ليس كل أناني سيئًا.. كيف تنقذ الأنانية الصحية زواجك؟
لا أحد يحبّ التعامل مع الشخص الأناني؛ إذ رغباته مُقدّمة على الآخرين، ورأيه هو الأفضل من رأي أيّ شخص آخر، ومِنْ ثمّ فإنّه لا يعطِي متنفّسًا لغيره أن يحقّق رغباته الخاصّة أو يعبّر عن رأيه حتى.
ولكن شتّان بين تلك الأنانية المدمّرة للعلاقات والأنانية الصحية التي تراعِي جميع الأطراف، ولا تسمح بأن تطغى احتياجات أحد على غيره.
نعم، قليلٌ من الأنانية الإيجابيةش في العلاقات ضروري، وهي ببساطة أن تحدّد احتياجاتك وتعطِيها أولوية، ولكن مع مراعاة احتياجات الآخرين أيضًا وليس على حسابها، فما الفارق الجوهري بين نوعَي الأنانية؟ وكيف تُبهِج الأنانية الصحية الحياة الزوجية؟
ماذا تعني الأنانية الإيجابية في العلاقات؟
الأنانية الصحية هي تحديد أولوياتك واحتياجاتك، ولكن مع مراعاة احتياجات ورفاهية الآخرين أيضًا وليس على حسابها، فأنت تحصل على ما تريد دون أن تؤذي غيرك.
كما تعني الأنانية الإيجابية أن تكون قادرًا على قول لا عند الضرورة وأن تضع حدودك إذا لزم الأمر، ولكن هدف الحدود هنا أن تساعدك على تحديد احتياجاتك واحتياجات الآخرين أيضًا لإعادة التركيز عليها، فأنت لا تركّز على نفسك فقط، بل تمتلك أيضًا مساحة كافية لتهتمّ بأحبائك أيضًا.
مثال على الأنانية الصحية
مثلًا عندما ترفض حضور اجتماع عمل في ليلة الجمعة، والذي تُدرِك جيدًا أنّه قد يتركك مرهقًا ومستنزفًا، وعوضًا عن ذلك، تُفضّل توفِير طاقتك لقضاء الوقت مع أصدقائك وعائلتك.
هذا مثال واضح على الأنانية الصحية؛ أي أنّك تعطي الأولوية لنفسك ولأقرب الناس إليك، وتستخدم وقتك وطاقتك لدعم نفسك، وكذلك للاهتمام بمن يشكّلون دائرة اهتمامك.
كيف تُحسّن الأنانية الصحية العلاقة الزوجية؟
قد يكون للأنانية الصحية مردود إيجابي على العلاقة الزوجية من خلال:
1. منع تراكُم الاستياء
لنتخيّل أنّ أحد الزوجين يتحمّل عبء تغيير نفسه باستمرار أو يتحمّل مسؤوليات إضافية أو يكبت ضِيقه من تصرفات الطرف الآخر، بدلًا من أن يفتح نقاشًا -غير مريح على الأرجح- ليعبّر عمّا يزعجه في كلّ ذلك، والنتيجة غالبًا ليست جيّدة على العلاقة على الأمد الطويل.
وكثيرًا ما يقيّم الناس علاقاتهم من خلال مقارنة ما يُسهِمون به في مقابل ما يتلقّونه، وعندما يكون هناك توازن بين العطاء والأخذ، يكون رضاهم عن العلاقة أكبر.
ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن تكون العلاقة متقاسمة بنسبة 50/50، بل الأهم أن يكون هناك تبادُل مشترَك للرعاية والمشاعر والجهد، فهذا يمنع تراكُم الاستياء الذي قد يحدث جراء تحمّل أحد الشريكين وحده كل شيء بينما الآخر لا يهتمّ، بل ينبغي أن يتحلّى كلٌّ من الزوجين بقدرٍ من الأنانية الصحية. ويهتم بشريكه ويراعي احتياجاته أيضًا.
2. حماية هُويّتك
يحمل كل من الزوجين رؤيته الخاصّة عن العالم، ولكن بمرور الأيام والسنوات فإنّ تلك الرؤية تنعكس على الشريك أيضًا، لأنّ الحياة المشتركة تتطلّب قرارات وتنازلات مشتركة أيضًا فيما بينهما.
ولكن إذا أصبحت التنازلات عميقة إلى حدّ تصل فيه إلى أفكارك الراسخة وتغير تصوراتك عن العالم، فإنّ ذلك قد يطمس هويتك الذاتية تدريجيًا؛ إذ تبتلعها العلاقة.
وهذا ما يحدث عندما يجعل أحد الزوجين حياته متمحورة حول تفضيلات الآخر، فالهوايات التي كانت تُمتِعك في السابق، ما عُدت تمارسها، كما لم تعُد تأبه كثيرًا بصداقاتك، وبالأحرى تذوب هُويتك لصالح الطرف الآخر.
