الزواج الخالي من العلاقة الحميمة.. الأسباب والحلول
يمضي الزواج بين ضغوط الحياة وأعباء العمل ورعاية الأطفال، ويخفت بريق الحبّ، وتقل أوقات القُرب بين الزوجين، وعادةً ما يتبع ذلك انخفاض وتيرة ممارسة العلاقة الحميمة.
وهذه ليست مشكلة بذاتها إن توافق الأزواج على تلك الوتيرة، لكن إن أفضت إلى انخفاض الرضا عن العلاقة وانهيار التواصل وتراكُم الاستياء بين الزوجين، فقد أصبح الزواج يُعرَف "بالزواج الخالي من العلاقة الحميمة"، فكيف وصل إلى تلك المحطة؟ وكيف يمكِن إحياء تلك العلاقة من جديد؟
ما هو الزواج الخالي من العلاقة الحميمة؟
يُصنّف الزواج على أنّه خالٍ من العلاقة الحميمة (Sexless marriage) إذا كان الزوجان يمارسان العلاقة الحميمة أقل من 10 مرات في السنة، وقد يكون بعض الأزواج متوافقين على هذه الوتيرة من ممارسة العلاقة الحميمة، ولكن المشكلة أن يؤدي ذلك إلى زيادة الفجوة العاطفية بين الأزواج أو يراكِم الاستياء بينهما.
وأظهر استطلاع عام 2021 أُجري على البالغين الذين تراوح أعمارهم بين 18 و45 عامًا في جميع أنحاء الولايات المتحدة أنّ جيل الألفية كانوا الأكثر عرضةً للإبلاغ عن مشكلات في الرغبة الجنسية العام الماضي.
كما أظهر الاستطلاع ذاته أنّ 25.8% من جيل الألفية المتزوجين أبلغوا عن هذه المشكلة، في حين أبلغ 10.5% فقط من الجيل Z المتزوجين، و21.2% من البالغين المتزوجين من الجيل X عن نفس المشكلة.
صحيح أنّ انخفاض الرغبة الجنسية لا يعني بالضرورة غياب العلاقة الحميمة، ولكنه قد يؤدي إلى انخفاض وتيرة ممارسة العلاقة الحميمة، كما أنّ غياب الرغبة أحد أبرز أسباب الزواج الخالي من العلاقة الحميمة.
كيف تتأثّر العلاقة الحميمة بين ضعف الرغبة الجنسية وتفاوتها بين الزوجين؟
يتجلّى ضعف الرغبة الجنسية في عدم الاهتمام بالعلاقة الحميمة، وكذلك صعوبة الوصول إلى المُتعة من خلالها، أو غياب الأفكار والتخيّلات الجنسية، ويمكِن أن يُصِيب أيًا من الزوجين، كما يُطلَق عليه أحيانًا اضطراب الرغبة الجنسية غير النشطة (HSDD).
لكن من ناحيةٍ أخرى، قد تكون المشكلة في تفاوت الرغبة الجنسية ذاتها بين الزوجين، فربّما لا يرغب كل منهما في ممارسة العلاقة الحميمة بالقدر نفسه، ومِنْ ثمّ فمن السهل أن يجدا نفسيهما يمارسان العلاقة الحميمة بقدر قليل.
وتفاوت الرغبة الجنسية مشكلة شائعة بين الأزواج، حسب جمعية الطب الجنسي في أمريكا الشمالية "SMSNA"، وربّما تؤدي إلى تحفيز مشاعر الرفض لدى الشريك الذي يتمتع برغبة جنسية عالية، أو الانزعاج لدى الشريك الذين يمتلك رغبة جنسية منخفضة.
الخلافات الزوجية.. هل تنعكس على العلاقة الحميمة أيضًا؟
كذلك قد تنعكس الخلافات الزوجية على العلاقة الحميمة، فقد أظهرت دراسة عام 2018 في دورية "Adoption Quarterly" أنّ حلّ الخلافات بشكلٍ أفضل يؤدي إلى زيادة الرضا الجنسي بين الأزواج.
ولكن لا ينشأ الضرر عن الخلافات الزوجية عمومًا إلّا إن بقيت عالقة بلا حل، فقد تؤدي حينها إلى ضررٍ عاطفي وربّما جسدي بين الأزواج، ما يؤثّر مباشرةً في العلاقة الحميمة، ومِنْ ثمّ فإنّ تحسين لُغة التواصل بين الأزواج ربّما يكون البداية لحلّ الخلافات واستعادة وتيرة العلاقة الحميمة من جديد.
كيف تتراجع العلاقة الحميمة تحت وطأة ضغوط الحياة؟
ربّما يتمتع الزوجان برغبة جنسية معتدلة، كما أنّ الخلافات بينهما ليست واردة، وإن وقعت، فإنّهم يحلّونها سريعًا، ولكن ثمّة أمور خارجة عن سيطرتهما ربّما تُسهِم في قلّة ممارسة العلاقة الحميمة، مثل الشيخوخة أو المشكلات المالية أو فقدان الوظيفة أو التعب جراء المسؤوليات اليومية.
كذلك فإنّ ولادة مولودٍ جديد من العوامل المؤثّرة؛ إذ تشير الكلية الأمريكية لأطباء التوليد وأمراض النساء (ACOG) إلى أنّه لا يُوجَد وقت محدد لممارسة العلاقة الحميمة مرة أخرى بعد الولادة، ولكن العديد من مقدّمي الرعاية الصحية يوصون بالانتظار لمدة 6 أسابيع على الأقل، وقد يُفضِّل غيرهم الانتظار لفترة أطول.
