هل أصبح السعي للكمال الشكلي يهدد الصحة النفسية؟
يفتح شاب تطبيقا خاصًا على هاتفه الذكي، ويوجه الكاميرا نحو وجهه ليحصل خلال ثوانٍ معدودة على رقم محدد؛ ليس إطراءً ولا نقدًا عاديًا، بل تقييم من ثماني درجات لشكله، ثم يتلقى تحليلاً مفصلاً لما يعتبره التطبيق نقاط ضعف تُنقص من جماله، مثل زاوية العينين، وعرض الفك، وبروز الذقن، ومستوى خط الشعر؛ حيث تُقاس كل نقطة وتُصنّف مقارنة بمعايير تعجيزية لم يطلبها ولا يستطيع الوصول إليها.
وتعكس هذه التجربة ما يُعرف باسم ظاهرة الـ"Looksmaxxing"، وهي واجهة لثقافة أوسع تُسمى "Maxxing"، والتي بدأت تعيد تشكيل طريقة تعامل الشباب والشابات مع أجسادهم.
كيف بدأت ثقافة "Maxxing" وتطورت مصطلحاتها؟
أفاد موقع "Mens Fitness" بأن الدوافع الأساسية للارتقاء بالمظهر الشخصي وتعزيز الثقة بالنفس تمثل سلوكًا بشريًا طبيعيًا ومحمودًا، إلا أن الخطورة الراهنة تنبع من الوسائل التكنولوجية المُستحدثة؛ إذ تُسهم الخوارزميات وأنظمة التقييم الرقمي في تشجيع التشدد الشكلي، وسط بيئات إلكترونية تفرض تقييمات محبطة على الشباب الباحثين عن تأكيد جاذبيتهم.
ويعود مصطلح "Maxxing" إلى عالم ألعاب الفيديو، حيث يعني تعظيم أو الوصول لـ"الحد الأقصى" لصفة معينة.
بدأت ظاهرة الـ"Looksmaxxing" في منتديات "Incels" مع بدايات عام 2010، قبل أن تنتقل إلى منصات التواصل الاجتماعي مثل "تيك توك" و"يوتيوب" حاصدةً مليارات المشاهدات.
وأنتجت هذه الحركة مصطلحات شائعة بين الشباب؛ أبرزها "Mewing" لتحديد الفك، و"Mogging" للتفوق المظهري، وتصنيف الأشخاص بـ "Sub-5"، ومقياس "PSL" للجمال، لتتحول إلى ظاهرة واسعة تضم أكثر من 405 آلاف مشارك في فترة رصد واحدة.
ما هو اضطراب تشوه الجسد؟
تكمن المشكلة الأكبر من الناحية النفسية في نظام التقييم الرقمي؛ فالشعور العادي بعدم الأمان يجعل الشخص يقول "أتمنى لو كان مظهري أفضل"، لكن هذا النظام يقول له "أنت 3.2 من 8، ووجهك طويل جدًا، وهذه الجراحة قد تجعلك تصل إلى 5".
هذا الأسلوب يمثل المفهوم الدقيق لاضطراب تشوه الجسد، وهو الانشغال الفكري بعيب شكلي بسيط أو غير مرئي للآخرين، لكنه يسبب ضائقة نفسية حقيقية وتأثيرًا على الحياة اليومية.
ووصف علماء في جمعية علم النفس البريطانية هذه المنتديات بأنها "مرآة خوارزمية" تحول القلق الطبيعي إلى حالة مرضية.
وأظهرت دراسة شملت نحو 7,700 شاب أن نسبة انتشار اضطراب تشوه الجسد بلغت 1.5%، وترتفع بشكل حاد في مرحلة المراهقة وترتبط بإيذاء الذات والمشاكل النفسية.
أضرار ظاهرة الـ"Looksmaxxing"
من المهم تأكيد أن الرغبة الأولى في التحسين مشروع، فقد وجد آلاف الشباب طريقهم إلى الرياضة والانضباط من خلال هذه المنصات نفسها، فالمشكلة ليست في البداية بل في الخوارزميات التي تدفعهم نحو مستحيلات الجمال.
وحذر متخصصون في الصحة النفسية عبر شبكة "بي بي إس" من أن السخرية من سلوكيات الشباب أو الاستهانة بقلقهم تجعلهم يشعرون بالخزي ويتوقفون عن طلب المساعدة.
وشدد الخبراء على أن الحل الجذري يكمن في رفض التقييم الرقمي للإنسان، والتعامل مع القلق بشأن المظهر بتفهم ودعم نفسي بدلاً من إصدار الأحكام.
وأكد التقرير أن هذه البيانات تأتي في إطار التوعية ولا تُعد بديلاً عن الاستشارة الطبية المتخصصة، داعيًا كل من يعاني أو يلاحظ هذه التحديات لدى المقربين منه إلى التواصل مع أطباء نفسيين معتمدين؛ إذ أثبتت الدراسات أن هذه الحالات تستجيب للعلاج بشكل فعال، مما يحد من الآثار السلبية لظاهرة الـ"Looksmaxxing".
