مصممة العطور سارة دهلوي: العطر لا يُستعجل والجمال يعيش في التفاصيل الصغيرة
تُنسب إلى الروائي الفرنسي مارسيل بروست مقولة: «العطر أكثر أشكال الذاكرة رسوخًا»، عبارة تبدو شديدة الدقة في وصف الدور الذي تؤديه الرائحة ؛ فذرات العطر لا تمر من حولنا فحسب، بل تستقر في أعماقنا، وتستدعي أماكن ووجوهًا ومشاعر ظننا يوماً أنها مضت.
من هذه المساحة تحديدًا، يأتي حوار «الرجل» مع مصممة العطور السعودية سارة دهلوي، التي تتراكم في قنينات عطورها الذاكرة الشرقية، والحرفة الفرنسية، والهوية السعودية.
في حديثها، تروي سارة ملامح تجربتها والمنعطفات التي صنعتها؛ من طفولة كانت العائلة والرائحة جزءًا من تفاصيلها الأولى، إلى رحلة وقفت فيها وحدها أمام العالم متمسكة بحلمها في صناعة دار عطور تحمل صوتها وذاكرتها.
قبل العطر
بداية وبعيداً عن المهنة .. من هي سارة دهلوي؟
سارة قبل العطور امرأة شديدة الانتباه للتفاصيل، أؤمن أن الجمال لا يعيش دائماً في الأشياء الكبيرة، بل في التفاصيل الصغيرة: في مدينة، في ذكرى، في ضوء عابر، أو رائحة تمرّ بنا ثم تعيدنا إلى مكان بعيد.
عشت بين ثقافات ومدن مختلفة، وهذا صنع في داخلي مخزوناً من الصور والمشاعر والحنين، بعيداً عن المهنة، أنا إنسانة تبحث دائماً عن المعنى، عن الصدق، وعن شيء يشبهها بعمق.
من هي الشخصية التي تأثرت بها في طفولتك؟
لا أستطيع اختصار التأثير في شخصية واحدة، تأثرت كثيراً بالنساء في عائلتي؛ بطريقة حضورهن، واهتمامهن بالتفاصيل، وإيمانهن بأن الأناقة ليست في المظهر وحده، بل في الأثر الذي يتركه الإنسان.
كما أن المدن التي عشتها في طفولتي وشبابي كانت شخصيات مؤثرة بحد ذاتها، كل مدينة تركت في ذاكرتي رائحة، ومزاجاً، وإحساساً مختلفاً.
هل كانت العطور جزءاً من بيت العائلة؟ وهل هناك رائحة تعيدك فوراً إلى الطفولة؟
نعم، كان العطر جزءاً طبيعياً من البيت، مثل الضيافة تماماً، في البيوت السعودية، الرائحة ليست تفصيلاً هامشياً؛ هي جزء من الذاكرة، ومن الاحتفاء، ومن معنى الحضور.
رائحة البخور، والعود، والعطور على الملابس، حتى رائحة البيت النظيف، كلها تعيدني إلى طفولتي، أحياناً تكفي رائحة واحدة لتعيد الإنسان إلى لحظة كاملة، بكل تفاصيلها وأشخاصها وإحساسها.
متى أدركت أن علاقتكِ بالرائحة مختلفة عن الآخرين؟
من وقت مبكر، كنت أربط الروائح بالأماكن والأشخاص والمشاعر، أكثر مما أربطها بالأشياء، لم تكن الرائحة بالنسبة لي مجرد شيء جميل أو غير جميل، بل كانت لغة.
كنت أشعر أن كل رائحة تحمل قصة، وأنها قادرة على قول ما لا نستطيع نحن قوله بالكلمات.
لحظة القرار
ماذا قلت لنفسك يوم قررت السفر إلى فرنسا لدراسة العطور؟
قلت لنفسي إن الشغف وحده لا يكفي، كان عليّ أن أذهب إلى المصدر لأتعلم اللغة الحقيقية لهذه الصناعة.
