لماذا يتأثر الرجال بالانفصال أكثر من النساء؟ دراسة استمرت أكثر من عقدين تكشف مفاجأة
حين تنتهي الحياة الزوجية، لا يقتصر الأمر على إغلاق بابٍ كان يجمع شخصين، بل يبدأ فصل جديد يتوارى فيه الكثير من الألم الصامت؛ فالرجال الذين يمرون بمرارة الانفصال أو الطلاق يجدون أنفسهم أمام اختبار نفسي حرج، يجعلهم أكثر عرضة للوفاة جراء إيذاء النفس بـ 2.82 ضعف مقارنة بأولئك الذين ينعمون بالاستقرار الزوجي.
وكشفت دراسة علمية، قامت على مراجعة منهجية وتحليل إحصائي موسع، عن نتائج جديدة تتعلق بالتأثيرات النفسية للانفصال على الرجال.
وقاد البحث الدكتور مايكل ج. ويلسون وفريقه الأكاديمي من جامعة ملبورن ومؤسسة "أورجن" في أستراليا، حيث نُشرت تفاصيل الدراسة في مجلة Psychological Bulletin العلمية المرموقة.
وشمل البحث 75 دراسة من 30 دولة، بعينة إجمالية تتجاوز 100 مليون رجل، جُمعت من قواعد بيانات أكاديمية محكّمة بين عامَي 2000 و2023.
واعتمد التحليل الإحصائي المباشر على 29 دراسة توافرت فيها بيانات متوافقة كافية، فيما حُللت الدراسات المتبقية نوعيًا لاستخلاص الأنماط الديموغرافية.
كيف يتأثر الرجال بالطلاق؟
أظهرت النتائج الإحصائية للدراسة تصاعدًا تدريجيًا في حدة الخطر عبر ثلاث مراحل رئيسة؛ حيث بلغت احتمالية التفكير في إيذاء النفس لدى الرجال المنفصلين أو المطلقين 1.64 ضعف مقارنة بالمتزوجين، بينما ارتفعت نسبة الإقدام على المحاولة الفعلية إلى 1.73 ضعف، لتصل معدلات الوفاة الناجمة عن ذلك إلى 2.82 ضعف.
ويعكس هذا التدرج انتقال جزء من الرجال من مرحلة التفكير إلى التنفيذ الفعلي دون رصد حالاتهم أو تقديم الدعم النفسي المناسب لهم في الوقت المحدّد.
وأوضحت البيانات أن عامل التوقيت يؤدي دورًا مباشرًا في حدة الخطر؛ إذ يسجل الرجال في مرحلة الانفصال الفعلي -التي تسبق الإتمام القانوني للطلاق- قرابة ضعفَي احتمالية إيذاء النفس مقارنة بالذين أتموا إجراءات الطلاق رسميًا، ما يثير الانتباه إلى أن الأزمة العاطفية الحادة في بداية انهيار العلاقة تشكّل الفترة الأشد خطورة، قبل أن تبدأ بالتراجع التدريجي مع مرور الوقت.
وفي سياق متصل، كشفت الدراسة عن تأثير حاسم للعامل العمري في تحديد مستويات الخطر؛ إذ يواجه الرجال المنفصلون في سن 34 عامًا أو أقل أكثر من 8 أضعاف احتمالية إيذاء النفس مقارنة بنظرائهم المتزوجين من الفئة العمرية ذاتها، ما يجعل فئة الشباب المنفصل في صدارة الشرائح الأكثر هشاشة وتأثرًا على صعيد الصحة النفسية.
عوامل تُفاقِم أزمة الطلاق عند الرجل
البيانات لا تتوقف عند الانفصال وحده؛ إذ يسجل الرجال المنفصلون في الدول الآسيوية معدلات أعلى في محاولات التخلص من الحياة مقارنة بنظرائهم في الدول الغربية.
ويرجع الباحثون ذلك إلى الفوارق في البنى الأسرية، وأحكام الحضانة، والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالطلاق في كل منطقة.
ويضاف الوضع المادي والتعليمي إلى العوامل المُشددة: الرجال ذوو المستوى التعليمي دون الجامعة، والعاطلون عن العمل، يظهرون هشاشة أعلى وفق النتائج المُركّبة.
وأشارت الدراسات النوعية المُدرجة في المراجعة إلى نمط متكرر: كثير من الرجال يعتمدون على شريك حياتهم بوصفه مصدرهم الوحيد للدعم العاطفي والحميمية.
وحين ينهار هذا الرابط، يجد الرجل نفسه فجأة في عزلة اجتماعية حادة؛ فالشعور بالعار، وفقدان الشبكة الاجتماعية، والإحساس بالفشل الشخصي؛ يبرز بشكل لافت في الملفات السريرية والأبحاث النوعية المُدرَجة.
وتُصعّب التوقعات الاجتماعية المرتبطة بالذكورة -التي تُشجع على الاكتفاء الذاتي وكبح التعبير العاطفي- على الرجل طلب المساعدة المتخصصة في الوقت المناسب.
