متلازمة ويندي.. حين يتحمّل أحد الزوجين أعباء العلاقة كاملة
يزدهر بيت الزوجية يومًا بعد آخر حين يتحمّل كل من الزوجين مسؤولياته، ويقدّم للآخر الدعم والمساندة عند الحاجة. لكن هل يستمرّ هذا البيت في الازدهار حقًا إذا كان أحد الزوجين يتحمّل كل شيء، ويبدو راضيًا في الظاهر، بينما يصارع نفسه في صمت كل يوم؟
هذا لا يحدث فجأة عادةً، وإنّما بسبب نمط ما ينشأ في العلاقات، يُعرَف بمتلازمة ويندي؛ إذ يتولّى أحد الزوجين دورًا أبويًا تجاه الآخر، يتحمّل عنه مسؤولياته بالكامل تقريبًا، بل وهو سعِيد -على الأقل في البداية- بذلك، ولكن كيف تؤول العلاقة الزوجية إلى هذا الحال؟ وكيف يمكن استعادة التوازن مرة أخرى؟
ما هي متلازمة ويندي؟
متلازمة ويندي (Wendy syndrome) هي نمط في العلاقات يتولّى فيه أحد الشريكين دورًا أبويًا قهريًا تجاه الآخر؛ إذ يدير هذا الشخص الأسرة، وينظّم مشاعر الشريك، ويتوقّع كلّ الاحتياجات، ويتحمل ثقل الحفاظ على العلاقة.
ويعود مصطلح متلازمة ويندي إلى عالِم النفس "دان كيلي"، الذي قدّمه في كتابه "معضلة ويندي" عام 1984، والذي كتبه كمرافق لعمله السابق "متلازمة بيتر بان"؛ إذ يؤدي أحد الشريكين دور الطفل الأبدي، بينما يؤدي الآخر دور القائم على الرعاية الذي لا يكلّ ولا يملّ.
مراحل متلازمة ويندي في العلاقة
تمرّ متلازمة ويندي بدورة مكوّنة من 4 مراحل، تتضمّن:
المرحلة الأولى: نشوة الإنقاذ
يتدخّل مقدِّم الرعاية للتعامل مع شيء يعانيه الشريك، ويكافئ الدماغ هذا السلوك باندفاع الدوبامين بسبب الشعور بحاجة الشريك إليه، وقد يتطوّر الأمر إلى التطوّع للقيام بمسؤوليات الشريك دون أن يُطلَب منه ذلك، ولكن يبدأ اختلال التوازن في العلاقة من هنا قبل أن يلحظه أي من الشريكين.
المرحلة الثانية: استيعاب المسؤولية
بمرور الوقت يتلاشى الاندفاع الأولي، لكن يستمرّ السلوك، فقد استوعب مُقدِّم الرعاية بصمت العبء العاطفي وإدارة الخلافات حتى إدارة الأمور المالية في العلاقة في كثيرٍ من الأحيان.
ويتحمّل المرء تلك المهام لأنّها تبدو أسهل من سؤال الشريك، كما يبحث عن أعذار لتجنّب الشريك لتلك المهام أو عدم كفاءته فيها.
ورغم إحساس مقدِّم الرعاية بالإرهاق جراء المهام التي يتحمّلها، فإنّ ذلك يُترجَم لديه على أنّه إخلاص للشريك الذي لا يستطيع العيش من دونه حقًا، ما يثبّت ديناميكية العلاقة على هذا المنوال.
المرحلة الثالثة: الاستياء الصامت
ما دام هناك من يتحمّل، فلماذا لا يُلقَى على عاتقه المزيد؟ هنا تصبح التكلفة العاطفية ثقيلة، وغالبًا لا يستطيع مُقدِّم الرعاية التعبير عنها حتى لنفسه.
ولكن قد يتسرّب الاستياء في التعليقات السلبية العدوانية أو في سجلٍ خاصٍ يستدعيه المرء من الذكريات عن التضحيات التي لا يتم التحدث عنها.
والمثير أنّ تلك النوبات العاطفية سُرعان ما يتبعها إفراط متجدد في الأداء كشكل من أشكال التصحيح الذاتي، كأنّ تكليف الشريك بالمهام المنوط بها بدلًا من تحمّلها عنه أمر لا يصحّ.
