربع مهارات أساسية هي: الوعي بالذات، وإدارة المشاعر، والوعي الاجتماعي، وإدارة العلاقات.
وتوضح الدراسة أن المشكلة الأساسية تكمن في إدارة العلاقات، إذ يحتاج الرجل إلى تجاوز التردد في طلب المساندة، والمحافظة على التواصل مع المقربين حتى أثناء الأزمات، بدلًا من الانسحاب والانغلاق.
كيف يمكن كسر دائرة العزلة؟
يشبه الباحثون طلب المساعدة بإطلاق إشارة استغاثة من سفينة قبل أن تبتعد عن الأنظار، مؤكدين أن طلب الدعم في المراحل الأولى للأزمة يمنح فرصة أكبر لتلقي المساندة.
ولهذا ينصحون بالتعرف على علامات الانسحاب المبكرة، مثل الاعتذار المتكرر عن اللقاءات أو الاكتفاء بردود مقتضبة، واختيار أشخاص موثوقين يمكن اللجوء إليهم مسبقًا، وعدم انتظار تفاقم الضغوط قبل الحديث عنها، إلى جانب تقديم الدعم للآخرين، بما يعزز ثقافة المساندة المتبادلة.
