فجوة الطموح بين الزوجين.. كيف تتعامل مع شريك أقل طموحًا؟
يواجه كل إنسان تحديات تتفاوت في حجمها تبعًا لطموحاته وأهدافه، وغالبًا ما يكون الدعم الذي يتلقاه من شريك حياته عاملًا حاسمًا في قدرته على الصمود أو الاستمرار. لكن هل يستطيع الحصول على ذلك السند العاطفي الذي يحتاج إليه إذا لم تكن زوجته تشاركه القدر نفسه من الطموح أو الرؤية للمستقبل؟
فجوة الطموح من المشكلات الشائكة في العلاقات الزوجية، فهي لا تفجّر مشكلات الحياة المهنية فحسب، بل قد تمتدّ لكل تفاصيل الحياة اليومية بين الزوجين، لأنّ من يطمح لشيءٍ يشعر أنّ الطرف الآخر -غير الطموح- من العقبات التي تحول بينه وبين ما يرغب في إنجازه، رغم أنّ الزواج يُفترَض أن يكون مركبًا يقود الزوجين نحو هدفٍ نهائي مُشترَك.
فهل يستمرّ المركب مع اختلاف أهداف رُكّابه؟ وهل يمكِن دفع الشريك ذي الطموح المنخفض إلى مستوى الطرف الآخر أو حتى الالتقاء في نقطة وسط؟
الطموح.. المُحرّك الذاتي للنجاح في الحياة
ما الطموح إلّا رغبة في النجاح وتحقيق الإنجازات، سواء كانت ملموسةً، مثل الترقية المهنية أو غير ملموسة مثل النموّ الشخصي، فالطموح يحفّزنا على التطوّر المستمر، وقد يختلف الطموح بين شخصٍ وغيره، تبعًا لصفاته الشخصية أو تنشئته في الصغر أو حتى تجاربه الشخصية.
ولكن في نهاية المطاف يدفعنا الطموح إلى بذل أقصى جهدٍ نملكه، لبلوغ الأهداف الشاقّة، ما ينعكس على النموّ الشخصي والثقة الذاتية، كما أنّ الطموح نفسه دافِع للابتكار، والتفكير خارج الصندوق.
فجوة الطموح في العلاقات الزوجية
إذًا الطموح مرتبط بالشخص ذاته في المقام الأول، ولكن قد تتسلل فجوة الطموح تلقائيًا عندما يكون أحد الزوجين شديد الحماس، يسعى جادًا لتحقيق أهدافه، بينما يكون الطرف الآخر على النقيض من ذلك.
وهذه الفجوة ليست على مستوى الطموح فحسب، بل أيضًا في المشاعر المتبادَلة؛ إذ قد يزداد إحساس الوحدة حتى عندما يكون الزوجان معًا، وفيما يلي بعض التفاصيل الموضحة لفجوة الطموح حسب منصة "Psychology today":
1. فجوة الطموح تزيد الجفاء العاطفي
قد يحصل الرجل على ترقية كبيرة في العمل، وربما تبتهج الزوجة لأجل ذلك في البداية، ولكن بمرور الأسابيع، تُلاحِظ الزوجة أنّ أيام الزوج باتت مليئة بالتدريب على القيادة أو غيرها من أمور مرتبطة بالترقية حتى في وقت متأخر من الليل.
وفي الوقت نفسه، فإنّ الزوجة مثلًا تجد راحتها في وظيفتها المعتادة، فهي ذات أوقات ثابتة، وتمنحها مساحة للاستمتاع بالحياة خارج العمل، وهُنا قد تظهر فجوة الطموح بين الزوجين.
فعندما يسعى أحد الزوجين بلا كلل إلى تحقيق أهداف كبيرة، بينما يكون الطرف الآخر أكثر استرخاءً، فقد يُنشِئ ذلك خللًا ملحوظًا في توازن العلاقة، فيبدأ إحساس عدم الأمان أو تدنّي القيمة الذاتية أو الخوف من مستقبل العلاقة يتسلّل إلى الشريك الأقل طموحًا.
