لماذا يظل بعض الأشخاص عازبين؟ دراسة تكشف دور الثقافة والمجتمع
العزوبة ليست قرارًا شخصيًا منعزلاً، بل نتاج تفاعل بين الفرد وثقافة مجتمعه. هذا ما خلصت إليه دراسة نشرتها مجلة PLOS One، أجرتها الباحثتان مارتا كوال من جامعة وروتسواف وكاتارزينا أدامتشيك من جامعة آدم ميتسكيفيتش، عبر تحليل بيانات الاستطلاع العالمي للقيم التي جُمعت بين عامَي 2017 و2021.
واعتمد الفريق البحثي نموذج مينكوف-هوفستيد لقياس الثقافة الوطنية، وهو إطار يصنف المجتمعات على محورين رئيسين: محور الفردانية مقابل الجماعية، ومحور المرونة مقابل التمسك الجامد بالهوية.
ووفّر هذا الإطار أدوات قياس دقيقة تتيح مقارنة أثر القيم الثقافية المختلفة على وضع العلاقات الاجتماعية.
أسباب اختيار العزوبة
كشف التحليل الإحصائي عن أنماط ثابتة في جميع الدول الخاضعة للدراسة. فالأفراد الأصغر سنًا، والذكور، وسكان المدن الكبرى، يميلون إلى البقاء غير مرتبطين بنسبة أعلى.
وكذلك ترتبط مستويات التعليم المرتفعة والدخل المنخفض والبطالة بزيادة احتمالية العزوبة.
هذه الأنماط تتوافق مع نتائج الأبحاث الاجتماعية السابقة. إذ إن التوسع في التعليم يؤخر الدخول إلى سوق العمل، ما يدفع بدوره مواعيد الزواج إلى مراحل عمرية متأخرة. ويقلل غياب الاستقرار الاقتصادي، سواء من خلال البطالة أو ضعف الدخل، من استعداد الأفراد للالتزام بعلاقات طويلة الأمد.
أما النساء فيواجهن ضغطًا اجتماعيًا أكبر للزواج مقارنة بالرجال، ما ينعكس على الفجوة الملحوظة بين الجنسين في معدلات العزوبة.
دور المجتمعات الفردانية في رفع معدلات العزوبة
أما المجتمعات ذات الطابع الفرداني فتسجل معدلات عزوبة أعلى بشكل لافت. في هذه الثقافات، يحظى الأفراد بحرية أوسع للتصرف وفق قناعاتهم الشخصية بعيدًا عن الضغوط الاجتماعية. وهذا يجعل اختيار أسلوب حياة غير مرتبط أمرًا أكثر قبولاً وأقل مقاومة اجتماعية.
وظهر الأثر الأبرز في تقاطع الفردانية مع الوضع الاقتصادي. ففي الدول الفردانية، يشتد الارتباط بين انخفاض الدخل أو البطالة والبقاء غير مرتبط.
ويعود ذلك لسبب جوهري يتمثل في أن الثقافات الفردانية تتوقع من الشباب تحقيق الاستقلالية المالية قبل بناء الأسرة، حيث تزداد احتمالية بقاء من يفتقر إلى هذه الموارد عازبًا بصورة ملموسة في المجتمعات الفردانية.
وكانت العلاقة ذاتها بين كون الفرد ذكرًا والعزوبة أقوى في الدول الفردانية، إذ تحتفي هذه الثقافات بالاعتماد على الذات، وهو توجه ينسجم تقليديًا مع صورة الرجل المستقل.
تأثير ثقافة التمسك بالهوية على التأخر في الارتباط
وسجلت الدول الأقل مرونة، أي تلك التي تغلب عليها ثقافة التمسك الصارم بالهوية الذاتية كما يصفها نموذج هوفستيد، هي الأخرى معدلات عزوبية مرتفعة.
وتحث هذه الثقافات الأفراد على اتباع دوافعهم الآنية بدلاً من التخطيط لأهداف بعيدة المدى، ما قد يشجع على العلاقات العابرة على حساب الالتزام الدائم.
وفي المجتمعات ذاتها، كان كبار السن أكثر ميلاً للعزوبة مقارنة بنظرائهم في الدول المرنة. فالأفراد في سن متقدمة يميلون طبيعيًا إلى مقاومة الضغط الاجتماعي أكثر من الشباب، وفي ثقافة تحتفي بالأصالة الشخصية، يصبح العيش المستقل خيارًا مقبولاً وغير مُستنكر.
