لماذا يختار بعض الأشخاص العزوبية؟
قبل أن تحكم على صديقك الذي تجاوز الثلاثين ولم يرتبط بعد، فكّر في هذا: ربما لم يفشل في إيجاد شريك، بل هو ببساطة لم يُقنع نفسه بالتسرّع، والمجتمع لديه توقيت افتراضي لكل شيء: الدراسة، ثم العمل، ثم الزواج، ثم الأطفال.
ومن يخرج عن هذا الجدول يجد نفسه في مواجهة وابل من الأسئلة التي تبدو وديّة في ظاهرها، لكنها تنطوي على افتراض مؤلم مفاده أن العزوبية ناقصة، وأن الحياة الكاملة لا تكون إلا مع آخر؛ لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا وأكثر إنسانية مما تبدو عليه في تلك الأسئلة المتكررة.
لماذا يختار الشخص العزوبية؟
باحثتان من جامعة يوتا، هما ليا لوفيبر وهيذر لوف، قررتا الخوض في هذا السؤال بجدية، فأجرتا دراسة نُشرت في مجلة Applied Family Studies عام 2026 على 369 طالبًا جامعيًا، لفهم الدوافع الحقيقية وراء اختيار البقاء دون علاقة عاطفية.
ما وجدتاه يستحق التوقف عنده: الشباب الذين لم يخوضوا أي علاقة رومانسية حتى الآن لا يخافون الارتباط، ولا يعانون من رهاب الحب؛ لكنهم فقط يشعرون بأنهم غير مستعدين بعد، وهذا وعي، لا قصور.
والأكثر إثارةً أن هذه المجموعة تحمل توقعات أعلى نحو مستقبلها العاطفي مقارنةً بأقرانهم الذين مرّوا بعلاقات سابقة. كأنهم يقولون: "لم يأتِ وقتي بعد، وأنا واثق أنه سيأتي".
مقارنة بين أنواع العزوبية
ثمة فرق جوهري كثيرًا ما يغيب عن النقاش: الفرق بين العزوبية كحال مفروضة، والعزوبية كخيار واعٍ؛ فلوفيبر ولوف وثّقتا ما قد يبدو مفاجئًا: كثيرون يصفون تجربة العيش منفردين بأنها "محرِّرة ومُرضية".
وهنا يطرح البحث سؤالاً جريئًا: هل الضرر النفسي الذي يُنسب أحيانًا للعزوبية نابع من الحالة ذاتها، أم من الوصمة الاجتماعية المرافقة لها؟
الفرق شاسع؛ إذ حين يشعر شخص بالوحدة لأن المجتمع يُذكّره كل يوم بأنه "ناقص"، فإن المشكلة ليست عزوبيته، بل طريقة تعامل المحيط معها.
تأثير العزوبية على العلاقات العاطفية للشخص
توصّلت الدراسة إلى مفهوم لافت أطلقتا عليه "الدخول المتأخر" إلى عالم العلاقات العاطفية، وقدّمتاه لا باعتباره انحرافًا عن القاعدة، بل مسارًا بديلاً وتكيّفيًا.
بمعنى أن بعض الناس يبنون علاقاتهم العاطفية بعد تأسيس راسخ في الهوية الشخصية، وهذا قد يجعلهم في نهاية المطاف شركاء أكثر نضجًا ووعيًا.
ولا يحدد الماضي العاطفي المستقبل؛ فمن لم يُحِب بعد لا يعني أنه لن يُحِب؛ يعني فقط أنه لم يجد ما يستحق أن يتخلى من أجله عن رصانته.
أهمية العزوبية المختارة
الفارق بين من ينتظر بقلق ومن ينتظر بثقة هو كل شيء، الأول يعدّ الأيام والثاني يعيشها، وكثيرون ممن اختاروا التأني في قراراتهم العاطفية يحملون في داخلهم يقينًا هادئًا بأن الجودة تستحق الصبر.
وحين يقرر أحدهم أخيرًا أن يخطو نحو العلاقة، يكون خطوه واعيًا ومبنيًا على معرفة حقيقية بالذات، لا على الخوف من بقائه وحيدًا؛ لذا فإنَّ العزوبية المختارة ليست هروبًا من الحياة، بل في أحيان كثيرة مدخل أعمق إليها.
