مثلث الدراما: لماذا تتكرر الخلافات نفسها بين الزوجين؟
ربّما تكون الخلافات الزوجية من أسرار الزوجين؛ إذ يختلف كل زوجين لأسباب متباينة عن غيرهما، وما يبدو بسيطًا في نظرهما قد يكون هائلًا في أعين غيرهما، ولكن يظلّ الخلاف أحد المحطات الطبيعية في الحياة اليومية للأزواج.
ولكن للخلافات أنماط، ومنها نمط يتكرّر دائمًا، بأن يلقِي أحد الزوجين اللوم على الآخر، فيحاوِل الطرف الآخر إرضاءه فلا يتكلّم خشية من تفاقُم الخلاف، ثُمّ يعُود الأول إلى احتواء الموقف فيبدو كأنّما هو من أنقذ العلاقة في حين أنّه من أشعل الخلاف من البداية.
سيناريو متكرّر لا يكاد يفارِق كثير من الأزواج، ويُعرَف باسم "مثلث الدراما"، فهل يمكِن الخروج من إطار هذا المثلث وحلّ الخلافات بطرقٍ عملية ترضِي الزوجين معًا؟
مفهوم مثلث الدراما في العلاقات
مثلث الدراما هو نموذج اجتماعي للتفاعل الإنساني وصفه "ستيفن كاربمان" لأول مرة في عام 1968، والذي لاحظ أنّ التفاعلات غير السويّة تلتف حول ثلاثة أدوار يسهل توقّعها:
المضطهِد
المضطهِد هو من يلقِي باللوم على غيره وينتقد ويرغب في السيطرة، وكلّ ما يفعله لا يعدو أن أنّ يجعل الأمر كلّه خطأك أنت، أو أنّ المشكلة فيك دائمًا وليست فيه.
وفي العلاقة الزوجية، يبرز المضطهِد في الشريك الذي يفتعل الشكاوى، ويحتفظ بسجل مستمر لكل ما فعله الطرف الآخر خطأً، بالإضافة إلى ردود أفعاله الحادة التي تجرح الطرف الآخر بشدّة.
الضحية
أمّا الضحية فيشعر بأنّه عاجِز ومُستنزَف وتحت رحمة الظروف أو الأشخاص الآخرين، وحين تراه فكأنّه يبلغك رسالة ضمنية هي: "لا أقوى على فعل أي شيء بشكلٍ صحيح، لا شيء مما أفعله يهم".
وإذا كان أحد الزوجين منغلقًا على نفسه، أو يوافِق بسُرعة كبيرة على إنهاء الخلاف أو يتحمّل اللوم الذي لا يرى أنّه يستحقه بالفعل، فهذا هو الضحيّة غالبًا.
المُنقِذ
المُنقِذ هو الذي يحاول إصلاح الأمر أو التهدئة، وفي الزواج، فهو الشخص الذي يتوسّط في كل خلاف، أو الذي يقدّم الحلول قبل أن ينتهي شريكه حتى من وصف المشكلة بدقّة.
كيف ينتقل الأزواج بين الأدوار الثلاثة؟
لنتخيّل أنّ الزوجة عادت إلى المنزل من العمل مرهقة، ولاحظت أنّ المطبخ لا يزال في فوضى عارمة منذ الصباح، فتخبِر زوجها: "طلبتُ منك أن تفعل شيئًا واحدًا اليوم!".
هُنا الزوجة تؤدّي دور المضطهِد، فهي تشعر بالإحباط نعم، ولكن طريقتها في إلقاء اللوم تحمل في ثناياها قدرًا من الازدراء، فتكملة الحديث -لو أكملته- غالبًا ما سيدلّ على أنّ زوجها شخص لا يمكِن الوثوق به، أو أنّه لا يهتم بها بما يكفي.
هُنا تمسّ تلك الكلمات الزوج، فيتأسّف، وربّما يخبِرها بأنّه كان مشغولًا، وأنّه سيرتّب المطبخ الآن، وقد تولّى الآن دور الضحية، فهو يشعر بأنّه غير كفء وأنّه مهما فعل فإنّه لا يلبّي توقعات زوجته.