وربّما يتفاقم هذا الشعور إن كان على هذا الشريك أن يتخلّى عن أحلامه أو أهدافه ليكون على وفاق مع أهداف شريكه؛ إذ أظهرت دراسة عام 2018 في مجلة العلوم الإدارية الفصلية "Administrative Science Quarterly" أنّه عندما يضحّي أحد الشريكين بطموحاته لدعم أهداف الآخر، فإنّ ذلك يخلّ توازن العلاقة، ويُنشِئ استياءً يتراكم تدريجيًا؛ خصوصًا عند توقّف إحساس الشريك الداعم بأنّه مرئي أو راض.
2. غياب أوقات الحميمية
وهذا بدهي؛ إذ إنّ لكل شريك توجّهات وطموحات مختلفة عن الآخر، فمثلًا إذا كان الزوج يعمل في مناوبات ليلية؛ أملًا في ترقية لاحقًا، بينما تعمل الزوجة بين التاسعة صباحًا والخامسة مساءً، فبالتأكيد لن يتيسّر لهما الاجتماع معًا، وهذا قد يعني أن يعيش كل من الزوجين حياة متوازية رغم مبيتهما تحت سقف واحد في نهاية اليوم.
ويدلّ على ذلك دراسة عام 2012 في مجلة قضايا الأسرة والاقتصاد "Journal of Family and Economic Issues"؛ إذ بيّنت أنّ العمل في مناوبات ليلية أو غير منتظمة بالنسبة للرجال، قد يؤدي إلى انخفاض جودة الزواج، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى غياب الرجل عن البيت معظم الوقت، وهذا قد يُفضِي إلى شعور الشريك بأنّه على الهامِش ولا ينال الاهتمام الذي يستحقه.
أمّا النساء فلسن أفضل حالًا، بل إنّ عملهنّ في وظيفتهن خارج المنزل ليس هو نشاطهنّ الوحيد؛ إذ يتحمّلن الحصة الكبرى من المسؤوليات المنزلية إلى جانب العمل، كما يفتقرن إلى الوقت اللازم لرعاية أنفسهنّ وأُسرهنّ، وكلّ ذلك يمكِن أن يضرّ بالعلاقة.
لذا ينبغي للزوجين أن يُحدّدا وقتًا يقضيانه معًا لا لشيء إلّا إعادة التواصل والحميمية بينهما، وذلك دون إخلال بمواعيد أو التزامات أو ما يطمح أي منهما إلى تحقيقه.
علامات افتقار الشريك إلى الطموح
أحيانًا تحت سحابة الحبّ، لا يرى الزوجان افتقار أحدهما إلى الطموح، وربّما يظنّ أنّ الوضع الحاليّ هو الطبيعي؛ أن يكون ممتلئًا حماسًا ونشاطًا للنجاح، بينما لا يكون الشريك على نفس الدرجة.
ولحسْم هذا الأمر، توضّح العلامات الآتية ما إذا كان الشريك مفتقِرًا إلى الطموح أم لا:
1. غياب التخطيط للمستقبل
إذا كان الشريك لا يصبّ تركيزه الكامل، بل يذهَل سريعًا عنك عندما تتحدّث عن الخطط المستقبلية، مثل إجازة الشهر المُقبِل أو خُطط التقاعُد، بل ربّما لا يرى أنّ ذلك أمر يستحق التخطيط من أجله.
فالتهرّب المستمر من الحديث الجاد عن المستقبل لا يُحبِطك فحسب، بل إنّه بمثابة إنذار واضح على أنّكما لستما متفقَين بعد في أهداف المستقبل.
