المواد الإباحية.. أثرها المدمر للحياة الزوجية
تثير المواد الإباحية الخيال، وتُطلِق العنان لأفكارٍ ليس لها صدى في الواقع، وترسم مظهرًا غير حقيقي لما يُفترض أن يكون عليه الأزواج. وفي خضم كلّ ذلك، تعبث بمراكز المكافأة في الدماغ، الذي يستمرّ في طلب مادةٍ تلو الأخرى؛ بحثًا عن مُتعة أقوى، لكن دون جدوى.
كلّ ذلك يترك أثرًا على العلاقة الزوجية، حتى لو حاول أحد الزوجين إخفاء اطّلاعه على المواد الإباحية عن الشريك، فالتوقّعات لا تتوقّف، والرضا الجنسي يكون في أدنى درجاته، والثقة هي الحِصن الأخير الذي تكسره تلك المواد، فإلى أي مدى تترك المواد الإباحية بصمتها في العلاقة الزوجية؟ وكيف يمكِن التحرّر منها؟
المواد الإباحية والعلاقة الزوجية
للمواد الإباحية عواقب متنوّعة على العلاقة الزوجية، ولكن قبل أن تصل إلى العلاقة، فإنّ أثرها يبدأ في الصحة النفسية والتغيّرات التي تُخلِّفها وراءها في الدماغ، قبل أن تمتد إلى العلاقة الحميمة أيضًا.
والغيرة مثلًا جانب واحد من آثار المواد الإباحية على العلاقة الزوجية؛ إذ قد يشعر الشريك بالخجل أو عدم الأمان، وقد تنمو لديه مخاوف بشأن مظهره وما إذا كان لا يزال مرغوبًا فيه أم لا.
ولكن من ناحيةٍ أخرى، فإنّ المشكلات الزوجية قد تدفع أحد الزوجين إلى مشاهدة المواد الإباحية، فتنشأ لديه توقّعات غير حقيقية بشأن العلاقة الحميمة.
بين المُتعة والإدمان.. كيف تهيمن المواد الإباحية على العقل؟
يمكِن أن يؤثّر إدمان المواد الإباحية على العقل من نواحٍ مُختلفة؛ أهمها:
1. تنشيط مراكز المكافأة الدماغية
يُطلَق الدوبامين في الدماغ عندما يشعر المرء بالمُتعة، وحين يكون هناك إطلاق مُتكرّر لهذا الدوبامين، يتغيّر نشاط مركز المكافأة في الدماغ، بما يجعله بحاجةٍ إلى تحفيزٍ أكبر ليشعر بالمُتعة نفسها، ما يدفع المرء إلى الاستمرار في مشاهدة المواد الإباحية، حتى لو أضرّت بعلاقته الزوجية.
2. ضعف اتخاذ القرارات
ليست مراكز المكافأة هي الضحيّة الوحيدة للمواد الإباحية، بل كذلك الوظيفة الإدراكية والقدرة على اتّخاذ القرارات، فقد يواجِه مُدمنو المواد الإباحية صعوبة في إدراك العواقب السلبية لسلوكهم بدقّة، بينما يُركِّزون على المُتعة قصيرة الأمد.
3. اختلال التنظيم العاطفي
إذا كان أحد الزوجين يواجِه صعوبة في تنظيم مشاعره، فربّما يكون أكثر عرضةً لمشاهدة المواد الإباحية، ولكن بمرور الوقت قد يصير الأمر إدمانًا فقط لتجنّب المشاعر غير المريحة، ما قد يعزّز اختلال تنظيم المشاعر.
تأثير المواد الإباحية على الرضا الزوجي
من بين الأسباب التي تدفع أحد الزوجين إلى مشاهدة المواد الإباحية الظنّ بأنّها قد تُحسّن العلاقة الحميمة، ولكن الحقيقة نقيض ذلك تمامًا؛ إذ بدلًا من تعزيز العلاقة الحميمة، تُعدّ المواد الإباحية سبيلًا لزيادة عدم الرضا والإحباط بين الأزواج.
ويؤيّد ذلك دراسة عام 2021 في دورية "Computers in Human Behavior" أُجريت على 3,700 شخص بالغ في الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ ارتبط الاستخدام المتكرّر للمواد الإباحية بانخفاض الرضا الجنسي.