وعندما ترى الزوجة زوجها قد تراجَع، فقد تشعر ببعض الذنب، فتخفّف من لهجتها، وترتّب المطبخ بنفسها، وهي الآن انتقلت إلى دور المُنقِذ، وتولّت المهمة وقلّلت الخلاف.
ولكن الزوج الذي كُسِرت نفسه منذ قليل، يحاول لملمة شتات نفسه فيشعر بالاستعلاء فيقول: "سأفعل هذا بنفسي"، ويرى أنّ زوجته دائمًا ما تطرح المشكلة، فيشعر بالقلق، ثُمّ تتصرّف هي وكأنّها البطل لتنظيف الفوضى، فالآن ينتقل الزوج إلى دور المضطهِد.
ولكن الدموع تملأ عين الزوجة في تلك اللحظة، وربّما تقول: "كنت أحاول فقط المساعدة. لا أستطيع أن أطلب منك شيئًا دون أن تحوّله إلى خلاف". نعم انتقلت الزوجة إلى أداء دور الضحية.
وهكذا يستمرّ مثلث الدراما بلا توقّف بين أدوار المضطهِد والضحية والمنقِذ، حتى يُرهَق الزوجان تمامًا بنهاية اليوم، ويرى كلّ منهما أنّ الطرف الآخر هو المشكلة.
نظرية التعلّق.. هل تفسّر لنا سرّ مثلث الدراما بين الأزواج؟
ربّما سمّى نموذج كاربمان هذا النمط من الأدوار في العلاقة، ولكنه لم يفسّر لماذا يحدث، وربّما توضّح نظرية التعلّق جانبًا من سبب استمرار مثلث الدراما.
بدايةً لا يمكِن لإنسانٍ أن يعيش وحيدًا، بل هو يسعى دائمًا للتواصل مع الآخرين، ويمتلك رابطة تعلّق مع بعض الناس، ولكن أحيانًا قد يشعر المرء بأنّ رابطة التعلّق الأساسية لديه مُهدّدة (عندما تشعر أنّ زوجتك تبتعد عنك أو ترفضك أو لا تهتم بمُبادلتك المشاعر)، فهُنا تطلِق اللوزة الدماغية إنذارًا يطابِق الإنذار نفسه الذي تطلِقه إذا كُنت في خطرٍ يهدّدك على الحقيقة.
والعقل يكون منتشيًا بإنذارات اللوزة الدماغية، فلا تقدر على التفكير السليم كما هو الحال في الظروف الطبيعية، فتتولّى اللوزة الدماغية زمام الأمر، فتستخدم إحدى الاستراتيجيات نفسها التي كُنت تستخدمها عندما كُنت طفلًا في علاقات التعلّق الأولى مع الأبوين.
المضطهِد يخاف من الهجر بالدرجة الأولى
بناءً على نمط التعلّق، فإنّ رد فعل المضطهِد يبرِز خوفه الأساسي من الهجر وأن يُترك وحيدًا، فعندما يشعر بأنّ الطرف الآخر قد يتركه -ربّما في حالة رفض طلب بسيط وليس الترك حرفيًا- يصرخ جهازه العصبي، بأن لا يدع الطرف الآخر يغادِر مهما كان الثمن.
لذا يبدأ اللوم والنقد والنبرة الحادة في محاولة يائسة ذات دوافع بيولوجية لفرض إعادة التواصل، ولكن غالبًا ما تحقّق هذه الاستراتيجة عكس ما يتمنّاه الجهاز العصبي.
الضحية معتاد على الانسحاب
أمّا الذي يقوم بدور الضحية في كثيرٍ من الأحيان، فإنّ استجابته الرئيسة هي الانسحاب؛ إذ يكمن خوفه الأساسي في الخجل وخيبة الأمل؛ إذ عندما يشعر أنّه خذل شريكه -مجددًا- يخبِره جهازه العصبي بأن يُصغِّر نفسه، وألّا يُبدِي رد فعل لإيقاف هجوم المُضطهِد.