وداخليًا تتأرجح مشاعر مقدّم الرعاية بين الغضب ولوم الذات، كما يشعر بأنّه غير مُقدَّر ومحاصر في تلك العلاقة، ولكنه يعجز عن تبرير تلك المشاعر لنفسه، فتظلّ العلاقة معاملاتية على الأرجح وتغيب منها الحميمة العاطفية الحقيقية.
المرحلة الرابعة: ذوبان الهويّة
لم يعُد بإمكان مقدّم الرعاية تحديد موقعه خارج هذا الدور، بل لو سُئل عمّا يريده حقًا في الحياة، لربما لا يستطيع الإجابة، فلقد تخلّى عن الهوايات، وتلاشت الصداقات بهدوء، وربّما ظهرت عليه أعراض الاكتئاب أو القلق، وغالبًا ما بدأ التوتر المزمن ينعكس على صحته الجسدية.
ولا يكون هناك سوى خواء داخلي، وحُزن على الذات التي يعرف المرء أنّها موجودة، لكنّه غير قادر على العثور عليها.
وربّما لا تزال العلاقة سليمة ظاهريًا، ولكن الشخص الموجود اختفى حقًا، واستُبدِل بالكامل بالوظيفة التي يؤدِّيها.
كيف تظهر متلازمة ويندي في العلاقة الزوجية؟
وينعكس ما سبق في العلامات الأوضح لمتلازمة ويندي في العلاقة الزوجية التي تضم:
- اتخاذ القرارات للشريك لأنّ ذلك يبدو أسهل من مشاهدته وهو يكافح أو يختار بشكل سيئ.
- إدارة جدول الشريك الزمني أو شؤونه المالية أو مسؤولياته، كما لو كانت مدرجة في قائمة المهام الخاصة بك.
- الاعتذار نيابةً عن الشريك للأصدقاء أو العائلة أو زملاء العمل لتسوية الأمور.
- مراقبة الحالة العاطفية للشريك والحرص على تحسين مزاجه لتجنّب انفعاله أو ما شابه.
- الشعور بالقلق أو التهديد حين يحاول الشريك الاستقلال، حتى لو كان هذا الاستقلال صحيًا.
- التعامل مع إخفاقات الشريك على أنّها إخفاقاتك، وحمل الشعور بالذنب والعار على النتائج التي لا تقدر على التحكّم بها.
ما العلاقة بين متلازمة ويندي ومتلازمة بيتر بان؟
عادةً ما ترتبط متلازمة ويندي بديناميكيات معيّنة في العلاقة، فحين يكون أحد الشريكين نرجسيًا وغير موثوق به، فقد تنطبق عليه سمات "متلازمة بيتر بان"، بينما حين يعاني الشريك الآخر لفترة طويلة ويكون مكتئبًا، فقد تنطبق عليه سمات متلازمة ويندي، حسب المجلة الأسترالية والنيوزيلندية للطب النفسي.
وتصف متلازمة بيتر بان البالغين الذين يبدو أنّهم غير قادرين على تحمّل المسؤوليات التي تأتي مع الحياة بعد البلوغ، وقد يعتمدون على شركائهم لتحمّل هذه الأعباء.
وقد رأى "دان كيلي" أنّهما نصفان لنفس الديناميكية، فالمصاب بمتلازمة ويندي يحتاج إلى وجود شخص لإنقاذه، والمصاب بمتلازمة بيتر بان يحتاج إلى شخص لإدارة حياته نيابةً عنه، وكلّ دور يعزّز الآخر.
لماذا يضع بعض الأشخاص احتياجات شركائهم قبل احتياجاتهم دائمًا؟
قد تعود الجذور النفسية لتفضيل الشريك على الذات دائمًا إلى ما يأتي على سبيل المثال وليس الحصر:
1. ضعف الثقة الذاتية
من علامات ضعف الثقة بالنفس الرغبة في إرضاء الآخرين، بل ربّما يصير المرء خبيرًا في الحفاظ على السلام من خلال التضحية بالسعادة الشخصية في سبيل إبقاء الآخر سعيدًا. وربّما يبدو هذا سليمًا لأول وهلة، ولكنّه يضر العلاقة على الأمد الطويل.
لكن ثمة علامات أخرى لضعف الثقة بالنفس، مثل السعي إلى التأكّد دائمًا من أنّ المرء مقبول لدى الشريك، وتجنّب التواصل الواضح لتجنّب الخلافات أو الرفض.
