مع عمل الزوجين.. كيف تغيّرت الحياة الأسرية في السعودية؟
احتلت المرأة مكانة بارزة في رؤية 2030، وهو ما انعكس على تراجع معدلات البطالة بين النساء، واتساع مشاركتهن في سوق العمل.
وبدلًا من أن يكون الرجل المعيل الوحيد للأسرة، أصبحت المرأة شريكًا في المسؤوليات المالية، وهو تحوّل قد ينعكس بدوره على طبيعة العلاقة الزوجية وتوازن الأدوار داخل الأسرة.
فكيف تغيّرت علاقة الرجل والمرأة في ظل هذه التحولات؟ وكيف يمكن للأزواج الحفاظ على دفء العلاقة وسط ضغوط العمل ومتطلباته؟
كيف استوعب سوق العمل المرأة في خضم رؤية 2030؟
حسب الهيئة العامة للإحصاء، فقد انخفض مستوى البطالة بين الإناث السعوديات، ما جعلهنّ أقرب تدريجيًا إلى مستوى الذكور، بما يعني أنّه لكل اثنين من الذكور العاملين، هناك أنثى واحدة على الأقل عاملة.
كما أظهرت مؤشرات سوق العمل للربع الأول من عام 2026، الصادرة عن الهيئة، تراجع معدل البطالة بين الشابات السعوديات اللاتي تراوحت أعمارهن بين 15 و24 عامًا بمقدار نقطتين مئويتين، ليصل إلى 20.4%.
ويدلّ ذلك على تحوّل هيكلي في الأسرة السعودية، من نموذج الرجل بوصفه المعيل الوحيد للأسرة إلى نموذج يتشارك فيه الزوجان مسؤوليات العمل والإعالة.
كيف انعكس عمل الأزواج على العلاقة الزوجية؟
حين تذهب الزوجة إلى العمل، يصبح الوقت الذي يتعيّن عليها قضاؤه في القيام بالأعمال المنزلية محدودًا، ما يستلزم مساعدة الزوج أو استئجار مُدبّرة منزل.
ومن الطبيعي أن ينعكس عمل الزوجين معًا على علاقتهما داخل المنزل؛ إذ تنطوي بيئة العمل بطبيعتها على ضغوط قد لا يتمكّن الزوجان من تركها خارج المنزل، بل قد تمتد آثارها إلى حياتهما اليومية، كما يتضح فيما يأتي، وفقًا لمنصة Psychology Today:
1. انتقال التوتر بين الزوجين
المزاج مُعدٍ بين الزوجين، فحتى لو بذل أحدهما جهدًا للابتسام وإخفاء التوتر والانفعال، فقد وجدت الدراسات أنّ هذه المشاعر من المرجّح أن تتسرّب وتؤثّر في مزاج الشريك. وقد يصعب أن يكون المرء مبتهجًا بينما يكون الشريك سريع الانفعال ومتوترًا.
2. الانشغال المستمر
حين يمرّ أحد الزوجين أو كلاهما بأمور مزعجة في العمل، فمن المرجّح أن يستمر ذلك عند العودة إلى المنزل.
وبدلًا من قضاء المساء في مسامرة لطيفة أو تبادُل كلمات الحبّ، فإنّ الزوجين قد يقضيان الوقت في التفكير فيما قاله زميل مُعادٍ في العمل، أو كيف قام الرئيس في العمل بالضغط عليهما وما إلى ذلك.
ولكن المشكلة أنّ الشريك قد يرى أنه يتعرض للتجاهل، حتى لو لم يقصد الطرف الآخر ذلك؛ خصوصًا إذا كانت مهام العمل كثيفة وتترك تأثيرها بنهاية اليوم، ما قد يزيد الفجوة العاطفية بين الأزواج.
3. تراجُع القدرة على أداء المسؤوليات المنزلية
عندما يكون العمل شاقًا للغاية، فمن الطبيعي أن يشعر المرء بإرهاقٍ شديد، يجعله غير قادر على متابعة واجباته المنزلية.
وربّما يتعلّق الأمر في البداية بأشياء بسيطة، مثل البقالة أو غسل الأطباق، وربّما يتجاهل الشريك ذلك أيضًا لأنّه يدرك مدى التوتر والإرهاق الذي تشعر به.
ولكن قد يُصبِح هذا هو الوضع الطبيعي الجديد، ما قد يترك الشريك في النهاية مرهقًا ومستاءً، وإن لم يُبدِ ذلك بعد.
ماذا عن العمل عن بُعد؟
قد يختلف الأمر قليلًا في حالة عمل الزوجين عن بُعد، فقد أشارت دراسة عام 2022 في مجلة "Frontiers in Public Health" إلى أنّ العمل عن بُعد أدّى إلى تحسين العلاقات الأُسرية، كما كان للعمل عن بُعد علاقة إيجابية بالوقت الذي يقضيه أفراد الأُسرة معًا.
ولكن لم تكُن هناك علاقة إجمالية ذات دلالة إحصائية بين العمل من المنزل والتوازن بين العمل والحياة الشخصية، ولكن كان العاملون الأكبر سنًا -عن بُعد- يميلون إلى زيادة التوازن بين العمل والحياة الشخصية.
ومع ذلك أشارت دراسة أخرى عام 2026 في مجلة "Journal of the Association for Information Systems" إلى عيوب عمل الأزواج من المنزل؛ إذ توصّلت إلى أنّ استخدام التقنية المرتبطة بالعمل خلال الوقت الشخصي، كان مرتبطًا باستنزاف الموارد المعرفية والعاطفية المحدودة للأفراد.