كما توصّلت دراسة أخرى عام 2017 في دورية "Journal of Social and Personal Relationships" إلى أنّ استخدام الرجال للمواد الإباحية، كان مرتبطًا بانخفاض الرضا في أمورٍ متنوّعة، بما في ذلك الوقت الذي يقضونه في العلاقة الحميمة، والمودّة والحبّ المُعبَّر عنهما في العلاقة كذلك.
ويؤكّد كلّ ذلك تحليل إحصائي شامل عام 2017 في دورية "Human Communication Research" لخمسين دراسة مختلفة، وضمّ أكثر من 50 ألف مشارِك في البحث؛ إذ أظهر أنّ الاستخدام المتكرّر للمواد الإباحية كان مرتبطًا بانخفاض الرضا عن العلاقة، خصوصًا بالنسبة للرجال.
لماذا يقلّ الرضا الجنسي مع مشاهدة المواد الإباحية؟
ثمّة أسباب تؤدي إلى انخفاض الرضا الجنسي مع المواد الإباحية، منها:
1. التخيّلات الذهنية والمقارنة المستمرة
فالخيال الزائف الناجِم عن تلك المواد، قد يعزّز التوقعات غير الحقيقية في العلاقة، خصوصًا أنّ المواد الإباحية مُتاحة دائمًا، وتلبّي التفضيلات والرغبات الشخصية للمُستخدِم، وهو ما قد لا يتوافر في العلاقة الزوجية.
كما افترض بعض الباحثين، حسب دراسة عام 2021 في دورية "Human Communication Research"، أنّ الرضا عن الزوج ينخفض من خلال المقارنة المستمرّة بالشركاء المُتخيّلين في المواد الإباحية، وبمرور الوقت تؤدي هذا المقارنة المستمرة إلى خلق معيار غير واقعي، يُفضِي إلى انخفاض الرضا الجنسي، ومِنْ ثمّ انهيار الرضا العام عن العلاقة أصلًا.
2. الهروب من المشكلات الحقيقية للعلاقة
يهرب بعض الأزواج إلى المواد الإباحية بسبب إحباطهم من العلاقة الزوجية أو عدم رضاهم عن العلاقة الحميمة؛ إذ تُصبِح المواد الإباحية في تلك الحالة آلية تكيّف غير صحيّة؛ إذ بمرور الوقت تظلّ المشكلات الحقيقية قائمة دون حلّ، وكذلك تضعف العلاقة الحميمة، وتتعمّق أزمة الرضا الجنسي بين الأزواج.
كيف تؤثر المواد الإباحية في التوقعات الجنسية بين الزوجين؟
تُنشئ المواد الإباحية عالمًا وهميًا في عقل من يستخدمها، فهي المكان الوحيد الذي يشعرون فيه بالراحة، وربّما لا يظهر الأمر في البداية، ولكن بمرور الوقت، فإنّهم يرغبون في الحصول على كلّ ما يُعرَض أمامهم، ولن يتردّدوا في المجازفة بالعلاقة الحاليّة في سبيل تحقيق ذلك.
كذلك فإنّهم ينسون ما تعنيه العلاقة الحميمة الحقيقية، وأنّها ليست مثل المشاهد المكتوبة بمثالية، ما يخلق في مخيّلتهم توقّعات غير حقيقية بشأن العلاقة الحميمة، ونظرة مُشوّهة لما ينبغي أن يكون عليه الشريك، ولا يستطيع الواقع تلبيّة متطلّباتهم الخيالية غالبًا.
الثقة الزوجية.. الحصن الأخير الذي تكسره المواد الإباحية
ربّما يخوض بعض الأزواج نقاشات صادقة بشأن المواد الإباحية، ولكنّ كثيرين يُخفون استخدامهم لتلك المواد عن أزواجهم، ربّما بسبب القلق من رد فعل الشريك، أو الرغبة في إخفاء التخيّلات الجنسية التي يعتقدون أنّ الشريك لن يوافِقهم عليها.
وهذا ما تشير إليه الدراسات أيضًا؛ إذ بيّنت دراسة عام 2024 في مجلة أبحاث الجنس "Journal of Sex Research" أنّ معظم الأزواج يخفقون في إجراء حوارٍ مفتوح بشأن تأثير المواد الإباحية في علاقتهم.
كما أظهرت دراسة أحدث عام 2025 في المجلة نفسها أنّ أكثر من 40% من الأزواج؛ ذكورًا وإناثًا، لم يكشفوا بشكلٍ كامل عن استخدامهم للمواد الإباحية، وهذا قد يُفضِي إلى أن يكذب الزوجان بشأن استخدام تلك المواد.
