ما الذي يحدث للحب بعد الزواج؟.. دوبامين الدماغ يفسر السر
هل شعرت بتلك اللهفة التي لا تقدِر على مقاومتها في أيام الحبّ الأولى؟ ربّما لم تكُن تطيق الانتظار كي تُحادِث محبوبتك، وقد تسعى إلى إبهاجها بهدايا بين الحين والآخر؛ لكن ماذا حدث الآن بعد سنوات الزواج؟ لماذا لم تعُد تلك اللهفة موجودة وبدلاً منها بدا أنّ نشوة الحبّ قد انزوت تدريجيًا؟
الحقيقة أنّ الدوبامين هو من أشعل تلك الإثارة في البداية، فهل انخفض بمرور الوقت وأطفأ نشوة الحبّ معه؟ وكيف يمكِن استعادة تلك النشوة من جديد؟
دور الدوبامين في مرحلة الانجذاب العاطفي
في عام 1979، صاغت "دوروثي تينوف" مصطلح الولع العاطفي "Limerence" للمرحلة الأولى من الحب؛ التي تتسم بأعراض جسدية، مثل احمرار الوجه، والارتعاش، والخفقان، وكذلك نفسية، مثل الإثارة، والهوس بالمحبوب، والخوف من الرفض.
ويُعتقَد أنّ هذه المرحلة من الانجذاب العاطفي ناجمة عن الدوبامين؛ إذ يُظهِر تصوير الدماغ نشاطًا قويًا في مناطق المكافأة حين يرى الأشخاص في المراحل المبكّرة من الحب الرومانسي صورًا لشريكهم.
كيف يُشعِل الدوبامين ذروة الحبّ في المراحل الأولى؟
عندما نقع في الحب، يغمر الدوبامين أدمغتنا، ما يؤدِّي إلى استجابات جسدية ونفسية، مثل تسارع ضربات القلب واحمرار الخدّين، كما ترتفع مستويات هرمون الكورتيزول خلال المرحلة الأولى من الحبّ، وبالتوازي تنخفض مستويات السيروتونين.
وهذه المستويات المنخفضة من السيروتونين تؤدي إلى ما وصفه شوارتز الأستاذ المشارك في الطب النفسي في مستشفى ماكلين في بلمونت "بالآمال والأفكار المهيمنة ومخاوف الحبّ المبكر"، أو بالأحرى السلوكات الوساسية القهرية المرتبطة بالعشق في المراحل الأولى.
الدوبامين سرّ نشوة الحبّ
ويقول أولدز الأستاذ المشارك في الطب النفسي في مستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن إنّ الوقوع في الحبّ يؤدي أيضًا إلى إطلاق مستويات عالية من الدوبامين، ما يحفّز نظام المكافأة في الدماغ، وبما يجعل تجربة الحبّ ممتعة تشبِه النشوة المرتبطة باستخدام الكوكايين أو الكحول، كما أشارت إلى ذلك بعض الدراسات أيضًا.
كيف يُطفِئ الدوبامين نشوة الحبّ بعد ذلك؟
ويرى شوارتز أنّه مع استمرار الحبّ، فإنّ هذه الدفعة الهائلة من المشاعر تهدأ في غضون عامٍ أو عامين، فالعاطفة لا تزال موجودة، ولكن الضغوط الناجمة عنها قد اختفت؛ فمستويات الكورتيزول والسيروتونين تعود إلى وضعها الطبيعي، والحبّ الذي بدأ عاملَ ضغطٍ (على الدماغ والجسد على الأقل) أصبح حاجزًا ضد التوتر.
ولا تزال مناطق الدماغ المرتبطة بالمكافأة والمُتعة نشطة مع استمرار علاقة الحبّ، ولكن الرغبة والشغف المتأصّلَين في الحبّ الرومانسي غالبًا ما يقلّان.
الحبّ الرحيم.. هل يلغي نشوة الحب إلى الأبد؟
ويقول شوارتز وأولدز إنّ العديد من نظريات الحبّ تقترح أنّ هناك تغييرًا لا مفرّ منه بمرور الوقت على الحبّ العاطفي، الذي يتحوّل إلى ما يُسمّى عادةً "بالحبّ الرحيم"؛ أي الحبّ العميق ولكن ليس المُبهِج مثل الذي عاينه المرء في المراحل الأولى من الحبّ.
لكن هل هذا يعني أنّ الحبّ الجنوني قد زال إلى الأبد؟ الحقيقة توصّلت دراسة عام 2011 أجرتها جامعة ستوني بروك في ولاية نيويورك إلى أنّه من الممكن أن يقع المرء في حبّ شخصٍ ما بجنون بعد عقود من الزواج.
وأجرى فريق البحث فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي على الأزواج، الذين تزوّجوا لمُدة 21 عامًا في المتوسط، ووجد الباحثون نفس شدّة النشاط في المناطق الغنية بالدوبامين في الأدمغة، كما هو الحال في أدمغة الأزواج الذين وقعوا في الحبّ حديثًا.
فالدراسة تُشِير إلى أنّ الإثارة الرومانسية يمكِن أن تظلّ موجودة حتى مع غياب هاجِس الحبّ الذي اجتاح العقل في بداية العلاقة.
هل انخفاض نشاط الدوبامين سبب الخلافات الزوجية بعد انقضاء شهر العسل؟
عندما تستقرّ مستويات الدوبامين، تنخفض إثارة الحبّ تلقائيًا، وهُنا قد يدبّ الخلاف إلى الزواج بوتيرةٍ أكبر.
وعبر آلاف الأزواج، حدد معهد جوتمان أربعة أنماط للتفاعل كمؤشّرات قويّة على انهيار العلاقة، والمعروفة باسم الفُرسان الأربعة، وهم النقد، والازدراء، والدفاعيّة، والمماطلة.