وهُنا يأتي دور الأنانية الصحية ووضع الحدود، فالحفاظ على استقلاليتك داخل العلاقة ضروري لتكون راضيًا على الأمد الطويل.
وفي دراستَين طُوليتَين نُشِرتا عام 2025 في مجلة العلاج الزوجي والأُسري "Journal of Marital and Family Therapy"، وجد الباحثون أنّ الأفراد الذين شعروا بقدرة أقل على التصرّف باستقلالية، كانت درجة رضاهم عن العلاقة منخفضة بوضوح، سواء في الحياة اليومية أو بعد أشهر.
ولذا فإنّ قليلًا من الأنانية الصحيّة قد يحمي هُويتك ويحافظ على استقلاليتك داخل العلاقة بدلًا من السعي المستمرّ لتحقيق رؤى الشريك على حساب هُويتك وشخصيتك.
3. تعليم الشريك طريقة معاملتك
تتطوّر علاقتك الزوجية في كلّ تفاعل صغير مع الشريك؛ إذ تتشكّل العلاقة في نهاية المطاف بناءً على آلاف التفاعلات الصغيرة اليومية، وهي ما ترسم حدودك وتوقعات الشريك بشأن ما هو مقبول بالنسبة لك أو ما يمكن أن تتهاون فيه أو ما لا يقبل النقاش.
وحسب دراسة عام 2010 في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي "Journal of Personality and Social Psychology"، وجد الباحثون أنّ السلوكات الشخصية غالبًا ما تخلق دورات من الاستجابة ذاتية التعزيز.
بمعنى أنّه عندما يتصرّف شخص ما باستمرار بطرق مُعيّنة، فإنّ الشريك يميل إلى الرد بالمثل، ما قد ينعكس سلبًا أو إيجابًا في العلاقة.
فإذا استمررت في إرهاق نفسك دائمًا، فقد يفترض الشريك أنّ هذا النمط مقبول وأنّك تقبل أن تظلّ على هذا الحال باستمرار، ليس لأنّ شريكك أناني، ولكن لأنّ البشر يتكيّفون طبيعيًا مع الإشارات التي يستقبلونها من الآخرين، ثُمّ قد تأتي الأنانية غير الصحية وتعزّز ذلك.
وهُنا أيضًا تتجلّى أهمية الأنانية الصحية، سواء عندما تتحدّث عن الأمور التي تُفضِّلها أو برفضك طلبات مُعيّنة، أو طلب بعض الوقت الشخصي لإعادة الشحن، فهذا يُوضّح للطرف الآخر أنّك لا تتنازل عن احتياجاتك وأنّ رعاية تلك الاحتياجات جزء أساسي من العلاقة.
وليس بالضرورة أن تهتزّ العلاقة بسبب هذه الأمور، بل على العكس يسمح ذلك بأن تكون توقّعات الشريك عنك واضحة، وأن تكون العلاقة متوازنة لا يطغى فيها طرف على احتياجات الآخر.
متى تكون الأنانية مدمّرة للعلاقة؟
شعرة دقيقة هي الفاصِل بين الأنانية الصحية وغير الصحية، فهناك من الأنانية ما قد يضرّ العلاقة الزوجية، ومن علاماتها:
1. عدم التعاطُف مع أحزانك
التعاطُف هو مُتنفّس أي علاقة زوجية، وفي حالة الشريك الأناني، فإنّه قد يتجاهل مشاعرك أو يقلّل من خبراتك، فهو لا يرى سوى نفسه، وحتى إذا أردت بثّ همومك أو حكاية تجربة صعبة مررت بها، فإنّ التجاهُل هو ما ستجده على الأرجح، وهذا يدلّ على نقص التعاطُف لدى الأناني.
أمّا في الحالة الطبيعية، يُفترَض أن يستمع الشريك إليك وألّا يتجاهل مشاعرك، بل يتفهّمها ويخبِرك بأنّ الإحساس بتلك المشاعر بعد الحدث الصعب أمر طبيعي، ويقدّم الدعم الذي تحتاج إليه في هذه الأوقات الصعبة.
2. الأولوية دائمًا وحصرًا لاحتياجاته
لا تستقيم أي علاقة زوجية إلا بتقديم تنازلات صحية من الطرفين بين الحين والآخر، ولكن الشريك الأناني قد لا يتخذ إلّا قرارات تفِيده وحده، سواء كان ذلك في الأمور بسيطة أو الكُبرى، مثل القرارات المالية.
ومع ذلك، فإنّ العلاقة ينبغي أن تسير في اتجاهين وليس في اتجاه واحد؛ إذ يزِن كل من الزوجين رغباتهما ويتخذان قرارات تعود عليهما بالنفع معًا، لا أن ينتفع أحد الطرفين مُلحِقًا أضرارًا لا داعي لها بالآخر.
