تفكيك خرافة «تعدد المهام».. هل تتفوق النساء حقًا على الرجال؟
تسعى الدارسات العلمية باستمرار إلى تفكيك القناعات الشائعة حول الفروق بين الجنسين، وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة نشرت في مجلة Psychological Research تفاصيل غير متوقعة حول أداء الرجال والنساء عند تنفيذ مهام متعددة في وقت واحد.
وأوضحت النتائج أن قدرة الطرفين على إدارة عدة أنشطة متزامنة تتشابه بشكل كبير، باستثناء جانب واحد فقط يتعلق بمدى التواصل الكلامي أثناء العمل.
المفهوم العلمي لعملية تعدد المهام
وفقًا لمنصة psypost، يُعرف مفهوم تعدد المهام بأنه المحاولة المستمرة لإنجاز مهمتين أو أكثر في نفس الوقت، أو التنقل السريع والتبديل بينها.
وعلى الرغم من الشعور السائد لدى الأفراد بأنهم يتعاملون مع أنشطة متنوعة بشكل متزامن، إلا أن العقل البشري يقوم في الواقع بتبديل الانتباه بين المهام بدلاً من معالجتها جميعًا بالتوازي وبشكل كامل.
ويؤدي هذا التبديل المستمر إلى خلق تأخيرات زمنية قصيرة في كل مرة يتعين فيها إعادة توجيه الانتباه، ما ينتج عنه تقليل السرعة أو الدقة، خصوصًا عندما تتطلب المهام جهدًا عقليًا مكثفًا.
وتزداد الصعوبة عندما تتطلب المهام المزدوجة استخدام نفس الموارد الذهنية، مثل قراءة رسالة نصية أثناء الاستماع بتركيز لشخص آخر، بينما تميل الأنشطة المعتادة أو البسيطة، مثل المشي أثناء التحدث، إلى النجاح بدرجة أكبر.
تفاصيل التجربة وتصميم المهام الميدانية
سعى الباحثون لاختبار فرضية مفادها أن الرجال قد يتحدثون بشكل أقل أثناء ممارسة مهام يومية شاقة ومتعددة؛ ولتحقيق ذلك، تم تصميم إجراء تجريبي تضمن 5 مهام غير حاسوبية موزعة على 3 طاولات مختلفة.
وتمثلت المهمة الرئيسة في تجربة محاكاة للطهي تتطلب اتباع وصفة باستخدام أدوات ومكونات افتراضية، مع التوقف لفترات قصيرة عند سماع مؤقت المطبخ للعمل على مهام ورقية قبل العودة مجددًا للطهي.
ورافق ذلك مراقبة شاشة تعرض كلمات على خلفيات ملونة لكتابة الكلمات المستهدفة على طاولة ثالثة، إلى جانب الإجابة الشفهية على أسئلة معقدة ومسجلة مسبقًا عبر مكبرات الصوت، مثل الاختيار بين فقدان كافة الممتلكات المادية أو الصور الشخصية.
وشملت الدراسة الأولى 37 امرأة و41 رجلاً من جامعة برونيل في لندن، حيث تم تسجيل مستويات الأداء يدويًا، بينما هدفت الدراسة الثانية إلى تقييم الأداء عبر 160 مراقبًا استعرضوا مقاطع فيديو للمشاركين.
نتائج التقييم والفروق الكلامية بين الجنسين
أظهرت النتائج أن الرجال والنساء أظهروا أداءً متماثلاً تمامًا في 4 مهام من أصل الخمس المشار إليها.
وكانت الفجوة الوحيدة الملحوظة هي تراجع مشاركة الرجال في مهمة المحادثة؛ حيث أجابت النساء في المتوسط على 25 سؤالاً من أصل 28، بينما أجاب الرجال على 20 سؤالاً فقط.
ويعني ذلك أن الرجال تجاهلوا الأسئلة بنسبة 28% مقارنة بـ12% لدى النساء، رغم أن جودة وسرعة الإجابات لم تختلف بين الجنسين عندما قرروا الرد.
وعند عرض المقاطع على المراقبين في الدراسة الثانية، مال التقييم إلى اعتبار النساء أكثر سيطرة على المهام وأقل شعورًا بالضغط مقارنة بالرجال، وهو ما أرجعه الباحثون إلى الأداء الملاحظ في مهمة المحادثة الشفهية.
أصل الصورة النمطية والمحددات البحثية
أكّد الباحثون في ختام المقال الورقي أنه لا توجد فروق معرفية جوهرية بين الجنسين في المهام البصرية واليدوية، إلا أن الفارق الحقيقي يكمن في القدرة على إجراء محادثة أثناء إدارة الأنشطة.
وبما أنّ هذه المهارة بارزة للغاية في الحياة اليومية، فقد ساهمت في تعزيز الصورة النمطية الشائعة بأن النساء أكثر قدرة على التعامل مع المهام المتعددة.
وأشار الباحثون إلى محدد هام يتعلق بتوصيف مهمة الطهي كمهمة رئيسة، مما قد يكون دفع المشاركين لتهميش مهمة المحادثة، مؤكدين أن النتائج كانت ستتغير لو تم تقديم جميع المهام بأهمية متساوية.