ومن المُرجّح أن تظهر هذه الأنماط عندما يعتمد الأزواج على الإثارة التي كان يُشعِلها الدوبامين، بينما يفتقرون إلى المهارات الأساسية لإدارة الخلافات.
فكلّ فعلٍ يوحِي بنقد قاس أو انسحاب عاطفي، يوصِل رسالة مفادها "أنا لست آمنًا معك"، ما قد يُضعِف الثقة بين الأزواج تدريجيًا.
ولكن المشكلة هُنا لا تكمن في اختفاء تأثير الدوبامين، بل في افتقار الزوجين إلى المهارات الأساسية لنجاح العلاقة، مثل التواصل الواضح، واحتواء المحادثات الصعبة، واللطف في التعامُل اليومي.
فالحبّ طويل الأمد يتطلّب ما هو أكثر من الدوبامين، مثل بناء الثقّة، ومهارات حلّ الخلافات، ووجود أهدافٍ مشتركة يسعى الزوجان إلى تحقيقها.
الأوكسيتوسين لاعِب جديد في العلاقات طويلة الأمد
ينخفض الدوبامين ومعه الكورتيزول أيضًا، لكن هُنا يتدخّل لاعب هرموني جديد متعلّق بالارتباط طويل الأمد، وهو الأوكسيتوسين، وهو نفس المادة الكيميائية التي تشارِك في العلاقة بين الأمهات والرضع، ما يعني أنّه مسؤول عن الترابط بين الوالدين والرضع.
ويُطلَق الأوكسيتوسين أيضًا خلال العديد من أفعال الحب، مثل العناق والإمساك بالأيدي، ولكنه لا يُفرَز دون هدف؛ إذ إنّه يشجّع على بناء الثقة في الشخص الذي نكون معه.
وخلصت مراجعة عام 2013 في مجلة "Current Opinion in Psychiatry" إلى أنّ التأثيرات المحتملة للأوكسيتوسين في تعزيز العلاقات تتضمّن التعاطُف، والذكريات الإيجابية للعلاقة، والإخلاص، والتواصل الإيجابي.
ولكن ثمّة تآزر بين الأوكسيتوسين والدوبامين، ربّما يفسّر سبب شعورنا بالإثارة عند رؤية أحبّائنا أو قضاء الوقت معهم.
وعندما يُحفّز الأوكسيتوسين خصائص الدوبامين المُجزِية لنا نفسيًا، تنشأ مشاعر النشوة، ما قد يفسّر سبب أن تكون العلاقات طويلة الأمد مُرضية للغاية؛ إذ يؤدي إفراز الأوكسيتوسين بانتظام إلى إطلاق الدوبامين بصورةٍ مستدامة، ما يزيد الدافع للحفاظ على العلاقة، حسب "Psychology today".
كيف تستعيد شعور الحبّ في البدايات؟
لا يعني انخفاض إثارة الدوبامين أنّه من المستحيل استعادة دفء الحبّ في البدايات، ولكن أنت بالفعل في علاقة قائمة على هذا الحبّ، وبوسعك استعادة نشوة الحبّ القديمة، وربّما تساعدك النصائح الآتية على تحقيق ذلك:
1. حدّد مشكلات العلاقة أولاً
ينبغي أن تُدرِك ما إذا كان هناك سلوك مُعيّن يثِير المشكلات في العلاقة باستمرار؛ إذ يعترف غالبية الأزواج الذين يستمرّ زواجهم لفترة طويلة بأنّهم عالقين في روتين مستمرّ.
فأنت مشغول بعملك والزوجة مشغولة برعاية الأطفال، وربّما يؤدّي كل منكما عمله على أتمّ وجه، ولكن أين مشاعر كل منكما وسط كل ذلك؟
بالطبع يتطلّب استمرار دفء الحب الاستثمار فيه، كالاستثمار في المهنة أو رعاية الأطفال، ومِنْ ثمّ قد تكون بحاجةٍ إلى إعادة النظر في أولوياتك فقط لاستعادة نشوة الحبّ من جديد.
2. ابتكِر شيئًا جديدًا، فالماضي يظلّ ماضيًا
يسهل أن نقع في الحب في البداية، ولكن الحفاظ عليه أمر آخر، وطبيعيٌ في البداية أن تفكّر في المحبوب طوال الوقت، وتخطّط للمفاجآت السارّة بين الحين والآخر، ولكن لا يمكِنك العودة إلى تلك اللحظات في بداية الحبّ.
والآن ينبغي أن تخلق جوًا من المحبّة من نوعٍ آخر، وأن تبحث عن طرق جديدة للتعبير عن محبّتك، مثل رسالة قصيرة تكتبها كلّ يوم، أو أُمسية رومانسية في مطعم فاخر بعطلة نهاية الأسبوع، أو أي شيءٍ يُجدّد العلاقة، ويُبقِي الملل بعيدًا عنكما.
3. التقدير
التقدير أو التعبير عن الامتنان قد يبعث الروح في الدوبامين في الدماغ من جديد، بل إنّ الامتنان يمكِن أن يغيّر الهياكل العصبية في الدماغ، ما يعزّز الشعور بالسعادة والرضا، كما أنّه ينشّط مركز المكافأة في الدماغ، ويغيّر الطريقة التي نرى بها العالم وأنفسنا، وربّما يغيّر طريقة نظر الزوجين كل منهما إلى الآخر، فربّما كانت استعادة لحظات الحبّ الأولى كامنة في التعبير عن الامتنان بين الحين والآخر، وحينها قد يعود الدوبامين مُحرّكًا للحبّ بعد أن هدأ نشاطه بمرور السنين.
