ما دور قاعدة التسعين ثانية في إدارة الغضب في العلاقات؟
لا تبدأ الخلافات دائمًا بمشكلات كُبرى، ولكن أحيانًا يكون لكلمة عابرة صدى واسعًا بين الزوجين؛ فبينما نطقت زوجتك كلمة، ربّما بنبرة تفهم جيدًا أنّها ليست ودودة، وتحاوِل أن تتمالك أعصابك، تشعر أنّ ضربات قلبك ارتفعت، وأنّ عقلك قدّم استقالته وسط هيمنة الانفعال العاطفي.
ولكن قبل أن يخرج كلّ شيء عن السيطرة، مضت 90 ثانية تقريبًا، تفاعل فيها عقلك مع نبرة زوجتك، فهل من الممكن إدارة الغضب في تلك الثواني المعدودة قبل أن تتسع دائرة الخلاف، أم أنّ الأوان قد فات بالفعل؟
إدارة الغضب في العلاقات تبدأ من قاعدة التسعين ثانية
تعود قاعدة التسعين ثانية إلى عمل الدكتورة "جيل بولت تايلور"، عالِمة التشريح العصبي، التي تلقّت تدريبها في جامعة هارفارد، والتي درست الدماغ بالكامل بعد نجاتها من سكتة دماغية حادة.
واكتشفت خلال بحثها أنّه عندما يواجه الشخص محفّزًا عاطفيًا، تستغرق الاستجابة الكيميائية العصبية بأسرها؛ بدءًا من التنشيط الأوّلي للّوزة الدماغية، وحتى تدفق هرمونات التوتر عبر مجرى الدم، نحو 90 ثانية لإكمال دورتها.
بمعنى أنّ العُمر الكيميائي للعاطفة في جسمك هو 90 ثانية التي تجتاح هرمونات التوتر جسمك خلالها، مثل الكورتيزول والنور أدرينالين.
وقد لا يمكنك منع اللوزة الدماغية من أن تستنفر جسمك، ولكن ما يحدث بعد تلك النافذة التي تستغرق 90 ثانية يقع تحت نطاق سيطرتك إلى حدٍ كبير.
عندما يشتعل الخلاف من قلب الحبّ
بدايةً ينبغي أن تعلم أنّ علاقتك الزوجية أقوى محفّز عاطفي لك، وهذه ليست مبالغة؛ إذ توضّح نظرية التعلّق لـ"جون بولبي" -التي تدعمها الآن عقود من أبحاث علم الأعصاب- أنّ الروابط الرومانسية بين البالغين تُنشّط نفس الدوائر العصبية، مثل الرابطة بين الرضيع ومن يرعاه.
والشريك -من الناحية العصبية- هو الشخص الذي تتعلّق به، وعندما تشعر أنّ هذه الرابطة مُهدّدة، يستجيب جسمك كما لو أنّ حياتك في خطر.
وتصِف "سو جونسون" مطوّرة العلاج المرتكز على العاطفة هذا الأمر بأنّه "هلع التعلّق"، فاللوزة الدماغية التي ترصد التهديدات تستنفر الجسم فورًا دون إفساح مجال للتشاور مع قشرة الفصّ الجبهي (الجزء من الدماغ المسؤول عن التفكير المنطقي واتخاذ القرارات)، فلا شيء يدور في عقلك سوى أنّك في خطر.
فالتفكير المنطقي يتأخر بضع ثوانٍ عن استنفار اللوزة الدماغية التي تتعامل كما لو كان هناك خطر محدق بحياتك، وإلى أن تبدأ قشرة الفص الجبهي في استعادة زمام الأمور من اللوزة الدماغية، يكون الجسم قد بدأ استجابته لهرمونات التوتر، بارتفاع معدل ضربات القلب، وتوتر العضلات، سواء تجاوبت مع شريكتك خلال تلك الفترة الوجيزة أو بقيت صامتًا.