وهذا أدّى إلى ما أسماه الباحثون "الإحباط بعد العمل"، الذي يعكس المشاعر السلبية التي يشعر بها الناس حين لا يتمكّنون من الوفاء بالأنشطة العائلية أو المسؤوليات الشخصية، بسبب الانقطاعات المتعلّقة بالعمل.
كما كشفت الدراسة أيضًا عن ارتباط الإحباط بعد العمل بزيادة الإنتاجية الوظيفية على المدى القصير؛ إذ أعاد الأفراد توجيه مواردهم المحدودة نحو مهام العمل، مدفوعين بشعور أكبر بإمكانية النجاح والتقدير. إلا أن هذا الارتفاع في الإنتاجية جاء على حساب العلاقات الأسرية.
النساء أكثر تأثّرًا في العمل عن بُعد
كما بيّنت الدراسة معاناة النساء من آثار سلبية أقوى بكثير من تدخلات العمل مقارنةً بالرجال؛ إذ رغم زيادة مشاركة المرأة في القوى العاملة، استمرّت المرأة في تحمّل مسؤولية أكبر عن الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال والحفاظ على العلاقات.
ووجدت الدراسة أنّ النساء يتأثّرن سلبًا أكثر لعدم تلبية متطلبات الأُسرة، في حين يواجه الرجال تقليديًا ضغوطًا أكبر لتلبية متطلبات العمل.
كيف يحافظ الأزواج على دفء المودة رغم ضغوط العمل؟
لا يعني ما سبق أنّ يضيع الحبّ بين الزوجين وسط مسؤوليات العمل، وإنّما يمكِن الحفاظ على الحبّ وتوازن العلاقة رغم الضغوط من خلال:
1. وضع حدود واضحة بين العمل والحياة الأسرية
ينبغي وضع حدود فاصلة جسدية ونفسية بين الحياة المهنية والأسرية لحماية الأزواج من تأثير ضغوط العمل، وهذا يعني تحديد أوقات مُعيّنة تكون فيها مناقشات العمل محظورة، وإنشاء طقوس تساعد على الانتقال من وضع العمل إلى الوضع المنزلي.
وذلك بالانخراط في بعض الأنشطة عند العودة إلى المنزل من العمل، مثل القيام بنزهة قصيرة أو الانخراط في هواية مُحبّبة قبل أن يتفاعل الزوجان معًا، فهذا الوقت الانتقالي يسمح للعقل بتغيير وجهته، بحيث يكون كل من الزوجين أكثر حضورًا مع الآخر.
وفي حالة العمل عن بُعد، فمن الضروري تحديد ساعات عمل محددة وأخذ فترات راحة منتظمة، فهذا يساعد على خلق روتين، ويمنع امتداد العمل إلى الوقت الشخصي بين الأزواج.
كما ينبغي للأزواج احترام ساعات العمل وأوقات الراحة أيضًا، فهذا الاحترام المتبادل يخلق بيئة داعمة، حيث يمكِن لكلا الشريكين التركيز على عمله دون انقطاعات غير ضرورية.
2. التواصل الواضح
كذلك ينبغي أن يحرص الأزواج على التواصل الصادق والمنتظِم بشأن ضغوط العمل وتأثيرها في العلاقة، بتحديد موعد لإجراء لقاءات أسبوعية مثلًا بينهما بهدف مناقشة تأثير ضغوط العمل عليهما، مع تركيز هذه المحادثات على حلّ المشكلات بدلًا من مجرّد التنفيس عن الإحباطات.
أيضًا ينبغي للأزواج أن يكونوا مُحدّدين في نوع الدعم الذي يحتاجون إليه من الشريك، فبعض الأزواج يحتاج إلى مساعدة عملية في مهام المنزل، بينما يحتاج آخرون إلى دعم عاطفي وتفهّم أكثر من أي شيء آخر.
3. مهارة إدارة التوتر
كما ذكرنا أن التوتر مُعدٍ بين الأزواج، ومِنْ ثمّ يحتاج كلا الزوجين إلى تعلّم مهارات إدارة التوتر، التي تبدأ بالرعاية الذاتية من خلال ممارسة التمارين الرياضية بانتظام، والنوم الكافي، والتغذية الصحية.
كذلك تساعد تقنيات الاسترخاء، مثل التنفّس العميق والاسترخاء العضلي التدريجي على التعامل مع ضغوط العمل دون الحاجة إلى إحضارها داخل المنزل.
وربّما يستفيد الزوجان من دمج أنشطة الاسترخاء في روتينهما اليومي المُشترك، فهذا لا يساعد فقط على إدارة التوتر، بل يعزّز التواصل بين الزوجين أيضًا.
4. تقسيم الأعباء المنزلية
عند تقسيم الأعباء المنزلية، من المهم أن يُؤخَذ في الحسبان مسؤوليات الأزواج الأخرى داخل المنزل وخارجه.
فمثلًا إذا كان أحد الزوجين يعمل بدوامٍ جُزئي، بينما يعمل الآخر بدوامٍ كامل، فقد يكون من الإنصاف للعامِل بدوامٍ جزئي أن يتولّى مهام منزلية أكثر من شريكه.
فعندما تُقسّم الأعمال المنزلية بعدل، فإنّ كلاً من الزوجين يحترم ويحمي وقت الآخر بنفس القيمة التي يتعامل بها مع وقته.
وفي النهاية، فإنّ طريقة تعامُل الأزواج مع ضغوط العمل -التي ربما لا يمكن تفاديها- هو ما يُحدِّد شكل العلاقة الزوجية في نهاية المطاف، ويرسم مسارها الذي يتّخذه الزوجان بأفعالهما كلّ يوم.
