دراسة تفجر مفاجأة: الهدايا والاهتمام الزائد ليسا دليلاً على الحب
كشفت دراسة نفسية حديثة أن الرجال الذين ينخرطون في سلوكيات رومانسية مفرطة وقهرية تجاه أشخاص لا يبادلونهم المشاعر، غالبًا ما تحركهم مخاوف عميقة من البقاء دون شريك، وليس بالضرورة انخفاض جاذبيتهم أو مكانتهم الاجتماعية.
وأوضحت الدراسة التي نشرت في مجلة Journal of Personality، أن ما يُعرف بمصطلح "التغزل المفرط" يرتبط بشكل وثيق بالقلق من العزوبية، أكثر من ارتباطه بأي عامل آخر.
ما المقصود بالتغزل المفرط؟
في السنوات الأخيرة، انتشر مصطلح "التغزل المفرط" على نطاق واسع في ثقافة الإنترنت لوصف رجال يبدون تفانيًا مبالغًا فيه أو مكلفًا تجاه أشخاص يسعون إلى الارتباط بهم عاطفيًا.
ويشمل هذا السلوك إغراق الطرف الآخر بالمشاعر، أو تقديم هدايا باهظة الثمن، أو منحه اهتمامًا متواصلًا حتى في غياب أي مشاعر متبادلة.
ويختلف هذا النمط عن الدعم أو الاهتمام الطبيعي بين الشريكين، إذ يتجاوز حدود المودة المعتادة ليصل في كثير من الأحيان إلى ما يشبه التعلق أو التطفل العاطفي المفرط.
وسعى فريق من الباحثين بقيادة دانيال هو من جامعة سنغافورة للإدارة إلى فهم الدوافع النفسية الكامنة وراء هذا السلوك.
وانطلقت الدراسة من فرضية أن هذا النمط من السعي الرومانسي المفرط يعكس ضغوطًا تطورية قديمة لم تعد تتوافق مع بيئة المواعدة الحديثة.
وأشار الباحثون إلى أنه عبر التاريخ كان الرجال هم الطرف الذي يبادر عادة بالمغازلة، بينما كانت النساء، بحكم التكاليف البيولوجية المرتبطة بالحمل وتربية الأبناء، أكثر ميلًا لاختيار شركاء قادرين على توفير الموارد والاستقرار والالتزام طويل الأمد.
وأوضح الفريق أن مفهوم "عدم التوافق التطوري" يفسر جانبًا من هذه الظاهرة، إذ إن تطبيقات المواعدة ووسائل التواصل الاجتماعي خلقت سوقًا مفتوحة تضم عددًا هائلًا من المنافسين المحتملين، وهو وضع لم تتطور الأدمغة البشرية للتعامل معه.
بيئة المواعدة الحديثة
ترى الدراسة أن بيئة المواعدة الحديثة فرضت منافسة أكبر بين الرجال، حيث أصبحت مهارات الإقناع والمغازلة أكثر أهمية للتميز وسط عدد لا محدود تقريبًا من المنافسين.
وفي المقابل، أدى ارتفاع الاستقلال الاقتصادي للنساء إلى رفع معايير اختيار الشريك، ما دفع بعض الرجال إلى محاولة تعويض شعورهم بالنقص من خلال إظهار مستويات مبالغ فيها من الالتزام والاهتمام.
ويعتقد الباحثون أن الرجل الذي يشعر بانخفاض ما يُعرف بـ"قيمة الشريك"، وهي مفهوم يشمل الجاذبية الجسدية والمكانة الاجتماعية والصفات الشخصية، قد يلجأ إلى استثمار مبالغ كبيرة من المال والوقت والطاقة في العلاقة، على أمل تعويض هذا النقص المتصور.
افترض الباحثون أيضًا أن القلق من البقاء دون شريك يمثل الدافع العاطفي الأساسي لهذا النوع من السلوكيات، خصوصًا في ظل الضغوط الاجتماعية التي يواجهها الرجال من الأسرة والأصدقاء للارتباط والزواج، إلى جانب الوصمة التي قد تلاحق العزاب في بعض المجتمعات.
لاختبار هذه الفرضيات، صمم الباحثون ثلاث دراسات متتالية، ففي المرحلة الأولى، شارك 116 شخصًا بالغًا في تقديم أوصاف مفتوحة للسلوكيات التي تميز هذا النمط من العلاقات، ثم قام 299 مشاركًا آخر بتقييم مدى دقة هذه الأوصاف في التعبير عن مفهوم "التغزل المفرط".
وأظهرت النتائج أن هذه السلوكيات تنقسم إلى فئتين رئيستين هما الإفراط والوسواس.
وشملت سلوكيات الإفراط إنفاق مبالغ مالية كبيرة، والإطراء المستمر، والمبالغة في تقديم الهدايا والاهتمام، بينما تضمنت سلوكيات الوسواس التعلق الشديد بالطرف الآخر، والدفاع عنه بصورة مبالغ فيها، ووضعه في مكانة مثالية.
كما رأى المشاركون الذين راقبوا هذه السلوكيات أن أصحابها غالبًا ما يعانون من تدني احترام الذات وضعف الهوية الشخصية، واعتبروهم شركاء أقل جاذبية للدخول في علاقة عاطفية مستقرة.
بعد التوصل إلى تعريف واضح للظاهرة، أجرى الباحثون دراسة ثانية شملت 200 رجل للكشف عن المؤشرات النفسية المرتبطة بها.
وأجاب المشاركون على استبيانات تقيس تصورهم لجاذبيتهم الشخصية، ومكانتهم الاجتماعية، وتجاربهم العاطفية، ومدى ميلهم إلى ممارسة سلوكيات المطاردة الرومانسية المفرطة.
كما استكملوا استبيانًا خاصًا بقياس الخوف من العزوبية، تضمن أسئلة حول مدى قلقهم من التقدم في العمر دون العثور على شريكة مناسبة، أو شعورهم بالخوف من عدم وجود شخص يناسبهم في المستقبل.
المحرك الحقيقي للتغزل المفرط
على خلاف التوقعات، لم تجد الدراسة أي علاقة ذات دلالة بين الجاذبية الجسدية أو المكانة الاجتماعية أو التقييم الذاتي لقيمة الشريك وبين احتمالية انخراط الرجل في سلوكيات "التغزل المفرط".
وبدلاً من ذلك، ظهر الخوف من الوحدة والعزوبية باعتباره أقوى مؤشر نفسي لهذه السلوكيات.
وأظهرت النتائج أن الرجال الذين سجلوا مستويات مرتفعة من القلق بشأن عدم العثور على شريكة حياة كانوا الأكثر ميلًا للإفراط في إظهار الاهتمام والتعلق بالطرف الآخر، كما تبين أنهم يتمتعون بدرجات أقل من الاستقرار العاطفي مقارنة بغيرهم.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى أن الدافع الأساسي وراء السلوكيات الرومانسية المبالغ فيها ليس نقص الجاذبية أو المكانة الاجتماعية، وإنما الخوف العميق من البقاء وحيدًا، وهو ما قد يدفع بعض الرجال إلى تبني أساليب عاطفية قهرية أملاً في الحفاظ على فرصة الارتباط.
