هل ترسم الجينات مسار العلاقة الزوجية مسبقًا؟
هل استجابتك لزوجتك بالتعاطُف أو الغضب مرسومة ومُحدّدة مسبقًا في جيناتك؟ هل استمرار العلاقة الزوجية أو الانفصال بين الأزواج يرجع أحيانًا إلى ما ورثناه من آبائنا؟
ثمّة جينات تتحكّم بالفعل في المزاج والاستجابة العاطفية، بل منها ما يمكِن أن يجعل المرء أكثر ميلًا للخيانة الزوجية، كما أنّ من بينها ما قد يجعل المرء أكثر أو أقل تعاطفًا مع الشريك.
ولكن إلى أي مدى تتحكّم الجينات في مسار العلاقة الزوجية؟ وهل هي العامِل الحاسِم في تحديد شخصياتنا أم أنّ هناك عوامل أخرى تتحكّم إلى جانبها فيما وصلت إليه شخصياتنا وعلاقتنا الزوجية اليوم؟
دور الجينات في التواصل والارتباط العاطفي
تحمل جيناتنا التعليمات اللازمة التي تستخدمها الخلايا لتنظيم كيمياء المزاج والانتباه والاستجابة العاطفية، وقد دُرِست أنظمة جينية مُحدّدة مُتعلّقة بالترابط والقلق والمكافأة، بما في ذلك الجينات المُشارِكة في إشارات الأوكسيتوسين والسيروتونين والدوبامين.
فقد تؤدي الاختلافات في هذه الأنظمة إلى أن يكون المرء أكثر حساسية للإشارات العاطفية للشريك، بينما قد يكون شخص آخر أقل تفاعلًا في اللحظات العصيبة.
وتضم أهم الجينات التي رصدتها الدراسات والتي تؤثّر في ديناميكيات الشخصية والعلاقات:
- SLC6A4: ينظّم مستويات السيروتونين، وقد يرتبط بحساسية أعلى للتوتر العاطفي وتفاعل أكبر في العلاقات عبر الأليلات القصيرة في الجين.
- DRD4: جين مُستقبِل الدوبامين المرتبط بالبحث عمّا هو جديد وسلوك المخاطرة، وحتى الخيانة الزوجية في بعض الدراسات.
- OXTR: يؤثِّر جين مُستقبِل الأوكسيتوسين في التعاطُف والترابط العاطفي، وقد تجعل بعض المتغيرات الجينية الأفراد أكثر تحفظًا عاطفيًا أو منطقية.
- COMT: يشارِك في تكسير الدوبامين والناقلات العصبية الأخرى في قشرة الفصّ الجبهي، ويؤثّر في التنظيم العاطفي والاستجابة للتوتر.
- MAOA: ينظّم استقلاب السيروتونين والدوبامين، وترتبط المتغيرات الجينية منخفضة النشاط بالتقلّب العاطفي والاندفاع؛ خصوصًا عند الرجال.
- AVPR1A: جين مُستقبِل الفازوبريسين الذي يؤثِّر في الترابط الزوجي والسلوك الاجتماعي والالتزام في العلاقات طويلة الأمد.
- CLOCK/PER3: ينظّم إيقاع الساعة البيولوجية، وقد تؤدي الاختلافات في النمط الزمني للزوجين إلى عدم التوافق في النوم والطاقة وتوقيت ممارسة العلاقة الحميمة.
هل للجينات دور في العلاقة الزوجية؟
أظهرت دراستان عام 2019؛ الأولى منشورة في مجلة علم نفس الأسرة "Journal of Family Psychology" والثانية منشورة في مجلة "PLOS One"، أنّ الاختلافات في الجينات مرتبطة بأنماط شخصية مُحدّدة واستجابات عاطفية، قد تزيد أو تخفّف الضغوط الزوجية.
وتستنِد أحدث الأوراق البحثية إلى أبحاث منشورة قديمة بشأن تأثير الاختلافات في جين مستقبِل الأوكسيتوسين "OXTR"، الذي يُعدّل استجابة المرء للمحفزات الاجتماعية، مثل التوتر أو القلق.
وارتبطت تغيّرات الحمض النووي في "OXTR" بعديد من السمات الشخصية المرتبطة بالتواصل الاجتماعي والترابُط.
فمثلًا بيّنت دراسة عام 2009 في دورية "PNAS" أنّ الأشخاص الذين لديهم اختلاف واحد مُحدّد في جين OXTR يفكّرون ويتصرّفون بشكلٍ أقل تعاطفًا، وقد أدّى الاختلاف نفسه إلى تمتّع الأشخاص باستجابة أقوى للتوتر؛ عقليًا وجسديًا.