وهذه استراتيجية البقاء بالنسبة للضحية، بأن ينسحب ويستسلم للطرف الآخر، فكلّ ذلك محاولة لتنظيم مشاعر العار الداخلي التي ربّما بدأت لديه منذ الطفولة في علاقته بأبويه.
فالضحيّة يُحوِّل الهجوم إلى ذاته، فيُلقِي باللوم على نفسه، وربّما يرى أنّه مُستحِق لهذا اللوم -وإن لم يكُن كذلك على الحقيقة- وربّما يقبل بشروط غير عادلة كنوع من العقاب الذاتي.
المُنقِذ هو المُصلِح القلق
أمّا دور المُنقِذ فقد يكون له جذور تعلّقية؛ إذ يدِير المنقِذ قلقه هو بشأن العلاقة من خلال محاولة إصلاح الأمور، فالخوف الأساسي لدى المُنقِذ كامِن في أنّ الخلاف سوف يدمّر العلاقة، لذا فإنّه يسارِع إلى حلّ الأمور وتقليل المشكلات وتحمّل مسؤوليات ربّما ليست من اختصاصه.
ولكن هذا يؤدي في النهاية إلى استياء من الطرفين؛ إذ يشعر المُنقِذ بأنّ جهوده غير مُقدَّرة، بينما يشعر الشريك بأنّه يُعامَل باستعلاء.
والمُلاحَظ بين كثير من مُعالجِي الأزواج أنّ دور المنقِذ غالبًا ما يكون الأصعب في التخلّي عنه، لأنّ المنقِذ يُكافأ اجتماعيًا على دوره، فنحن تلقائيًا نحتفل بأمثال هؤلاء الذين يحافظون على العلاقات في أصعب الأوقات، وبمن يمتلكون أعصابًا من حديد في أحلك الساعات.
ولكن تحت هذا الهدوء والتماسُك، يكمن خوف عميق مما قد يحدث إذا توقّف المُنقِذ عن إدارة مشاعره بحلّ الخلاف، وشعر حقًا بمشاعره الخاصّة.
كيف تكسر حلقة الخلافات المتكررة؟
أيًا كان الدور الذي يقوم به أي من الأزواج في الخلافات، فهو لا يعني أنّه بريء بناءً على نظرية التعلّق، وإنّما هو بحاجةٍ إلى معالجة مشاعره بطريقةٍ صحيحة كي لا تهيمن على سلوكه في علاقته الزوجية، وإلى أن يتحقّق ذلك، قد تساعد النصائح الآتية على كسْر مثلث الدراما، حسب منصة "Empathi":
1. ارصد مثلث الدراما قبل أن يتّسع
كُلّما كان هذا السلوك المتكرّر خافيًا على الأزواج، سيستمرّ غالبًا، ولكن ينبغي أن يتعرّف كل منهما على علامات مثلث الدراما، كي يرصدانه في العلاقة، ومِنْ ثمّ يُسارِعان في التعامُل معه أو استشارة مُختصّ يرشدهما إلى كيفية كسْر مثلث الدراما وحلّ الخلافات بطريقةٍ صحية.
2. حدّد دورك بدقّة
أيضًا ينبغي أن تعرف الدور الذي تقوم به في أثناء الخلافات، هل المُنقِذ أم المُضطهِد أم الضحية، فهذا يمنحك إشارة على العلامات المبكّرة لتدرِك أنّك على وشك الدخول في مثلث الدراما من جديد.
فإذا كُنت معتادًا دور المضطهِد، فالعلامة المبكّرة قد تكون موجة الغضب التي تنتابك، وحديث النفْس الذي يبدأ في إلقاء اللوم بالكامل على الشريك.
أمّا لو كُنت في دور الضحية أغلب الوقت، فإنّ ما يُنذِر بقُرب وقوعك في هذا الدور خلال المشكلة هو الرغبة في الانسحاب، أو الموافقة فقط على أي شيء لإيقاف الخلاف.
