بعد الخيانة.. لماذا يختار بعض الأزواج البقاء معًا؟
تُعد الخيانة الزوجية واحدة من أكثر الصدمات العاطفية عمقًا وتأثيرًا في العلاقات الإنسانية. وعلى الرغم من أن أغلبية المجتمعات تعتبر الخيانة سلوكًا مرفوضًا من الناحية الأخلاقية والاجتماعية، إلا أن البيانات والإحصاءات تشير إلى أن نسبة غير قليلة من المتزوجين يمرون بهذه التجربة.
والغريب في الأمر أن الغالبية العظمى من الأزواج الذين يتعرضون لهذه التجربة العصيبة يختارون البقاء معًا والتراجع عن قرار الانفصال الفوري؛ حيث تشير الدراسات إلى أن نحو 79% من الشركاء الذين تعرضوا للخيانة يفضلون الاستمرار مع الشريك الخائن.
ووفقًا لموقع psychologytoday، تتعدد الأسباب الظاهرة لهذا القرار بين الرغبة في الحفاظ على تماسك الأسرة، وتجنيب الأطفال آلام الطلاق، أو الالتزام بالقيم الاجتماعية ، أو حتى لوجود مشاعر حب.
غير أن النجاح الحقيقي لهذا البقاء يتوقف بالكامل على الدافع العميق خلف القرار، وما إذا كان ينبع من رغبة صادقة في الإصلاح أم يرتبط برغبة خفية في الانتقام.
مسار الإصلاح والرغبة الصادقة في التعافي
يتحقق المسار السليم للتعافي عندما يتخذ الشريك المتضرر قرارًا واعيًا مبنيًا على أسس نفسية متزنة، يهدف من خلاله إلى منح العلاقة فرصة ثانية للنمو والاصلاح.
وفي هذا السياق، يتجلى الالتزام في بذل جهود مخلصة ومشتركة لتجاوز آثار الصدمة، سواء من خلال جلسات الاستشارة النفسية والزوجية أو عبر التعامل اليومي.
ويتطلب هذا المسار من الشريك الخائن تحملاً لمشاعر الغضب الصادرة من الشريك المتضرر، مع التزام كامل بتحمل مسؤولية الخطأ والعمل الجاد على تطوير مهارات التواصل للتعبير عن المشاعر بطرق صحية.
وفي المقابل، يدرك الشريك المتضرر أن محفزات الصدمة العاطفية قد تظهر بين الحين والآخر بسبب مشهد أو ذكرى عابرة، لكنه يسعى بجدية للحصول على الدعم النفسي لمعالجة تلك المشاعر بدلاً من اتخاذها ذريعة لإعادة محاكمة الشريك واستنزافه طوال الحياة.
مسار الانتقام والدوران في حلقة السادية
على الجانب الآخر، يختار بعض الشركاء المتضررين البقاء في العلاقة ليس بدافع إحياء الحب أو ترميم الثقة، بل لدوافع انتقامية تُدخل الحياة الزوجية في حلقة مفرغة وسلبية من المعاناة النفسية.
وفي هذه الحالة، يصبح الشريك المتضرر هائمًا بهوس الخيانة، معتمدًا على استحضار تفاصيلها وإعادة طرحها على مسامع الطرف الآخر لسنوات طويلة دون الوصول إلى أي رؤية جديدة أو حلول عملية.
وتتنوع أشكال العقاب بين السلوكات المباشرة والسلوكات العدوانية السلبية؛ فقد يتعمد الشريك المخدوع إحراج الطرف الآخر وتقليل شأنه في المناسبات العامة أمام العائلة أو في اللحظات الخاصة، أو قد يلجأ إلى حرمان الشريك من العلاقة الزوجية كأداة للسيطرة والعقاب.
كما قد تصل بعض التصرفات إلى حد سلب حرية الشريك وفرض وصاية قاسية عليه بدافع تأديبه، وهو ما يغير طبيعة العلاقة الزوجية ويحولها إلى علاقة عقابية لا تختلف عن عقاب الأطفال.
الجذور النفسية لعدم القدرة على التجاوز
تُظهر التحليلات النفسية أن الشريك المتضرر الذي يعجز تمامًا عن تجاوز الأزمة ويصر على نهج العقاب والاستنزاف المستمر، غالبًا ما يكون محركًا بأزمات نفسية سابقة أعمق من حادثة الخيانة ذاتها.
فقد يعود هذا السلوك إلى صدمات خيانة قديمة عاشها في علاقات سابقة، أو تجارب خيانة شهدها في أسرته، أو نتيجة وجود سمات نرجسية تمنعه من قبول الفكرة أو تجاوزها بشكل متزن
. وفي المقابل، فإن قبول الشريك الخائن لاستمرار العقاب والتعنيف لفترات طويلة قد ينبع من شعور جارف بالذنب يجعله يشعر باستحقاقه لهذا الأذى. إلا أن استمرار هذا النمط دون وضع حدود صحية أو معالجة الأسباب التي أدت إلى الجفاء العاطفي، يعرض العلاقة لخطر الانهيار؛ فالتعافي الحقيقي يقتضي الانتقال من رد الفعل الصادم والرغبة في العقاب إلى الفهم والعمل المخلص على بناء مستقبل آمن ومستقر للطرفين.