هل تتحكّم الجينات في مدى رضاك عن العلاقة الزوجية؟
كشفت دراسة منشورة عام 2021 في دورية "Scientific Reports" تتضمّن بيانات من 71 زوجًا متزوجين حديثًا في أوائل الثلاثينيات من عُمرهم، وفي غضون 3 أشهر من الزواج، أكمل الأزواج سلسلة من المقاييس الأساسية فيما يتعلّق بـ:
- الامتنان (تقدير ما يفعله الشريك).
- مدى الثقة بالشريك.
- التسامُح مع الشريك بعد تجاوز مُحدّد.
- الشدّة المتصوّرة لمشكلات العلاقة، مثل إظهار المودة أو مقدار الوقت الذي يقضيانه معًا.
- الرضا الزوجي
- بعض الأمور الإضافية، مثل الالتزام تجاه الشريك أو الغيرة، أو الخوف من فقدان محبّة الشريك.
وعلى مدى السنوات الثلاث التالية، أكمل كلا الشريكين مقاييس الرضا الزوجي تلك كل أربعة أشهر، إلى جانب عيّنات اللعاب لاستخراج الحمض النووي.
وتبيّن أنّ من لديهم النمط الجيني "rs3796863 CC" يتمتّعون برضا زوجي أكبر، مقارنةً بمن لديهم نمط جيني "AC/AA"، كما أفاد من يحملون النمط الجيني "CC" أيضًا بتمتّعهم بمزيدٍ من الثقة والتسامح والامتنان تجاه الشريك، وكانت هذه الارتباطات الجينية متشابهة بين الرجال والنساء.
هل تحسِم الجينات السمات الشخصية للأزواج؟
السمات الشخصية هي ما يُميّز كل شخص عن الآخر، وهي الأفكار والمشاعر والأفعال المُميِّزة للفرد عن غيره، ولكن هل الجينات المُحدِّد الأكبر لها؟
تشير دراسة التوائم والتبنّي المنشورة عام 2018 في مجلة "Molecular Psychiatry" أنّ شخصية الإنسان قابِلة للتوريث بنسبة 30% إلى 60%، ومع ذلك، فإنّ البيئة تُشكّل الشخصية أيضًا، فحسب دراسة أخرى عام 2020 في "The Wiley Encyclopedia of Personality and Individual Differences" فإنّ العوامل الوراثية والبيئية تؤثّر في السمات الشخصية، كما تتفاعل هذه العوامل معًا لتُشكّل السمات الفردية لكل شخص.
وهذا يعني أنّ لكل من الزوجين القدرة على تغيير سماته الشخصية إن كانت هناك حاجة إلى ذلك، وليس أنّ الجينات قد رسمت الطبيعة الشخصية مسبقًا، فالشخصية حصيلة عوامل متنوّعة وليس الجينات فقط.
هل يمكن التنبؤ بنجاح العلاقة جينيًا؟
ربّما في المستقبل تكون هناك اختبارات جينية تكون إشارة على احتمالية نجاح العلاقة أو إخفاقها، ولكنها على الأرجح لن تكون قطعية الدلالة؛ إذ إنّ ما يتحكّم في نجاح العلاقة أمورًا أخرى تتجاوز الجينات وحدها.
ولكن حال إجراء الاختبارات، فإنّها قد تكشف عن بعض الجوانب، مثل:
- المعالَجة العاطفية ومستويات التعاطُف لدى الأزواج.
- نمط التعلّق الذي يميل إليه كل من الزوجين.
- أنماط التواصل وحلّ الخلاف.
- مدى الاستعداد للإصابة بالقلق أو الاندفاع أو التجنّب سلوكًا.
- آليات التعافي من التوتر.
- إيقاعات النوم والحميمية المثالية.
وهو يُعرَف "باختبار التوافق الجيني" الذي لا يهدف إلى قطع العلاقات قبل أن تبدأ، وإنّما تعزيز العلاقة من خلال الفهم الدقيق لكلّ شريك، وربّما فتح مسار جديد في العلاقة للتواصل، فعندما يدرِك الأزواج الجينات الغالبة عليهما، فمن المُرجّح أن يُجري كل منهما التغيير المطلوب للحفاظ على العلاقة وتقليل وتيرة الخلافات.
ولكن في النهاية الجينات ليست وحدها ما يرسم مسار العلاقة الزوجية، وإنّما العوامل البيئية وعوامل أخرى ترسّخت في شخصية كل من الزوجين على مدار السنوات، وربّما لا تكفي معرفة الجينات السائدة لدى كل من الزوجين في إصلاح العلاقة إن لم تكُن هناك رغبة حقيقية منهما في الحفاظ على علاقتهما.