ولو كان دور المُنقِذ هو سِمتك الغالبة، فالعلامة المبكّرة المحذّرة هي الرغبة التي تواتيك في الإصلاح والتوضيح وإدارة مشاعر شريكك قبل حتى أن يطلب منك ذلك.
3. المكاشفة
أيًا كان الدور الذي تتخذه في العلاقة، فإنّه يمثّل دفاعًا نفسيًا ضد مشاعر مُعيّنة قد تشكّل نقطة ضعف بالنسبة لك، فالمضطهِد يدافِع خوفًا من الهجر، والضحية يهرب من شعوره بالعار من عدم كفاءته، بينما يحاول المنقِذ أن يدفَع عن نفسه الخوف من أن يكون ليس له قِيمة إلّا عندما يكون مفيدًا -في حل الخلافات-.
ولكن للخروج من مثلث الدراما لا بُدّ من مُكاشفة مع النفْس والإحساس بما تخاف منه، وهي اللحظة التي يتوقّف فيها المُضطهِد عن نقد الشريك، ويقول صراحة: "أخشى أنّك لم تعُد تحبني".
وهي اللحظة نفسها التي يتوقّف فيها الضحية عن الانسحاب، ويقول: "أشعر بالخجل منك لأنّني لا أعرف كيف أكون كما تريد مني".
وهي اللحظة ذاتها التي يتوقّف فيها المنقِذ عن الإصلاح ويقول: "أنا خائف من أنّه إذا توقّفت عن محاولة الإبقاء على العلاقة، أن تغادِر".
هذه اللحظات ليست مُريحة بالتأكيد، وهي ما دفع كلّ من الزوجين من البداية إلى ممارسة الأدوار الثلاثة، ولكن كسْر مثلث الدراما يبدأ من مواجهة النفْس بما تخشاه وليس ما يريحها.
4. الاستجابة للمكاشفة وليس للدور
عندما يُرخِي شريكك دفاعه، ويُظهِر لك ما يدور في نفسه بالفعل، فإنّ وظيفتك هي الاستجابة لذلك وليس الاستمرار في الدور الذي تتمسّك به، ونعم هذا ليس سهلًا؛ إذ إنّ جهازك العصبي يرغب في الاستمرار في الدور المرسوم، ولكن إذا توقّفت لفترة كافية لسماع الخوف الكامِن في مشاعر الشريك، فيمكنك تقدِيم شيء فريد في تلك اللحظة الحاسمة؛ وهو الأمان العاطفي الحقيقي، وأن يشعر الشريك أنّه مسموع وأنّ مشاعره مُقدّرة وأنّه ليس هناك داعٍ للخوف.
5. المسارعة إلى الإصلاح كُلّما عاد مثلث الدراما
بالطبع قد يُحاصِر مثلث الدراما الزوجين مُجددًا، ولكن السؤال هُنا متى سيخرجان منه سريعًا ويصلِحان العلاقة؟
لا يعني الإصلاح ضرورة الاعتذار (ربّما يكون الاعتذار جزءًا منه بالطبع)، ولكنّه يعني في الأساس الالتفات إلى الشريك وتنبيهه إلى أنّهم يقعون مجددًا في مثلث الدراما.
وبمرور الوقت فهم يقدرون على رصد مثلث الدراما مبكرًا قبل أن يبتلع علاقتهم، وكأي مهارة تُتقَن بالممارسة، يُتقِن الزوجان في نهاية المطاف حلّ الخلاف دون ولوج مثلث الدراما.
ختامًا، مثلث الدراما في العلاقات وارِد بلا شك، ولكن الأهم أن يدرك كل من الزوجين أنّ هناك جذورًا نفسية تستتر وراء الأدوار الثلاثة؛ المنقِذ، والمضطهِد، والضحية، وأن يكون كل منهما على استعداد للمكاشفة بشأن مشاعره وأن يتقبّل الشريك ذلك بصدرٍ رحب، وأن يتعاونا معًا على الخروج من مثلث الدراما كُلّما عاد إلى علاقتهما.