كنت أعرف أن لدي إحساساً قوياً بالرائحة، لكنني كنت أحتاج إلى العلم، والانضباط، والمعرفة. السفر إلى فرنسا لم يكن خطوة سهلة، لكنه كان قراراً ضرورياً حتى أحوّل الإحساس إلى حرفة، والحلم إلى مشروع حقيقي.
ما الفرق بين الصورة التي تخيلتِها عن باريس وجراس، وما وجدته حقًا؟
كنت أتخيل باريس وجراس بطريقة رومانسية جداً؛ كأن صناعة العطر كلها إلهام وزهور وجمال، لكنني اكتشفت أن خلف هذا الجمال علماً دقيقاً، وانضباطاً صارماً، ومواد خام، وتجارب طويلة، ومحاولات كثيرة لا تنجح قبل الوصول إلى النتيجة.
وجدت أن العطر ليس إحساساً فقط، بل بناء معماري متكامل، يحتاج إلى صبر، وفهم، وتواضع أمام المادة.
ما أصعب درس تعلمته في فرنسا؟
أصعب درس أن العطر لا يستعجل.
لا يمكن أن تفرض عليه النتيجة، ولا أن تصنعه بالعاطفة وحدها، عليك أن تصغي للمادة، وأن تتقبل أن الفكرة الجميلة قد لا تنجح من المحاولة الأولى.
إنسانياً، تعلمت أن الطريق الفردي جميل، لكنه قاس، وأن الشغف الحقيقي يحتاج إلى قوة وصبر أكثر مما يتخيل الناس.
الدار والهوية
لو كان لـ Maison Dahlawi رائحة واحدة تختصر قصتها، كيف ستكون؟
ستكون رائحة تجمع بين الذاكرة الشرقية والبناء الفرنسي، شيء فيه دفء البخور، والعنبر، والبهارات، لكن بصياغة ناعمة، أنيقة، ومتزنة.
رائحة لا تصرخ، لكنها تترك أثراً، أرى Maison Dahlawi كجسر بين العمق السعودي والحس الفرنسي؛ بين الحنين والحداثة، وبين القوة والنعومة.
كيف تتعاملين مع العطر الذي يطلبه السوق، والعطر الذي يشبهك؟
العطر الذي يرضي السوق قد يكون مفهوماً وسهل الوصول، أما العطر الذي يشبهني فيجب أن يحمل روحاً، وشخصية، وسبباً حقيقياً لوجوده.
أحاول دائماً أن أجد نقطة التوازن بين الاثنين؛ أن يكون العطر قابلاً للاستخدام، لكن دون أن يفقد هويته، بالنسبة لي، النجاح الحقيقي أن يحب الناس العطر، وأن أشعر أنا في الوقت نفسه أنه صادق ويمثل الدار.
هل صممت عطراً ثم أعدت التفكير فيه لاحقاً؟
لا أتعامل مع الأمر كندم، بل كتطور، كل عطر أطلقته كان يمثل مرحلة من الرحلة، لكن مع الوقت والخبرة، تصبح العين أكثر دقة، ويصبح الحكم أكثر نضجاً.
قد أرى اليوم تفاصيل كنت سأتعامل معها بطريقة مختلفة، وهذا أمر طبيعي في أي مسيرة إبداعية، المصمم أو العطار لا يتوقف عن التطور، ولا عن مراجعة نفسه.
سرعة الرذاذ
ما الخطأ الشائع الذي يقع فيه كثير من مصممي العطور الجدد؟
الاستعجال، ومحاولة إرضاء السوق قبل بناء هوية واضحة، أحياناً نرى عطوراً جميلة، لكنها تشبه غيرها كثيراً.
صناعة العطر ليست مجرد اختيار مكونات فاخرة أو رائحة قوية، هي قصة، وتوازن، وبصمة، الأهم أن يعرف المصمم من هو، وماذا يريد أن يقول من خلال العطر؟.
