بين العزوبة والزواج: هل الحالة الاجتماعية تؤثر في احتمال الإصابة بالسرطان؟
أثارت دراسة حديثة الجدل، إذ لوحظ ارتفاع معدّلات الإصابة بالسرطان بين العُزّاب مقارنةً بالمتزوّجين، ما قد يوحِي بأنّ للحالة الاجتماعية أثرًا في فرص الإصابة بهذا المرض المميت، فهل هذه حقيقة أم أنّ هناك عوامل تتستّر وراء العزوبية والزواج؟
ما العلاقة بين الزواج والسرطان؟
أظهرت دراسة عام 2026 في مجلة "Cancer Research Communications" أنّ البالغين الذين لم يتزوّجوا قط؛ مُعرّضون لخطر الإصابة بالسرطان، مقارنةً بمن تزوّجوا.
وبالأرقام بيّنت الدراسة أنّ معدلات الإصابة بالسرطان كانت أعلى بنسبة 68% لدى العُزّاب، وكذلك أعلى بنسبة 85% لدى العازبات.
لماذا قد تزداد فرص الإصابة بالسرطان لدى العُزّاب؟
يقول الدكتور "باولو بينهيرو" المؤلّف الرئيس للدراسة وأستاذ عِلم الأوبئة السرطانية: "يميل العزّاب إلى الاختلاف في عوامل، مثل التدخين والالتهابات والفحص وأنماط الإنجاب، والتي من المعروف أنّ جميعها يؤثّر في خطر الإصابة بالسرطان، ومِنْ ثمّ، فإنّ الحالة الاجتماعية تعدّ مؤشرًا على هذه التعرّضات الأساسية".
هل تعزّز العزوبة نمط الحياة غير الصحي؟
تقول الدكتورة "لورنا ماكنيل" أستاذة ورئيسة قسم الفوارق الصحية في مركز إم دي أندرسون للسرطان بجامعة تكساس: "أظهرت الدراسات أنّ العزّاب أكثر عرضة للانخراط في سلوكات غير صحية، تزيد من خطر الإصابة بالسرطان، مثل التدخين وتعاطي الكحول واتّباع نظام غذائي سيئ".
لذا قد يكون لنمط الحياة غير الصحي دور في رفع فرص الإصابة بالسرطان بين العزّاب، وليست الحالة الاجتماعية وحدها.
بين مطرقة الوحدة وسندان العزوبية
يمكِن النظر إلى نتائج الدراسة أيضًا من منظورٍ مختلف؛ إذ تلفت انتباهنا إلى الأثر الصحي للدعم الاجتماعي.
فقد أشارت دراسة عام 2018 في دورية "Cancer Epidemiology, Biomarkers, and Prevention" إلى أنّ الأشخاص المتمتّعين بدعمٍ اجتماعي قوي؛ قد يكون خطر إصابتهم بالسرطان أقل، وإن أُصِيبوا فإنّ احتمالات النجاة تكون أكبر.
كما دلّت دراسة أخرى عام 2025 في دورية "BMJ Oncology" على أنّ الأشخاص المفتقرين إلى دعم اجتماعي قوي لديهم خطر أعلى بنسبة 11% للوفاة المرتبطة بالسرطان.
أيضًا يرتبط الشعور بالوحدة بتعاطي المواد غير المشروعة، ما قد يزيد فرص الإصابة بالسرطان المرتبط بتناول الكحول والتدخين.
وفي العموم فإنّ الوحدة والعُزلة الاجتماعية لها مردود سيئ على الصحة، ومع ذلك فإنّه لا يلزم أن يكون العازب وحيدًا، بل ربّما كان له دائرة اجتماعية داعمة أيضًا، ولكن إن اجتمعت الوحدة مع العزوبة، فربّما تكون احتمالية الإصابة بالسرطان أكبر.
كيف يخفض الزواج فرص الإصابة بالسرطان؟
لا بُدّ من التنويه على أنّ الدراسة المذكورة عام 2026 رصدية، لذا فإنّ النتائج لا تثبِت أنّ الزواج بذاته يحمي من السرطان، وإنّما سلّطت الدراسة الضوء على الحالة الاجتماعية وعلاقتها باحتمالية الإصابة بالسرطان، ويُتوقّع أن يُسهِم الزواج في تقليل احتمالية الإصابة بالسرطان من خلال:
1. الدعم الزوجي
أشارت دراسة عام 2022 في دورية "Journal of Family Psychology" إلى أنّ الفوائد الصحية المتعلّقة بالزواج قد تبدأ حتى قبل الزفاف؛ ما يُعطِي تلميحًا بدور العلاقة المستقرّة والداعمة بين الأزواج في تعميق الفوائد الصحية للزواج ذاته.