2. الكسل وغياب الشغف
إذا لم يكُن لدى الشريك طموحات عالية ترقى إلى مستوى طموحات الطرف الآخر، فربّما تكون هواياته فقط في تمضية الوقت، ولكن اهتماماته المفترضة قد تبدو كأنّها عادات يفعلها بين الحين والآخر وليس شيئًا يشغف به، فهو لا يقرأ مثلًا عن عاداته تلك أو يحاول التحسّن فيها.
سلْ نفسك متى كانت آخر مرة شارك فيها شريكك معك شيئًا كان متحمسًا له حقًا؟ بل متى كانت آخر مرة ظلّ فيها مستيقظًا حتى وقت متأخّر للعمل على مشروع لمجرّد أنّه لم يتمكّن من تركه دون إنهاء؟
على العكس قد تجد الشريك نشيطًا للغاية في مشاهدة مسلسل كامل في يومٍ واحد في عطلة نهاية الأسبوع، ولو طلبت منه تخصيص طاقته تلك لتعلّم مهارة جديدة أو السعي لتحقيق هدف، فالحقيقة تظهر تلقائيًا.
3. رفض التغيير لأنّه يستلزم جهدًا
الطموح غير مرتهن بالحياة المهنية فحسب، بل ربّما يتشعّب في شؤون الحياة الأخرى، فلو اقترحت مطعمًا جديدًا على شريكك مثلًا، لربّما وجدته يكشّر عن أنيابه للذهاب إلى مطعمه المعتاد، كما لو كان آخر مطعم متبقٍ على وجه الأرض.
حتى لو طلبت ترتيب الأثاث بطريقةٍ مختلفة، لربّما تجد الكلمة المعتادة التي تستقرّ في أذنيك في تلك المواقف "هذه هي الطريقة التي كُنت أفعل بها ذلك دائمًا"، فمقاومة التغيير سمة واضحة لمن لا يملكون الطموح.
فهذا النوع من الشركاء يحاول يائسًا إبقاء كل شيء على ما هو عليه تمامًا، حتى مع مرور الأيام وتبدّل كل شيءٍ من حولهم، بل قد يفتخرون بهذا العناد، وربّما يرون أنّ الثبات على ما هم عليه هو عين التقدّم والرقي، بينما يتحلّى الطرف الآخر بمرونة اكتسبها من طموحه وتجاربه، فكيف سيكون لقاء الزوجين بنهاية اليوم وكل منهما في وادٍ على هذا الحال؟
4. قد يحتفل الشريك بإنجازاتك ولكن هل يلهِمك للمزيد؟
في المباريات ترى المشجعين هناك يملؤون المدرّجات صخبًا وتشجيعًا لفرقهم، وحال الشريك غير الطموح لا يختلف كثيرًا، فهو على الأقل يشجعك عندما تحقّق إنجازًا مهنيًا، ولكن بالتأكيد ليس بنفس حماس الجماهير.
ولنتخيّل حوارًا يدور بين شريكَين على هذا المنوال، بأن دخلت على زوجتك مسرورًا بإنجازٍ استثنائي حقّقته في العمل، فما زادت على أن قالت "هذا جميل" بفتور واضح بينما تستمرّ في التمرير عبر هاتفها.
المشكلة ليست في أنّها لم تقُل شيئًا، بل رأت أنّ ما فعلته يستحق الإعجاب بالفعل، ولكن لم يكُن ذلك واضحًا في نبرتها ولم تكُن تلك الاستجابة التي كُنت تنتظرها، بل ربّما انخفض سقف طموحك بعد جوابٍ من هذا النوع.
5. العيش بوضعية "الطيار الآلي"
كما ذكرنا غياب الطموح لا يصِيب الحياة المهنية فحسب، بل يتسلّل إلى شؤون الحياة الزوجية كافة، والشريك من هذا النوع يسهل توقع نمط حياته، فهو يتعامل مع الحياة بنفس درجة الإثارة التي يتعامل بها شخص يقرأ الشروط والأحكام مثلًا، وحتى عطلات نهاية الأسبوع تلزم هذا النمط الصارم.
