متلازمة ما بعد النشوة.. حين تنقلب المتعة إلى معاناة
قد يشعر بعض الرجال بالإرهاق أو النعاس بعد العلاقة الحميمة، وهو أمر طبيعي؛ إذ تسهم العلاقة في الاسترخاء من خلال تحفيز إفراز هرمونات في الجسم، مثل الدوبامين والأوكسيتوسين.
ولكن في حالات نادرة، قد يعاني بعض الرجال تعبًا شديدًا أو حمى أو مزاجًا مضطربًا أو أعراضًا شبيهة بالإنفلونزا في متلازمة تُعرَف "بمتلازمة ما بعد النشوة".
فلماذا قد يعاني بعض الرجال تلك المتلازمة؟ وإلى متى تستمر أعراضها؟ وهل يتوافر علاج لها؟
ماذا يحدث للجسم بعد النشوة الجنسية في الظروف الطبيعية؟
يفرِز الدماغ الدوبامين والأوكسيتوسين بعد الوصول إلى النشوة الجنسية، وهما مادتان كيميائيتان تبعثان على الشعور بالسعادة، كما يُفرِز الدماغ أيضًا مواد أفيونية طبيعية؛ تُسمّى الإندورفين (الذي يُطلَق أيضًا عند ممارسة التمارين الرياضية).
كذلك قد ينخفض نشاط مناطق الدماغ المرتبطة بالخوف والقلق؛ ما قد يساعد على الشعور بمزيدٍ من الاسترخاء، وتنخفض أيضًا مستويات الكورتيزول، وهو هرمون التوتر.
وقد تُسهِم النشوة الجنسية في تسكين الآلام، نظرًا لمادة الإندورفين الطبيعية المُفرَزة.
ما هي متلازمة ما بعد النشوة؟
متلازمة ما بعد النشوة (Post orgasmic illness syndrome) حالة نادرة تتسم بظهور سريع لأعراض تشبه أعراض الإنفلونزا، مثل الحمى والتعب الشديد وحرقان العينين بعد القذف، تليها اضطرابات ذهنية أكثر، مثل صعوبة التركيز وسُرعة الانفعال.
وكما يتضح فهذا على النقيض تمامًا من رد الفعل الطبيعي للجسم بعد بلوغ النشوة الجنسية.
وتضمّ المعايير الخمسة الأولية للمتلازمة حسب ورقة بحثية منشورة عام 2016 في دورية "Translational Andrology":
- المعاناة من واحد أو أكثر من الأعراض التالية: الإحساس بحالة تشبه الإنفلونزا، أو التعب الشديد أو الإرهاق، أو ضعف العضلات، أو الحمى أو التعرق، أو اضطرابات المزاج و/أو التهيج، أو صعوبات الذاكرة، أو مشكلات التركيز، أو احتقان أو سيلان الأنف، أو الكلام غير المترابط، أو حكّة العينين.
- تحدث جميع الأعراض على الفور (في ثوانٍ مثلًا) أو قريبًا (في دقائق مثلًا)، أو في غضون ساعات قليلة بعد القذف.
- تحدث الأعراض دائمًا أو دائمًا تقريبًا (في أكثر من 90% من حالات القذف مثلًا).
- تستمر معظم الأعراض لمدة تراوح بين 2 إلى 7 أيام.
- تختفي الأعراض تلقائيًا.
ما أعراض متلازمة ما بعد النشوة؟
تختلف أعراض المتلازمة بدرجة كبيرة من رجلٍ لآخر، ولكنّها تُصنّف وفق سبع مجموعات:
- المجموعة 1 (المجموعة العامة): إرهاق شديد، وخفقان، ومشكلات في العثور على الكلمات المناسبة، وعُسر النطق، وكلام غير متماسك، وصعوبات في التركيز، وسرعة انفعال، وعدم القدرة على تحمل الضوضاء وكذلك الضوء، ومزاج مكتئب.
- المجموعة 2 (مجموعة تشبه الإنفلونزا): حمى، ودفء شديد، وتعرّق، وقشعريرة، وشعور بالمرض، وشعور بالبرودة.
- المجموعة 3 (مجموعة الرأس): صُداع، وشعور بصعوبة التفكير، وشعور بثقل في الرأس.
- المجموعة 4 (مجموعة العيون): حرقان، واحمرار العينين، وتشوش الرؤية، وعيون دامعة، وتهيّج وحكّة وألم العيون.
- المجموعة 5 (مجموعة الأنف): احتقان الأنف، وسيلان الأنف، والعطس.
- المجموعة 6 (مجموعة الحلق): طعم غير سارّ في الفم، وجفاف الفم، والتهاب في الحلق، وسعال بدغدغة، وبحّة في الصوت.
- المجموعة 7 (مجموعة العضلات): شدّ في عضلات الظهر أو الرقبة، وضعف العضلات، وألمها، وثقل الساقين، وتصلّب العضلات.
متى تبدأ الأعراض وكم تستمر؟
قد تحدث الأعراض على الفور بعد النشوة الجنسية، أو في غضون دقائق أو ساعات، كما تستمر عادةً لمدة يومين إلى 7 أيام، وتزول الأعراض تلقائيًا.
الشعور بالنعاس بعد العلاقة الحميمة.. كيف يختلف عن المتلازمة؟
يعد الشعور بالنعاس -قد يشتبه لدى بعض الناس مع التعب- طبيعيًا بعد العلاقة، وليس هناك سبب دقيق له، ولكن يُعتقَد أنّ له علاقة بإطلاق هرمونات كالأوكسيتوسين والفازوبريسين، فهما مرتبطان أيضًا بالنوم.
