لماذا يفضل الجميع التفاوض مع النساء بدلاً من الرجال؟
في عالم الأعمال والعلاقات المهنية، لا يُقاس النجاح دائمًا بحجم المكاسب المالية فقط، بل يمتد ليشمل جودة العلاقات التي تُبنى أثناء الوصول إلى الاتفاقات
وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة نُشرت في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم عن نتيجة لافتة، مفادها أن الأشخاص يميلون إلى الشعور بمزيد من الرضا والارتياح عند التفاوض مع النساء مقارنة بالرجال، رغم تحقيق الطرفين نتائج مالية متقاربة.
مهارات تفاوضية بين الرجال والنساء
يُعد التفاوض جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، سواء في بيئة العمل أو داخل الأسرة أو حتى في التعاملات التجارية البسيطة.
وعلى مدار سنوات طويلة، سادت تصورات تشير إلى أن الرجال يمتلكون مهارات تفاوضية أفضل، استنادًا إلى دراسات قديمة ربطت بين الجرأة في طلب المكاسب والنجاح في المفاوضات.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا ملحوظًا في هذا التصور، فقد أظهرت بيانات حديثة أن النساء أصبحن يتفاوضن بالمعدل نفسه تقريبًا الذي يتفاوض به الرجال، كما يحققن نتائج مالية مماثلة.
ومع ذلك، بقي سؤال مهم مطروحًا، هل يختلف تأثير التفاوض على العلاقات الإنسانية باختلاف جنس المفاوض؟
ما هي القيمة الذاتية؟
ركزت الدراسة على مفهوم يُعرف باسم "القيمة الذاتية"، وهو يشير إلى المشاعر والانطباعات التي يخرج بها المشاركون من عملية التفاوض، مثل الثقة المتبادلة، والإحساس بالفهم، والرضا عن أسلوب الحوار.
ويؤكد الباحثون أن هذه القيمة لا تقل أهمية عن المكاسب المادية، لأنها تؤثر بشكل مباشر في رغبة الأطراف بالتعاون مجددًا في المستقبل.
ففي عالم الأعمال، غالبًا ما تكون العلاقة طويلة الأمد أكثر قيمة من تحقيق مكسب سريع في صفقة واحدة.
في أولى مراحل الدراسة، جرى تحليل بيانات أكثر من 2000 عملية تقييم ناتجة عن محاكاة تفاوضية شارك فيها 231 طالبًا من برنامج ماجستير إدارة الأعمال على مدار عشرة أسابيع.
لماذا ينجح التفاوض مع النساء؟
وأظهرت النتائج أن المشاركين منحوا النساء تقييمات أعلى في عدة جوانب، أبرزها القدرة على بناء الثقة، والإنصات للطرف الآخر، وإظهار الاهتمام باحتياجات الشريك التفاوضي.
كما أعرب المشاركون عن رغبتهم في التعامل مجددًا مع النساء بنسبة بلغت 94.4%، مقارنة بـ91.9% للرجال.
ورغم هذا الفارق في الانطباعات، لم تسجل الدراسة أي اختلاف جوهري في النتائج المالية النهائية التي حققها الرجال والنساء.
وللتحقق من استمرار هذه النتائج بعيدًا عن التأثيرات البصرية والانطباعات المباشرة، انتقل الباحثون إلى دراسة أخرى شملت 846 مشاركًا في مفاوضات نصية مجهولة عبر الإنترنت.
هل يؤثر الجنس على الانطباع الأول؟
المثير للاهتمام أن المشاركين لم يكونوا يعرفون جنس الشخص الذي يتفاوضون معه، ومع ذلك أظهروا مستويات أعلى من الإعجاب والرضا عندما كانت المحادثات تعود في الأصل إلى مفاوضات أجرتها نساء، كما ظل مستوى المكاسب الاقتصادية متساويًا تقريبًا بين الجنسين.
في محاولة للإجابة عن هذا السؤال، أجرى الباحثون تجربة إضافية شملت 773 مشاركًا طُلب منهم قراءة نصوص محادثات تفاوضية واستخلاص انطباعاتهم عنها.
وفي بعض الحالات تم إخبار المشاركين بأن الطرف الآخر رجل أو امرأة، بينما حُجبت هذه المعلومات في حالات أخرى.
وأظهرت النتائج أن النصوص التي كتبتها النساء حصلت على تقييمات أعلى من حيث الدفء والكفاءة، بغض النظر عن الوصف أو التصنيف المسبق الذي قُدم للمشاركين.
وهو ما يشير إلى أن الانطباعات الإيجابية قد تكون مرتبطة بأساليب التواصل والسلوك الفعلي أكثر من ارتباطها بالصور النمطية الشائعة.
أهمية المهارات الاجتماعية في عالم التفاوض
تسلط نتائج الدراسة الضوء على أهمية المهارات الاجتماعية في عالم التفاوض الحديث، فبينما يحقق الرجال والنساء نتائج مالية متقاربة، يبدو أن النساء يمتلكن قدرة أكبر على ترك انطباعات إيجابية وتعزيز الثقة المتبادلة، وهو ما قد يفتح الباب أمام فرص تعاون مستقبلية وعلاقات مهنية أكثر استدامة.
وفي بيئة اقتصادية تعتمد بشكل متزايد على الشراكات طويلة الأمد، قد تصبح هذه الميزة الاجتماعية عاملًا حاسمًا لا يقل أهمية عن قيمة الصفقة نفسها.