وكُلّما اقترحت شيئًا جديدًا فقد تطرق آذانك إجابة أخرى اعتدتها "ربّما في المرة القادمة"، وهي طريقة دبلوماسية بديلة عن قول "لن يحدث هذا أبدًا ولو بعد مليون عام!".
لقد ضاقت منطقة الراحة الخاصّة بالشريك، وبات يحرسها بنفسه، وبينما يكتب كلّ إنسانٍ من حولك قصّة حياته ويطمح للمزيد، يظلّ شريكك عالقًا في دائرته المغلقة دون هدفٍ حقيقي.
كيف تقلّل فجوة الطموح وتستعيد توازن العلاقة؟
اتضح لك أنّ الأمر أشبه بالسباحة في تيار مُضاد لك بالكامل، وكُلّما بذلت جهدًا كاد أن يضيع بسبب هذا التيّار، ولكنّك تملك بالتأكيد ما يُمكّنك من التعامل مع هذا التيّار وجعله يتدفّق في اتجاهك لا عكس مسارك، كما يتضح فيما يأتي:
1. خصّص وقتًا رومانسيًا لكما
ابذل بعض الجهد في إيجاد وقت مُخصّص لكما معًا، ولا تجعل عملك يطغى على تلك المساحة الزمنية، وحاوِل أن تتمالك نفسك ولا تفتح النقاش بشأن أهدافكما المشتركة، ولكن تكلّم عن أشياء أخرى مرتبطة بعلاقتكما، أو ذكّرها ببعض الذكريات اللطيفة التي مررتما بها معًا، فهذا قد يكسِر الحاجز النفسي قبل أن تفتح نقاشًا بشأن الأهداف المستقبلية أو الطموح.
2. حاول الوصول إلى مفهوم مشترَك للنجاح
بعد قضاء أوقات متعدّدة للحظات رومانسية، خصّص أوقاتًا أخرى لمناقشة وجهة نظر كل منكما في النجاح.
ربّما ترى أنت أنّ النجاح هو الوصول إلى نهاية السلّم الوظيفي، بينما يكون لدى الزوجة منظور آخر، مثل العيش بهدوء أو الاستقرار. نعم قد يكون هذا الاختلاف محبِطًا لك، ولكن ينبغي أن تتحلّى بانفتاح تام، خصوصًا مع شريك لا يمتلك طموحات.
وربّما تبدأ في النقاش من زاوية أخرى للنجاح، مثل النجاح في شراء منزل أو السفر أو بدء عمل تجاري، ومن هُنا يمكِن للشريك الذي لا يطمح إلى الكثير أن يلتقط طرف الخيط، وربّما يغيّر بعضًا من عاداته أو يشارِكك جزءًا من طموحك إن لم يحمله كلّه معك.
3. لا تقلّل من شأن طموحات الشريك أو تحاول إصلاحه
من السهل بالتأكيد أن تحاوِل رفع طموحات الشريك إلى مستواك، وربّما في سبيل ذلك قد تقلّل من شأن طموحاته عن غير قصد، ولكن عوضًا عن ذلك، اسأل الشريك كيف يمكنك دعم طموحه، حتى لو كان يجد السعادة في روتينه اليومي الثابت، فربّما يبادِلك الدعم ويدعمك أيضًا فيما تطمح إليه بعد ذلك، والمحاولة من هذا السبيل لن تُنقِصك شيئًا.
ختامًا، اختلاف طموح الزوجين ليس مشكلة عابرة؛ إذ بينما يخطّط أحدهما للمستقبل فإنّ الآخر مسترخٍ تمامًا ولا يأبه بأهدافٍ، بل يركّز على عيش اللحظة الحالية بسلامٍ وأمان، ومِنْ ثمّ فإنّ فتح نقاشٍ هادئ مع الشريك المفتقِر إلى الطموح قد يساعد كل منهما على العثور على نقطة مشتركة تُمكّنهما من الانطلاق نحو مستقبلٍ أسعد.