2. عُقدة المُخلِّص
يعاني بعض الناس ما يُعرَف "بعُقدة المُخلِّص أو المُنقِذ"، التي تصف الحاجة إلى إنقاذ الآخرين من خلال إصلاح مشكلاتهم لهم؛ إذ يشعر المرء بالرغبة في بذل قصارى جهده لمساعدة غيره، حتى لو لم يكُن الآخرون بحاجة إلى المساعدة.
وحسب "Cleveland Clinic"، فإنّ عقدة المُخلِّص قد تجعل العلاقات متوترة، كما قد يتراكم الاستياء أو الشعور بالفشل لدى من يحاول مساعدة الشريك.
ما الإشارات الدالة على أنك بدأت تفقد نفسك في العلاقة؟
طبيعي أن تدعم شريكك ما مضت بكما الحياة، ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب هويتك واحتياجاتك ورفاهيتك، بل الحفاظ عليها سواء بسواء مع هويته واحتياجاته ورفاهيته هو التوازن المطلوب.
وإنّ فقدان النفس لصالح العلاقة يتطلّب وضع قِيمك أو اهتماماتك أو حدودك جانبًا باستمرار إلى الحد الذي يصبِح فيه شعورك بذاتك مُستمدًا من العلاقة وليس من قِيمك مثلًا أو أي شيء آخر.
كيف تضع حدودًا صحية دون الشعور بالذنب؟
ليس من الضروري تحمّل كل شيء عن الشريك، وهذا ليس صحيًا للعلاقة كما اتضح، لذا فيما يأتي بعض النصائح للحفاظ على توازن العلاقة دون الشعور بالذنب أو الاستمرار في تحمّل كل شيء:
1. البدء بتجارب سلوكية صغيرة
أجرِ بعض التجارب السلوكية الصغيرة مع الشريك، بأن تدعه مثلًا يتعامل مع شيء تتولّى إدارته عادةً، ثُمّ لاحظ ما يحدث حقًا مقابل ما كُنت تخشى حدوثه.
فهذه تقنية أساسية في العلاج السلوكي المعرفي، والتي تساعدك على تحديد التنبؤات الكارثية التي تمتلكها مسبقًا، واختبارها أمام الواقع، فكلّ تجربة صغيرة ناجحة تبني دليلًا على أنّ العلاقة يمكن أن تزدهر حتى لو أرخيت يديك قليلًا عمّا تتحمّله.
2. أوقِف سلوكاتك التي تفاقِم المشكلة
إنّ إيقاف بعض السلوكات، مثل الترتيب بعد الشريك في كلّ مرة يُحدِث فيها فوضى، أو دفع فواتيره، قد يدفع الشريك إلى إدراك الحاجة إلى التغيير.
ولكن ضع في حسبانك أنّ انتظار تغييرات جذرية أمر غير واقعي؛ إذ لا يحدث التغيير بين ليلة وضحاها، بل سيتعيّن عليك الصبر بينما تنتظر لترى التغييرات في سلوكات الشريك.
نعم، قد تراودك بعض الأسئلة التأنيبية حين تحاول التراجع عن دورك المُعتاد، ولكن سَل نفسك بوضوح:
- هل أفعالك تساعدك حقًا أم تؤذيك على الأمد الطويل؟
- هل يستحق الأمر تحمّل مسؤوليات العلاقة كافة بمفردك؟
- هل أنت سعيد وراضٍ حقًا في هذه العلاقة؟
3. أعِد التواصل مع ذاتك
لا ينبغي أن تنسَ نفسك وسط كلّ ذلك، وأن تعِيد تواصلك مع ذاتك من جديد، بأن تُذكِّر نفسك بما استمتعت به قبل هذه العلاقة، والهوايات والاهتمامات الشخصية التي كانت لديك، والتي تستحق استعادتها، ولو بخطوات صغيرة كل يوم.
وهذه ليست أنانية، بل هي الطريقة التي تعِيد بها بناء ذاتك التي محاها نمط ويندي ببطء في العلاقة.
ومن المهم بالقدر ذاته تعلّم كيفية تحمّل انزعاج الشريك، والسماح له بالنضال أو الفشل أو الشعور بالإحباط دون التسرّع في إصلاحه، فهذه هي النقطة الأصعب في تلك الرحلة الطويلة، التي ينبغي أن تفضِي في النهاية إلى علاقة متوازنة بينكما، يتحمّل فيها كلّ طرف مسؤولياته، ويُقدِّم يد العون للآخر عند الحاجة الحقيقية إليه.
