لماذا تشعر النساء باضطرابات القلق أكثر من الرجال؟
اضطرابات القلق من أكثر حالات الصحة النفسية انتشارًا في العالم، إذ تمس قرابة ثلث سكان الكوكب في مرحلة ما من حياتهم. غير أن دراسة جديدة نُشرت في مجلة Psychological Medicine كشفت أن ما يجمع الجنسين في هذا الاضطراب قد لا يكون بقدر ما كان يُظن، فالمسارات الجينية التي تقود إلى القلق تختلف اختلافًا جوهريًا بين المرأة والرجل.
لماذا تتفاوت معدلات تشخيص القلق بين الجنسين؟
تُشخَّص النساء باضطرابات القلق بمعدل ضعفَي ما يُشخَّص به الرجال، وتشمل هذه الاضطرابات القلق العام، ونوبات الهلع، والرهاب المحدد، والخوف من الأماكن العامة.
وقد ركّز البحث السابق في تفسير هذا الفرق على العوامل الثقافية، والتقلبات الهرمونية، والفروقات في تنشيط الدماغ.
تختلف أعراض القلق أيضًا بين الجنسين؛ فالنساء أكثر ميلًا إلى الأعراض الداخلية وكثيرًا ما يعانين الاكتئاب إلى جانب القلق، بينما يُظهر الرجال سلوكات خارجية ويلجؤون إلى المواد الممنوعة أسلوبًا للتكيّف مع ضغوطهم النفسية.
كانت الدراسات الجينية الواسعة النطاق السابقة تدمج بيانات الجنسين معًا، وهو نهج يُخفي أخطار جينية قد تخص جنسًا بعينه. وقد جاءت هذه الدراسة الجديدة لتعالج هذا الإشكال بتحليل منفصل دقيق لكل منهما.
علاقة الجينات بالقلق
قاد الدراسةَ الباحثانِ جيهوا هو وبريتاني ميتشيل من معهد QIMR Berghofer للبحوث الطبية وجامعة كوينزلاند في أستراليا، إذ حلّلا البيانات الجينية والصحية لـ455,487 فردًا من أصول أوروبية، مستعينَين ببيانات UK Biobank وبرنامج All of Us البحثي.
وفي المرحلة الأولى، قارن الفريق المظاهر الجينية لمن يعانون القلق الجيني بمن لا تظهر لديهم أي تشخيصات نفسية، وأسفر ذلك عن تحديد 56 متغيرًا جينيًا مرتبطًا بالقلق، وحين فُصلت البيانات، ضمّت المجموعة الأنثوية 281,831 فردًا فيما ضمّت الذكورية 173,656.
وكشف التحليل المنفصل عن 21 متغيرًا جينيًا مرتبطًا بالقلق لدى الإناث، مقابل خمسة فحسب لدى الذكور، ولم يتشارك الجنسان سوى متغير جيني واحد.
كما وجد الباحثون أن الرجال يحتاجون إلى تراكم أكبر من العوامل الجينية والبيئية لتجاوز العتبة إلى القلق السريري.
اختلاف القلق الجيني بين الجنسين
رصد الباحثون مسارات بيولوجية مختلفة تمامًا بين الجنسين؛ فلدى النساء، ارتبطت الجينات المحددة بتنظيم الكروماتين ونقل حاسة الشم، وتنظيم الكروماتين عملية خلوية تتحكم في التعبير الجيني وقد تؤثر في حساسية الفرد للضغوط البيئية.
أما ارتباط القلق الجيني بحاسة الشم لدى النساء فله أساس تطوري؛ إذ تُعالَج معلومات الرائحة مباشرة في اللوزة الدماغية المرتبطة بالاستجابة للتهديد، وقد أثبتت دراسات نفسية سابقة أن النساء المصابات بالقلق يُبلّغن عن حساسية مرتفعة للروائح، ما يتسق مع هذه النتائج الجينية.
وفي المقابل، ارتبطت جينات القلق الجيني لدى الرجال أساسًا بأيض البروتينات الدهنية المسؤولة عن نقل الدهون في الجسم.
وحين يتعرض الشخص للضغط، يُعبّئ الجسم موارد الطاقة رافعًا مستويات البروتينات الدهنية، غير أن الهرمونات الجنسية تجعل الأيض الدهني مختلفًا بين الجنسين، ما يُفسّر هذا التباين في المسارات.
ما علاقة القلق بالاضطرابات الصحية الأخرى؟
قارن الباحثون الأخطار الجينية للقلق بالملامح الجينية لـ28 حالة نفسية وجسدية أخرى، فكشفوا عن ترابطات محددة بكل جنس. لدى النساء، ارتبط الخطر الجيني للقلق ارتباطًا وثيقًا بالاستعداد لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) وارتفاع مؤشر كتلة الجسم (BMI).
ونبّه الباحثون إلى أن أعراض ADHD عند النساء قد تظهر في صورة قلق بالدرجة الأولى، ما يُفضي أحيانًا إلى إغفال التشخيص الصحيح.
لدى الرجال في المقابل، ارتبط الخطر الجيني بنسبة الخصر إلى الورك المعدّلة وفق مؤشر كتلة الجسم، وهو مقياس يعكس توزيع الدهون المركزية لا الوزن الإجمالي، وهذا النوع من الدهون مرتبط بتنظيم الأنسولين والمسارات الجينية الخاصة بأيض البروتينات الدهنية التي رصدتها الدراسة.
أنشأ الفريق درجات جينية متعددة الجينات (Polygenic scores) واختبرها في ثلاث مجموعات مستقلة، فوجد أن الدرجة المستخلصة من بيانات النساء أفضل في التنبؤ بالقلق داخل المجموعة الأنثوية العامة.