قبل أن تجِيب في ساعة الخلاف.. ماذا يحدث داخل عقلك في الثواني الأولى؟
لنتعمّق قليلًا فيما يحدث كي تكون على دراية بحالتك الذهنية والعاطفية وقت احتدام الخلاف:
من 0 إلى 1 ثانية.. اللوزة الدماغية تستنفر جسمك
ربّما قالت زوجتك كلامًا فتح جرحًا قديمًا لديك، أو ربّما كانت نبرة الانتقاد أو الرفض حادّة، نعم قد يبدأ الخلاف من مثل هذه المواقف البسيطة؛ إذ ترصدها اللوزة الدماغية وتبدأ عملها على الفور دون إرادةٍ منك.
من 1 إلى 6 ثوانٍ.. عقلك يحاوِل إنقاذك
تبدأ هرمونات التوتر في اجتياح الجسم، فيرتفع معدل ضربات قلبك، ويتدفق الدم نحو مجموعات العضلات الكبيرة، وتبدأ قشرة الفص الجبهي في التوقف عن العمل، فالتفكير المنطقي غير مُتاح في تلك اللحظة، ولا يسعك التفكير في العواقب أو فهم وجهة نظر شريكتك جيدًا.
من 6 إلى 90 ثانية.. ذروة الانفعال العصبي
تلك هي النافذة الزمنية التي حدّدها الدكتور "بولت تايلور"، بينما تستمرّ هرمونات التوتر في غزو مجرى الدم، ما ينعكس على الجسم في شكل ضيق الصدر أو حرارة الوجه، ولكن ما إن تصل تلك الموجة إلى ذروتها، فإنّها تنحدر طبيعيًا بعد ذلك.
بعد 90 ثانية.. عليك أن تُقرِّر
يكون الكبد والكلى قد بدآ بالتعامل مع الهرمونات والمواد الكيميائية التي اجتاحت مجرى الدم منذ ثوانٍ، لذا إن تمكّنت من تجاوز تلك الموجة التي لم تستغرق سوى دقيقة ونصف دون أن تُشعِل أوار الخلاف، فسوف يبدأ جهازك العصبي في الاستقرار من تلقاء نفسه.
ولكن لا يسمح معظم الأزواج لتلك الموجة بالمرور، بل يُعِيدون تشغيلها مرارًا وتكرارًا، ويُجدّدون اجتياح هرمونات التوتر لأجسامهم، ما يخلق خلافات فوق الخلاف القائم، وما بدأ كرد فعلٍ بيولوجي مُدّته 90 ثانية، أصبح مشاجرة استمرّت لساعات، أنهكت أي طاقة متبقية لدى الزوجين.
لماذا يعلَق الأزواج في الخلاف ويعِيدون الشريط مرارًا وتكرارًا؟
المسألة الآن باتت إرادية؛ إذ في كل مرة يعِيد فيها أحد الزوجين أو كليهما الحوار والكلمات في ذهنه، وفي كل مرة يستعدّ كل منهما بحجته لمواجهة الآخر، وفي كل مرة يستدعي فيها كلّ منهما أخطاء الماضي، فإنّ اللوزة الدماغية يتجدّد نشاطها أكثر وأكثر، فهي لا تُميّز بين التهديد الحقيقي للحياة والتهديد المتخيّل، ويؤدّي كلّ نمط تفكيرٍ يزعِجك إلى إشعال سلسلة جديدة من التفاعلات الكيميائية العصبية مُدّتها 90 ثانية.
وربّما بعد ساعات من الخلاف لا يتذكّر الأزواج لم بدأ الخلاف أصلًا، فهم لم يعودوا يتشاجرون بشأن القضية الأصلية، وإنّما الشجار لمُجرّد الشجار، وباتت البيولوجيا هي ما يُحرِّك الصراع وليس أمرًا مُحددًا يحاولان الوصول إلى حلٍ بشأنه.