3. عدم تحمّل المسؤولية
أيضًا من سمات الأنانية غير الصحية أن يلقِي الأناني اللوم على الآخرين باستمرار أو يرفض الاعتراف بأخطائه، فهو لا يهرب من المُساءلة فحسب، بل قد يكون هذا السلوك كاشِف لأنانية في الباطن.
ففي العلاقات السويّة، يكون كلا الزوجين على أتمّ استعداد للاعتراف بالخطأ والتعلّم منه واتخاذ الخطوات اللازمة لإصلاح الوضع، ولو لم يسِر الأمر على هذا المنوال، وتحمَّل أحد الزوجين الأعباء وحده بسبب أنانية الآخر، فإنّ بيئة الزواج ستنقلب رأسًا على عقب، ولن تحقق غرضها الطبيعي.
4. الأخذ بلا عطاء
لا تزدهر العلاقة الزوجية إلّا بالأخذ والعطاء المُتبادَل على مدار العُمر بين الزوجين، أمّا لو كان أحدهما يأخذ باستمرار من وقت ومشاعر وموارد الطرف الآخر، دون بذل جهد متبادَل لرد الجميل في المقابل، فهذه علامة واضحة على الأنانية غير الصحيّة.
أمّا العلاقة الزوجية المتوازنة هي التي يشعر فيها كلا الزوجين بالتقدير والدعم، ويتبادلان الأخذ والعطاء على الدوام.
5. المحادثات تتمحوّر حول الذات
غالبًا ما تبرز الأنانية أيضًا في التواصل اليومي بين الزوجين؛ إذ يهيمن أحدهما على المحادثات، ونادرًا ما يسأل عن يومك أو قد يرفض آرائك لأنّه يراها أقل أهمية من آرائه.
ويتضح ذلك عندما يعِيد الشريك الأناني توجيه مسار المحادثة إلى نفسه دون أن يُولِي اهتمامًا بوجهة نظرك، فهو يهتمّ بروايته الخاصّة بالدرجة الأولى، وأي شيء آخر يأتي بعده لا قبله.
كيف تكتسب مهارة الأنانية الصحية؟
إذًا لتفادي أن تكون الأنانية مُدمّرة للعلاقة، فإنّ النصائح الآتية قد تخلق التوازن المطلوب بأنانية صحيّة لا يطغى فيها أحد الزوجين على الآخر، والتي تضمّ حسب منصة "Marriage":
1. رسم حدود جديدة للعلاقة
لن تكُون هناك أنانية صحية دون حدود واضحة، لذا ينبغي أن تُحدّد ما يجعلك غير مرتاح أو مرهَق في العلاقة، وأن يدرِك الطرف الآخر ذلك جيدًا، ولا بأس بأن ترفض ما يُطلَب منك، إذا كان غير متوافِق مع أولوياتك أو قِيمك.
2. اعتنِ بنفسك
الأنانية الصحية في جوهرها الاهتمام بنفسك ولكن ليس على حساب الآخرين، ومِنْ ثمّ فأول ما ينبغي أن تفعله هو أن تهتم بنفسك جسديًا وعقليًا وعاطفيًا، وأن تحرص على أخذ فترات راحة عند الحاجة، وأن تُولِي أهمية كافية لأنشطة الرعاية الذاتية التي تُبقِيك راضيًا وسعيدًا.
3. اعتد التجاوب مع طلبات الشريك
نعم وضع الحدود ضروري وقول لا في بعض الأحيان مصيري، ولكن الأنانية الصحية تعني أيضًا أن تقول نعم فيما يتوافق مع أولوياتك وقِيمك، وليس الرفض الدائم لكلّ شيء.
4. حدّد أولوياتك بدقّة
أيضًا من الضروري أن يكون لديك أهداف واضحة، وإلّا فما الداعي للحدود من البداية؟ فالحدود التي تتطلّبها الأنانية الصحية هدفها أن تعطِي أولوية لنفسك وأهدافك، ومِنْ ثمّ فإنّ غياب الأهداف قد يجعل الحدود أقل قِيمة.
5. الامتنان
كما ذكرنا الأنانية الصحية لا تعني تجاهُل احتياجات الآخرين، ولن تشعر بالآخرين إذا لم تكُن ممتنًا لما يُقدّمونه من أجلك، لذا خُذ وقتك كل يوم للتفكير فيما تشعر بالامتنان له، سواء كانوا أشخاصًا أو مواقف مُعيّنة.
ختامًا، الأنانية الإيجابية في العلاقة الزوجية لا يمكِن التخلّي عنها، فهي تعِيد رسم حدودٍ جديدة، تراعِي متطلبات وأولويات الزوجين دون أن تطغى احتياجات أحدهما على الآخر، وهي لا تعني أن تتمحوّر العلاقة حول طرفٍ واحد، وإنّما تعني أن يكون العطاء والأخذ متبادلَين، كي تكون مسيرة الزواج متوازنة ولينعم الزوجان بحياة هانئة ما مضت الأيام.