ربّما يكون الزواج حينها خاليًا من العلاقة الحميمة مؤقتًا، كما أنّ الضغط الإضافي الواقع على الزوجة من رعاية الرضيع، وخوفها من مظهر جسمها الذي تغيّر بفعل الحمل، والتعب، والخوف من الحمل مرة أخرى أيضًا؛ كلّ ذلك قد يؤثّر في رغبتها الجنسية بعد الإنجاب.
بين التوتر والاكتئاب.. كيف تتحكّم العوامل النفسية في العلاقة الحميمة؟
كذلك تتأثّر العلاقة الحميمة بالعوامل النفسية، فالتوتر نفسه يرفع مستويات هرمون الكورتيزول، الذي يؤدي في النهاية إلى خفض مستويات الهرمونات الجنسية، ومِنْ ثمّ انخفاض الرغبة الجنسية.
كما أنّ الآثار النفسية للتوتر تجعلك تشعر بالتعب والإرهاق والقلق، لدرجة أنّك لا تملك الرغبة أو الطاقة الكافية لممارسة العلاقة الحميمة.
من ناحيةٍ أخرى فإنّ الاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب قد تؤثّر أيضًا في الرغبة في ممارسة العلاقة الحميمة، وكذلك الحال مع اضطرابات القلق والذهان وغيرها، فقد تُضعِف الرغبة الجنسية والرضا الجنسي.
تأثير غياب العلاقة الحميمة على استقرار الزواج
يمتدّ تأثير غياب العلاقة الحميمة إلى كلّ شيء في العلاقة؛ إذ يشعر كل من الزوجين بالوحدة والرفض، كما يتراجع رضاهما عن العلاقة، كما يتضح فيما يأتي:
1. انخفاض الرضا عن العلاقة
لكل من الزوجين توقّعات واحتياجات مختلفة، ومِنْ ثمّ فالافتقار إلى ممارسة العلاقة الحميمة قد يجعلهما أقل رضًا عن العلاقة الزوجية ككل؛ إذ أشارت دراسة عام 2023 في دورية "International Journal of Environmental Research and Public Health" إلى أنّ الرضا الجنسي أحد المؤشرات الرئيسة للرضا عن العلاقة.
2. ضعف التواصل ومشاعر الاستياء
في غياب العلاقة الحميمة، ينخفض التفاعل العاطفي بين الأزواج، ما يقلّل من إحساس القُرب بينهما، وهذا قد ينعكس على التواصل أيضًا؛ إذ يتجنّب كل من الزوجين الآخر، ويخافان من معالجة المشكلة مباشرةً.
ونتيجة لكل ذلك، فقد يشعر كل منهما بعدم التقدير وأنّ الطرف الآخر لا يحبّه كما ينبغي، ما يولّد استياء بينهما وإن لم يكُن ظاهرًا بعد.
3. الطلاق
قد يؤدي الزواج الخالي من العلاقة الحميمة إلى الطلاق بنهاية المطاف، ولكن لذلك علامات، مثل:
- عدم رغبة الشريك في التواصل بشأن سبب عدم اهتمامه بالعلاقة الحميمة.
- رفض العمل على تحسين الوضع.
- إذا كانت قلّة ممارسة العلاقة الحميمة عرَضًا لمشكلة أكبر في العلاقة، مثل غياب الاحترام أو الحبّ.
- إذا كان الشريك مسيئًا أو يعاني اضطراب تعاطي المخدرات ويرفض العلاج.
كيف يمكِن إحياء العلاقة الحميمة؟
قد تساعد النصائح الآتية الأزواج على بناء العلاقة الحميمة من جديد:
1. التواصل الواضح
ينبغي للأزواج التحدّث معًا بشأن انخفاض أو غياب العلاقة الحميمة، ونعم هذا ليس سهلًا، لكن حتى العلاقات القويّة تواجِه مشكلات تتعلّق بالعلاقة الحميمة، ولكن لن ينجح التغيير إلّا إذا اتفق الزوجان على التغيير والعمل معًا لإنجاح العلاقة.
2. جدولة العلاقة الحميمة
إذا قرّر الزوجان زيادة وتيرة العلاقة الحميمة، فربّما ينبغي إدراجها في جدولهما الزمني، وهذا ليس رومانسيًا في البداية، ولكن الجدولة تمنح الزوجين التزامًا تجاه بعضهما؛ خصوصًا لو كانت ضغوط الحياة هي السبب الرئيس وراء غياب العلاقة الحميمة.
3. الأنشطة التي تعزّز القُرب العاطفي
العلاقة الحميمة تعبير عن الحبّ، ومِنْ ثمّ ينبغي بذل الجهد أيضًا في إشعال شرارة الحبّ من جديد، مثل قضاء مزيدٍ من الوقت معًا، أو تجربة نشاط جديد معًا، أو الذهاب في نزهة على الأقدام، أو التخطيط لقضاء الإجازة في المنزل.
4. استشارة مُختص في العلاج الجنسي
تبعًا لسبب غياب العلاقة الحميمة، قد يكون الأزواج بحاجةٍ إلى استشارة مُختص في العلاج الجنسي؛ للتعامل مع المشكلات النفسية أو العاطفية التي أدّت إلى غياب العلاقة الحميمة.
ما المعدل الطبيعي لممارسة العلاقة الحميمة بين الأزواج؟
يُحدّد الزوجان الوتيرة المناسبة لهما لممارسة العلاقة الحميمة، ولكن دلّت دراسة عام 2016 في دورية "Social Psychological and Personality Science" أنّ زيادة ممارسة العلاقة الحميمة ترتبط بزيادة الرفاه في العلاقات، ولكن حتى مرة واحدة في الأسبوع، وربّما يكون هذا هو المعدل المثالي لمعظم الأزواج، ولكن يظلّ الخيار لهما دائمًا.