هل العطور السعودية قادرة على منافسة الدور الفرنسية عالمياً خلال السنوات المقبلة؟
نعم، أؤمن بذلك، لكن المنافسة لن تكون بالتقليد، العطور السعودية تمتلك ذاكرة عطرية غنية جداً: العود، البخور، العنبر، الورد، التوابل، الضيافة، والطقوس المرتبطة بالرائحة.
إذا استطعنا تقديم هذه الهوية بلغة عالمية، وبجودة عالية، وذوق معاصر، فلدينا فرصة كبيرة، العالم اليوم يبحث عن الأصالة، لا عن نسخة أخرى مما يعرفه.
الجانب الصامت
ما أصعب موقف مررت به في مسيرتك ولم تتحدثي عنه كثيراً؟
أصعب المواقف غالباً لا تظهر للناس، قد تكون في معرض خارج السعودية، وفي داخلك خوف وضغط ومسؤولية كبيرة، بينما يبدو كل شيء من الخارج جميلاً ومرتباً.
خلف كل مشاركة دولية هناك تعب، وقرارات، وشحن، وإنتاج، وتفاصيل، وقلق، أصعب ما شعرت به أحياناً أنني أحمل الحلم وحدي، لكن في كل مرة يبدأ المعرض، وأرى الناس يكتشفون العطور، أنسى التعب وأتذكر لماذا بدأت.
ما الرائحة التي تختارينها حين تريدين أن تكوني (سارة) فقط.. لا المصممة ولا صاحبة الدار؟
أميل إلى الروائح التي تمنحني الهدوء والصدق، رائحة قريبة من الجلد، فيها نظافة ناعمة، ومسك، ولمسة خشب، وربما أثر زهري خفيف.
شيء لا يحاول لفت الانتباه، بل يمنحني شعوراً بالراحة والاتزان، عندما أكون فقط سارة، أبحث عن رائحة تشبه السكينة.
لو عدت 10 أعوام إلى الوراء، ما النصيحة التي تقولينها لنفسك؟
سأقول لها: لا تنتظري أن تكون الظروف مثالية حتى تبدئي، الطريق لن يكون واضحاً دائماً، والخوف لن يختفي تماماً، لكنكِ ستتعلمين وأنتِ تمشين.
ثقي بإحساسك، لكن ادعميه بالعلم والعمل، ولا تسمحي لصعوبة الطريق أن تجعلكِ تشكين في قيمة حلمك.
الحلم والأثر
ما الحلم الذي تخافين أن يعرفه الناس قبل أن يكتمل؟
أحلم أن تتحول Maison Dahlawi إلى دار عطور سعودية ذات حضور عالمي حقيقي، لا كعلامة تجارية فقط، بل كصوت عطري يمثل ذائقة وثقافة وذاكرة.
أخاف أحياناً من قول الأحلام الكبيرة بصوت عالٍ قبل أن تكتمل، لكنني أؤمن أن بعض الأحلام تحتاج إلى شجاعة حتى تُقال.
أخيراً.. ما الأثر الذي تودين أن تتركيه في هذا العالم؟
أود أن أُذكر كإنسانة صنعت شيئاً صادقاً، وليس فقط عطوراً جميلة، بل أثراً يشبهني ويشبه المكان الذي جئت منه.
أتمنى أن تكون Maison Dahlawi جزءاً من ذاكرة الناس، وأن يشعر من يضع أحد عطورها أنه لا يضع رائحة فقط، بل يضع إحساساً، وقصة، وقطعة من روح.
بطاقة تعريفية
الاسم: سارة عثمان دهلوي
مكان الميلاد: القاهرة
التعليم: بكالوريوس إدارة أعمال، وشهادة مصممة عطور معتمدة من مدرسة Cinquième Sens في باريس
الهوايات: السفر، القراءة
الأبناء: سلطان وسيف
أبرز الجوائز:
فاز عطر Satin بجائزة أفضل عطر نسائي في معرض London Niche Show.
فاز عطر AlUla بجائزة أفضل عطر شرقي في أسبوع العطور.