وبمرور الوقت، ومع استمرار أحد الزوجين في إخفاء شيءٍ ما عن الآخر، وربّما فزعه من أن يكشف الشريك هذا السرّ الذي لديه، فإنّ الثقة تتفكّك تدريجيًا، بما يضرّ العلاقة بنهاية المطاف.
الطلاق بسبب المواد الإباحية.. نتيجة حتمية أم محتملة؟
بعد أن قلّلت المواد الإباحية الرضا الجنسي، ورفعت سقف التوقعات بين الزوجين إلى مستوى غير واقعي، وأضعفت الثقة الزوجية، ماذا بقي من العلاقة الزوجية؟
قد يكون الطلاق منطقيًا حينها؛ إذ بيّنت دراسة عام 2017 في دورية "Archives of Sexual Behavior" أنّ استخدام المواد الإباحية يبدو مرتبطًا طوليًا بزيادة خطر الطلاق بعد 6 سنوات.
يؤيّد ذلك دراسة كبرى أُجريت على 2,000 أمريكي بالِغ -نُشِرت عام 2018 في مجلة "Journal of Sex Research" - فبناءً على النماذج التي أُجريت في الدراسة، فإنّ شابًا يبلغ من العُمر 20 عامًا ولا يستخدم المواد الإباحية، لديه فرصة بنسبة 9% للطلاق في وقت لاحق من حياته.
ومع ذلك، فإنّ هذا الشاب حين يبدأ مشاهدة المواد الإباحية، تكون لديه فرصة هائلة للطلاق بنسبة 51%؛ أي بزيادة تربو على 500%.
هل يتسلّل الطلاق إلى الزوجين حتى لو كانت علاقتهما سعيدة؟
درس نموذج آخر في الدراسة نفسها الأزواج الذين كانوا "سعداء جدًا"، وحسب البيانات، فإنّ الشخص الذي أفاد بأنّ زواجه كان سعيدًا جدًا ولم يشاهِد المواد الإباحية، كان احتمال طلاقه 3% فقط، ومع ذلك فإنّه حين بدأ في مشاهدة المواد الإباحية، ارتفع احتمال الطلاق إلى 12%؛ أي بزيادة قدرها 400%.
لحماية العلاقة الزوجية.. أفكار للتحرّر من إدمان المواد الإباحية
ليس من السهل التخلّص من إدمان المواد الإباحية بين ليلةٍ وضُحاها، ولكن قد تساعد الأفكار الآتية على التحرّر تدريجيًا من ذلك الإدمان:
- تجنّب البيئات أو الظروف التي تُحفّزك على استخدام المواد الإباحية.
- كتابة قائمة بالعواقب السلبية لاستخدام المواد الإباحية، والعواقب الإيجابية لتجنّبها.
- تعلّم طرقٍ جديدة للتعامل مع المشاعر القويّة، مثل القلق والوحدة والغضب والاكتئاب؛ إذ يلجأ بعض الناس إلى المواد الإباحية لعدم قدرتهم على تنظيم مشاعرهم.
- طلب العون من الشريك في تجنّب المواد الإباحية، بالسؤال المنتظِم عن مدى متابعة المواد الإباحية، وكذلك مراقبة الروتين الشخصي في التحرّر من الإدمان.
دور الشريك في التعافي وإعادة بناء العلاقة
الرحلة ليست سهلة، ولكنّها قد تكون أسهل إذا تعاون فيها الزوجان معًا، وربّما يصعب دعم شخص يحاول التغلب على إدمان المواد الإباحية؛ خصوصًا لو تأذى الشريك بسبب استخدام تلك المواد.
ولكن الدعم الحقيقي بين الأزواج يظهر في مثل هذه الأوقات، وينبغي حينها خلق بيئة إيجابية تشجّع الطرف الآخر على تجنّب المواد الإباحية، وإظهار الاهتمام والأخذ بيد الشريك لوضعه على طريق التعافي.
ورغم ذلك قد لا يُفلِح الزوجان، ومِنْ ثمّ تكون الحاجة إلى مُستشار زوجي أو مُعالِج جنسي، للمساعدة على حلّ المشكلات التي أدّت من البداية إلى الإفراط في استخدام المواد الإباحية.