2. الفحوصات الطبية الدورية
يُعدّ المتزوجون أكثر عرضةً لإجراء فحوصات السرطان؛ خصوصًا الرجال؛ ومن الواضح أنّ وجود شريك داعم يساعد المرء على إدارة نمط حياته ويهتمّ بصحته وفحوصاته، يُسهِم في الوقاية من السرطان أو على الأقل رصده مبكرًا حال الإصابة به، ما يجعل رحلة العلاج أيسر.
3. حماية الزوجة من السرطان
تُعدّ السيدات اللاتي لديهنّ معدلات أقل من الحمل الكامل أكثر عرضةً للإصابة بسرطان المبيض والرحم والثدي، فمن بين عوامل خطر الإصابة بسرطان الثدي مثلًا إمّا عدم المرور بحمل كامل (يستمر حتى 39 أسبوعًا من الحمل) أو إنجاب الأطفال في عُمر متأخّر بعض الشيء.
لذا فإنّ إنجاب الأطفال في سنٍ مبكرة، وبحملٍ كامل يستوفي مُدّته الطبيعية قد يكون من العوامل التي تقلّل خطر الإصابة بالسرطان.
هل العزوبة تعني حتمية السرطان؟
ليس بالضرورة أن يكون السرطان حتميًا لدى العُزّاب، فقد يتمتّعون في بعض الأحيان بحياة اجتماعية مزدهرة أو يولون صحتهم أقصى عناية ممكنة، كما أنّه ليس بالضرورة أن يمثّل الزواج بذاته وقاية من السرطان؛ فالزواج يخفِي وراءه كثيرًا من العوامل التي يصعب تتبّعها، وإن كانت هناك لمحات من بعض تلك العوامل.
سواء كُنت عازبًا أو متزوجًا.. كيف تحمي نفسك من السرطان؟
إذًا الحالة الاجتماعية مؤشّر وليست كلّ شيء فيما يتعلّق باحتمالية الإصابة بالسرطان، وتظلّ الوقاية مرهونة بنمط حياتك في المقام الأول قبل تحديد حالتك الاجتماعية، وفيما يأتي بعض النصائح التي تُعِينك على الوقاية:
- الإقلاع عن التدخين، فهو بذاته يزيد خطر الإصابة بجميع أنواع السرطان وليس سرطان الرئة فحسب.
- الحفاظ على وزنٍ صحي، لأنّ السمنة أيضًا تزيد احتمالية الإصابة بكلّ أنواع السرطان تقريبًا.
- الانتظام في ممارسة الرياضة، لأنّ فوائدها تتخطّى اللياقة البدنية، بل يمكِن أن تساعد على تقليل خطر الإصابة بسرطان القولون والمريء والرئة والمعدة وكذلك الكلى.
- الإكثار من الأغذية الطبيعية كالفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة، والحد من الأطعمة المُصنّعة أو المليئة بمواد حافظة ومواد مُضافة، فالأطعمة فائقة المعالجة لها ارتباط بعديد من أنواع السرطان، كسرطان القولون والبنكرياس، وربّما يكون رجيم البحر المتوسط من أفضل الخيارات لتقليل احتمالية الإصابة بالسرطان.
- احمِ نفسك من الشمس، فقد تحفّز سرطان الجلد، والحماية تبدأ باستخدام واقٍ شمسي بمعامل حماية 30 أو أكثر، مع ارتداء قبعة ونظارات شمسية، وتقليل التعرّض للشمس في أوقات ذروتها.
ختامًا، قد تكون أرقام الدراسة مفاجئة، ولكن للباحثين رأي أعمق؛ إذ يرون أنّ عوامل أخرى كامنة تتحكّم في تلك النسبة، مثل التدخين والوحدة والعزلة الاجتماعية؛ خصوصًا أنّ العازب قد لا يكترث كثيرًا بصحته.
ولا يعني ذلك بالضرورة أنّ الأعزب سيصيبه السرطان حتمًا، ولا أنّ المتزوج في أمان بنسبة 100%، فنمط الحياة الصحي هو باب الوقاية الذي قد يحمي العزّاب والمتزوجين على حدٍ سواء.