طريقة RAVE.. تطبيق قاعدة التسعين ثانية في الخلافات الزوجية
تساعد طريقة RAVE على إدارة الغضب في العلاقات، وترتكز على مبدأ استعادة السلامة البيولوجية أولًا قبل العودة إلى التفكير المنطقي، وهي مُصمّمة للتعامُل مع النافذة الزمنية التي لا تتجاوز 90 ثانية، وتتضمّن الخطوات الآتية:
1. الانعكاس
الخطوة الأولى أن تعكِس ما تراه في شريكتك، وهذا لا يعني الموافقة على موقفها أو التنازُل عن حجّتك، ولكن فقط لإظهار أنّك تتفهّم مشاعرها جيدًا، وهذا هو الانعكاس، الذي يُنشّط الخلايا العصبية المرآتية لدى شريكتك، ما يحفّز تنظيمًا مشتركًا لمشاعركما.
فالانعكاس يخبِر اللوزة الدماغية لديها أنّك منتبِه لشريكتك وأنّ الأمان الذي تقدّمه لها لا يزال قائمًا، وهذا يساعد على تجاوز هلع التعلق الذي تنشط من أجله اللوزة الدماغية.
2. القبول
القبول لا يعني موافقتك على وجهة نظر زوجتك، بل الاعتراف بما مرّت به، فأنت لا تُقرّ بأنّك مُخطِئ تمامًا، وإنّما تُوصِل رسالة مفادها أنّك تتفهّم ما حدث جيدًا بدلًا من الاندفاع في الردّ والجدال.
ومن الناحية العصبية، فإنّ القبول يقلّل إشارة التهديد في اللوزة الدماغية؛ إذ عندما يكتشف دماغ شريكتك أنّك لا تتجاهل ما مرّت به أو تقلّل من شأنها، تتراجع اللوزة الدماغية عن إشعال كلّ شيء.
3. الإقرار
الإقرار أبعد من القبول، فأنت لا تكتفي بقبول الموقف الحاليّ لزوجتك، وإنّما تُقرّ أيضًا استجابتها العاطفية، فأنت تنقل رسالة أخرى مفادها "بالنظر إلى معرفتي بكِ، وما يعنيه هذا بالنسبة لكِ، فإنّ رد فعلك مفهوم بالنسبة لي".
وهُنا مكان عثرة الأزواج، لأنّ الإقرار يبدو في الظاهر وكأنّه قبول بوجهة نظر الشريك وأنّك المُخطئ، ولكن يمكِن إقرار تجربة الشريك ببساطة مع الاحتفاظ بمنظورك للحقائق كما هو.
4. الاستكشاف
"ما الذي قد يساعد الآن؟" لا تطرح هذا السؤال إلّا بعد كلّ الخطوات السابقة، وبحلول هذه المرحلة، يُفترض أنّ التسعين ثانية قد انقضت وأنّ استجابة اللوزة الدماغية لزوجتك قد تم احتواؤها، ومِنْ ثمّ فهرمونات التوتر لم تنبعث بوتيرةٍ كبيرة كما كان مفترضًا.
وكذلك قد تكون القشرة الجبهية الأمامية لديها عادت إلى العمل، فبإمكانها التفكير منطقيًا، والتوصّل معك إلى حلٍ وسط بعيدًا عن الانفعال واستمرار دوّامة الخلاف.
متى لا تكون القاعدة وحدها كافية لحل النزاعات؟
ربّما تبدو القاعدة بسيطة، تحتوي المشكلة في غضون 90 ثانية، ولكنّها ليست صالحة في كلّ الأحوال؛ إذ إنّها لن تؤدي إلى اختفاء سنوات من الأذى المتراكم أو تجبر الثقة المكسورة، أو تحلّ عدم التوافق أصلًا بين الأزواج.
ولكن ما تفعله القاعدة أنّها تمنح الأزواج موطئ قدم، أو بداية جديدة، أو إيقاف لحلقة الصراع التي عندما تبدأ لا تنتهي إلّا بعد ساعات أو ربّما أيام.
وفي النهاية لا تتعلّق قاعدة التسعين ثانية بالمُدّة الزمنية بقدر ما تهتمّ بكيفية حلّ الخلاف قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة، بأن تكون مرآة لمشاعر زوجتك، تقبل وتقرّ موقفها بينما تحتفظ بوجهة نظرك طالما كُنت على صواب، ثُمّ تأخذ بيدها لتستكشفا الحلّ معًا بدلًا من خلافٍ يستمرّ لساعات دون ثمرة حقيقية.
