لماذا يعجز الرجال عن ترجمة مشاعرهم إلى كلمات؟
عندما تطرح الزوجة أو الشريكة سؤالاً على زوجها أو شريكها حول طبيعة يومه أو ما يثير قلقه، وتأتي إجابته مقتضبة بكلمة واحدة مثل: "بخير" أو "لا شيء"، يتبادر إلى ذهنها مباشرة أن هذا الصمت هو محاولة متعمدة للصد أو بناء جدار عازل.
وفي غياب التفسير، تبدأ الظنون في تفسير الموقف كنوع من الإهمال العاطفي؛ غير أن الحقيقة النفسية تكشف زاوية مختلفة، فالأمر لا يتعلق برجل يمتلك الكلمات ويخفيها، بل برجل يبحث في داخله ولا يجد اللفظ المناسب لما يمر به.
هذه الحالة تُعرف علميًا بـ "الأليكسيثيميا الذكورية"، وهي سمة شائعة تظهر في العجز عن تسمية ووصف الانفعالات الذاتية. فحين يمر الرجل بضغط مهني أو نفسي، يعي تمامًا وجود ثقل أو ضيق في صدره، لكنه يعجز عن تصنيف هذا الثقل؛ هل هو خيبة أمل، أم قلق مستقبلي، أم شعور بالتهميش؟ وتظل الفكرة غامضة في ذهنه، فتنطق غريزته بكلمة "بخير" كأقرب خيار متاح.
جذور الفجوة اللغوية بين الطفولة والملامح الحالية
لم يولد الرجال بهذه المحدودية في التعبير، بل جرى تشكيلها تدريجيًا منذ الطفولة الباكرة عبر قوالب التربية والتنشئة الاجتماعية. ففي المواقف اليومية البسيطة، كالسقوط عن الدراجة مثلاً، تُمنح الفتاة الصغيرة مساحة للبكاء مع أسئلة تفصيلية تساعدها على تسمية شعورها (هل أنتِ خائفة؟ هل تألمتِ؟)، ما يمنحها تعبيرًا عاطفيًا مبكرًا. في المقابل، يُطلب من الصبي في الموقف ذاته أن يتجاوز الأمر سريعًا ويظهر التماسك، دون ربط الحدث بعبارات تشرح حالته النفسية.
مع مرور السنوات، تتسع الفجوة العاطفية بشكل ملحوظ؛ تصبح التحديات والحياة أكثر تعقيدًا، في حين يظل القاموس الذي يعبر به الرجل عن مشاعره ثابتًا في حجمه القديم، لا يحتوي سوى على خيارات قليلة مثل: "بخير، جيد، متعب، أو غاضب". وبسبب هذا العجز، تتحول المشاعر غير المترجمة إلى سلوكات جانبية؛ تظهر على هيئة ضيق مفاجئ من تفاصيل منزلية بسيطة، أو صمت طويل، أو رغبة في الانعزال.
كلفة الصمت على استقرار العلاقة الزوجية
لا تقف آثار هذا الحاجز اللغوي عند حدود الرجل وحده، بل تمتد لتلقي بظلالها على الزوجة وحياة الطرفين معًا. فالإحباط المستمر من الإجابات المقتضبة يدفع المرأة تدريجيًا إلى التراجع والبرود، ما يخلق مسافة عاطفية تجعل الزوجين يعيشان في عزلة حقيقية داخل غرفة واحدة. وغالبًا ما يتأثر الجانب الحسي والاتصال بينهما سلبًا بمرور الوقت، حيث يُقرأ الصمت المتكرر كدليل على عدم الاهتمام، بينما هو في الحقيقة عجز عن الترجمة والبوح.
وفي محاولة لإنقاذ الموقف، تندفع الشريكة بدافع الحب والاهتمام للعب دور المترجم، فتقوم بتخمين مشاعره وصياغتها نيابة عنه؛ كأن تقول له: (أنت متوتر بسبب العمل، أو أنت حزين لأنك لم تتلقَّ اتصالاً). وعلى الرغم من أن هذا السلوك ينبع من نية طيبة ورغبة في المساعدة، إلا أنه يعفي الرجل من محاولة البحث بنفسه عن الكلمة المناسبة، ما يبقي مهاراته التعبيرية معطلة ويزيد من اعتماده التام على شريكته لفهم ذاته.
أدوات عملية لبناء القاموس العاطفي المشترك
يتطلب الخروج من هذه الدائرة المغلقة حزمة من الخطوات الهادئة التي تمنح الرجل مساحة ومفاتيح للوصول إلى مشاعره دون ضغط:
تقديم خيارات محددة بدلاً من الأسئلة المفتوحة:
إن سؤالاً مثل "ماذا تشعر؟" يمثل مساحة فارغة ومربكة لرجل يعاني من الأليكسيثيميا، بينما صياغة السؤال على نحو: "هل تشعر بالضغط بسبب العمل أم بسبب الأمور المالية؟" تضيق الخيارات وتسهل عليه تحديد الإجابة.
التعبير العلني عن المشاعر الذاتية كنموذج محاكاة:
عندما تشارك المرأة مشاعرها بوضوح ودقة أمام زوجها (مثل: هذا الاجتماع جعلني أشعر بالإحباط أو التضاؤل)، فإنها تقدم مثالاً عمليًا يؤكد أن إظهار الضعف أمر طبيعي، وتضع مصطلحات جديدة سهلة لاستخدامها لاحقًا.
اختيار الأوقات المناسبة :
تتدفق الكلمات بسلاسة أكبر عندما لا يكون الرجل تحت وطأة التواصل البصري المباشر والانتظار الصارم للإجابة؛ لذا تعد الأوقات المشتركة أثناء القيادة، أو المشي، أو إنجاز المهام المنزلية معًا، بيئة مثالية للنقاشات العفوية.
فهم هذه الأبعاد لا يعني تحول الزوجة إلى معالجة نفسية، ولا يلغي شعورها الطبيعي بالضيق في الأوقات التي تحتاج فيها إلى تواصل أعمق، لكنه يغير الطريقة التي تقرأ بها كلمة "بخير"؛ كإشارة إلى نقص في المفردات، لا رغبة في الابتعاد أو الرفض.