وغالبًا ما يصاحب إطلاقها أيضًا الميلاتونين؛ الهرمون الذي ينظّم ساعات النوم.
كما يُعتقَد أنّ الأوكسيتوسين يقلّل مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى الاسترخاء والنعاس.
وهذا مختلف عن التعب أو الإرهاق الناجم عن متلازمة ما بعد النشوة؛ إذ قد تصحبه أعراض شبيهة بالإنفلونزا، مثل الحمى وسيلان الأنف، أو أعراض أخرى.
ما أسباب متلازمة ما بعد النشوة؟
السبب الدقيق للمتلازمة غير واضح، ولكن النظرية الأكثر قبولًا حاليًا هي أنّ الأعراض تنتج عن رد فعل تحسسي من النوعين الأول والرابع تجاه السائل المنوي الذاتي.
وتدعم هذه النظرية الأعراض السريرية للمتلازمة، فضلًا عن حقيقة أنّ 88% من الرجال المُشتبَه في إصابتهم بالمتلازمة، كانت نتائج اختبارات وخز الجلد (اختبار حساسية) إيجابية للسائل المنوي الذاتي المُخفّف.
ورغم أنّ الحيوانات المنوية مُحصّنة من المناعة نظرًا لحاجز الدم الخصوي، والاختلافات الجينية مقارنةً بالحمض النووي الخاص بالفرد، فقد أثّرت المتلازمة حتى في الرجال الذين خضعوا للتعقيم، حسب دراسة عام 2011 في مجلة الطب الجنسي "The Journal of Sexual Medicine".
وهذا يشير إلى أنّ الاستجابة المناعية التي هي سبب المتلازمة، يُحتمَل أن أن تكون تجاه مُستضد داخل السائل المنوي وليس السائل المنوي نفسه.
كيف يتم تشخيص متلازمة ما بعد النشوة؟
من الصعب تشخيص المتلازمة؛ خصوصًا أنّ أعراضها قد تظهر أيضًا لدى الرجال غير المصابين بأي شكل من أشكال الحساسية.
كما أنّ هناك اختبارًا قد يكون مفيدًا في التشخيص، وهو التوقف عن العلاقة الحميمة قبل حدوث الأحاسيس الأولى للقذف الوشيك، ولكن ليس من السهل القيام بذلك بالطبع.
ولكن في معظم الحالات المصابة بالمتلازمة، يلاحظ الرجال أنّهم لا تظهر عليهم الأعراض بعد إجراء هذا الاختبار.
كما قد تجرى اختبارات نفسية أو عصبية لاستبعاد الأسباب الأخرى المحتملة للأعراض.
هل توجد علاجات لتخفيف أعراض المتلازمة؟
من النادر تشخيص المتلازمة، ومِنْ ثمّ لا يوجَد علاج واحد معروف بفاعليته، وثمّة تقارير عن علاجات مختلفة، تتنوّع بين مضادات الاكتئاب من فئة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، والمهدّئات، والعلاج المناعي، ومضادات الالتهاب غير الستيرويدية.
ومن بين الخيارات العلاجية التي اختُبِرت:
1. إزالة التحسّس
حاول بعض الباحثين -حسب دراسة عام 2020 في دورية "Journal of Sex & Marital Therapy" إزالة التحسّس عن طريق حقن المرضى بالسائل المنوي الذاتي المُخفّف، وزيادة التركيز تدريجيًا بناءً على الاستجابة السريرية.
وأظهرت المتابعة أنّ أحد المرضى شهد تحسنًا في الأعراض بنسبة 60% على مدى 31 شهرًا، بينما شهد مريض آخر تحسنًا في الأعراض بنسبة 90% على مدى 15 شهرًا.
ورغم جاذبية هذا الخيار العلاجي، فإنّه مكلّف، ويتطلّب زيارات متكررة، وقد لا يكون العديد من مُقدِّمي الخدمة خبيرين أو مرتاحين في التعامل مع حقن السائل المنوي.
2. مضادات الهيستامين (أدوية الحساسية)
في دراسة عام 2022 في دورية "Urology Case Reports"، كان العلاج الذي أثبت فاعليته بدرجة أكبر هو تناول الفيكسوفينادين (مضاد للهيستامين) يوميًا، ما أدّى إلى تحسّن الأعراض بنسبة 90%.
ولكن ما أثار الاهتمام في الدراسة أيضًا أنّه مع تناول ديفينهيدرامين (مضاد للهيستامين أيضًا لكن من الجيل الأول)، لم يكُن هناك تحسن كبير في الأعراض رغم تماثُل آليات العمل.
وربّما يُفسّر ذلك بقصر عُمر الديفينهيدرامين والوقت القصير لبلوغ ذروة تركيزه في الدم، بينما الفيكسوفينادين طويل المفعول.
ومع ذلك، فهناك حاجة إلى مزيدٍ من البحث بشأن استخدام فيكسوفينادين علاجًا نهائيًا لمتلازمة ما بعد النشوة.
ختامًا، عدَّ بعض الباحثين متلازمة ما بعد النشوة مرضًا مناعيًا ذاتيًا؛ إثر مهاجمة الجهاز المناعي لمادة في السائل المنوي، ورغم أنّ العلاقة الحميمية يُفترَض أن تؤدي إلى الاسترخاء وتسكين الآلام، فمع المتلازمة ينقلب الأمر إلى تعب وإرهاق وأعراض شبيهة بالإنفلونزا. ولا تزال هناك حاجة إلى أبحاث أكثر توضّح كيفية التعامل مع تلك المتلازمة النادرة.
